المسرح فضاء ثالث للامتزاج الحر بين الثقافات

المسرحي العراقي حليم هاتف جاسم: الأجناس الفنية ما بعد الحداثة فقدت نقاءها.
الجمعة 2020/06/05
مسرح هجين لا يعترف بحدود ثقافية وفنية

انتهى زمن الفنون النقية ودخل الإنسان إلى مرحلة جديدة، مرحلة تواكب التطور الهائل الذي تشهده المجتمعات البشرية التي صارت أكثر ترابطا وتداخلا اقتصاديا واجتماعيا ولغويا وثقافيا وغيرها، ما خلق مجتمعات بعيدة عن وهم النقاء الثقافي القديم، وهذا ما يدعو أيضا إلى خلق فنون تقوم على التهجين، ولا تعترف بدورها بالحدود القديمة، وهو ما يبرزه كتاب المسرحي العراقي حليم هاتف جاسم “هجنة الأداء التمثيلي في عروض مسرح ما بعد الحداثة”.

يتمتع الممثل والمخرج والباحث المسرحي العراقي حليم هاتف جاسم بحضور متميز في المشهد المسرحي العراقي والعربي، فإخراجيا قدم “سفر طاس” و”ملف مغلق” و”تداعيات”، وتمثيلا شارك في الكثير من المسرحيات أهمها “مسافر ليل” و”الخروج من دائرة الجنون” و”نزيف الذاكرة” و”المفتاح” و”لا قرار” و”المسخ” و”رحلة السندباد”، وهو مدرس مادة الإخراج والتمثيل في كلية الفنون الجميلة بجامعة القادسية، وأدار أكثر من مهرجان مسرحي.

كما أنه ناقد يتابع تجليات الرؤى الفنية، ومن إصداراته النقدية “هجنة الأداء التمثيلي في عروض مسرح ما بعد الحداثة”.

يشكل كتاب “هجنة الأداء التمثيلي في عروض مسرح ما بعد الحداثة”، الصادر أخيرا عن دار النفيس، إحدى أهم الدراسات التي تعالج مفهوم الهجنة في الدراسات الفلسفية والجمالية، تتناول بالتحليل أداءاتها الفنية وتمرحلات الأداء المسرحي من التجريب إلى مسرح ما بعد الحداثة.

التداخل بين الثقافات

يعالج الناقد الهجنة كأثر ثيمي واسع المدى ارتبط بآراء فلاسفة ما بعد الحداثة، ورأى أنه “لم تعد الأجناس الفنية جنساً نقياً، بل ظلت في جملة من التداخلات التي ساهمت في تفعيل الجوانب الجمالية والإبداعية فيها، والهجنة مفهوم ما بعد كولونيالي، إذ أن للكولونيالية الأثر الأشمل على هذه التمظهرات نظراً إلى ما تشيعه من طابع إشكالي كاسر للأطر والحوافز الأحادية، فهي تفرض سلطتها على المستعمَر ذي الثقافة الأقل انتشاراً أو الأقل مقبولية مع البنى المجاورة، ومن ثم تجعل من منظومتها الكريولية البداية الأشمل لحضورها، بحيث تكتسح ثقافة هذا البلد لتحيلها إلى أخرى”.

حليم هاتف جاسم: الثقافة الهجينة تبحث عن عبور الهويات لتجسيد روح العصر
حليم هاتف جاسم: الثقافة الهجينة تبحث عن عبور الهويات لتجسيد روح العصر

ويتابع “من هنا ظهرت في نهايات القرن العشرين صيحات مختلفة الأثر اتصفت بالهجنة، إذ برزت كفعل مغاير لكل ما سبقتها من المراحل، كونها ارتبطت بجملة أهداف أدائية بدءا بتمريرها الآخر فلسفياً، ومن ثم تأسست ثقافة هجينة وهي مرحلة البحث عما هو متداخل وعابر للهويات تجسيدا لروح العصر، من أجل خلق آفاق معرفية متناسلة، ومنها تتولد التساؤلات الكونية مع المتلقي ومغادرة كل الأشكال المألوفة/ العادية التي تضج بالمعنى الواحد كونها تنطلق من هيمنة الواحدية والسرديات الكبرى، لتشكل سردية افتراضية متوالدة بعيدا عن سرديات سلطوية مركزية”.

ويلفت جاسم إلى أن ظهور مفاهيم جديدة إلى الحياة الفكرية تمثلت في مفاهيم ما بعد البنيوية وما بعد الكولونيالية وما بعد الحداثة، أدى إلى تراجع الكثير من الأسس التي كانت سائدة كمحورية وعمادة النص المسرحي، وتغيرت النظرة إلى قداسة النص، وأصبح المخرج المسرحي أكثر هيمنة من المؤلف، وصار للعرض المسرحي نصه الخاص به، والأداء هنا يتبع أسلوب المخرج الذي يؤمن به، وكون الإخراج ضمن مفهوم ما بعد الحداثة لم تعد فيه تلك الأصولية والمنهجية للمدارس الإخراجية السابقة، فقد خضع لعدة مبادئ متناقضة، ولم يخش من دمج أساليب مشتتة، ويقوم بعملية إلصاق لأساليب تمثيل غير متناسقة ومتعددة، ومثل هذا الخلط والمزج في طبيعة أداء الممثل جعل من المستحيل تركيز الأداء التمثيلي حول مبدأ أو تقليد موحد، أو إرث لأسلوب أو طريقة معينة.

ويضيف “بذلك فإن عروض ما بعد الحداثة لم تعتمد الأسلوب الواحد في عملية الأداء، بل اعتمدت على تداخل الأساليب الأدائية، لاسيما في الأداء التمثيلي المهجن، ومنها ما اعتمد جسد الممثل مثل عروض ‘البانتومايم، والرقص الدرامي أو التعبيري’ ومنها ما اعتمد التكنولوجيا الحديثة في توظيف المنظر المسرحي، وأخرى ذهبت إلى أبعد من ذلك من خلال الخروج عن كل ما هو مألوف، وبات الأداء المسرحي يأخذ الشكل الدلالي/ العلاماتي الخاضع لمنظومة عرض سيميائي مشفر”.

ويتابع “ومثلما اختلفت الرؤى والطروحات في أسلوبية هذه العروض؛ غاب أسلوب الأداء التمثيلي الذي لا نستطيع أن ندرجه في أسلوب معين من ضمن الأساليب المتعارف عليها، كأسلوب غروتوفسكي في المسرح الفقير أو أنطوان أرتو في مسرح القسوة، إذ أخذ الأداء المسرحي المعاصر -كونه انعكاسا لأنساق الثقافة المعاصرة- يجمع أكثر من أسلوبين متداخلين، ومن هنا حل مفهوم هجنة الأداء التمثيلي في عروض مسرح ما بعد الحداثة كونها غير قادرة على فرز أسلوب معين لتداخل تلك الأساليب”.

في ضوء هذه الرؤية يتساءل جاسم عن الأساليب والتقنيات التي استخدمت لتحقيق التداخل والتعدد في الأساليب الأدائية في العروض الأدائية في المسرح المعاصر، وعن طرائق تمازجها الجمالي والدلالي. كما يحاول تحديد مفهوم الهجنة في العرض المسرحي كونها مفهوما إشكاليا ويعد من المصطلحات الحديثة الداخلة على الحياة المسرحية في العراق، لذا يقر بضرورة فك الاشتباك والتداخل ما بين الهجنة كمفهوم مستورد والأداء التمثيلي كأساس للعرض المسرحي العراقي، سعيا إلى توضيح أهمية ارتباط الأداء التمثيلي في المسرح العراقي وفق طروحات ما بعد الحداثة، وهي خلق شكل تثاقفي جديد داخل نطاق الاحتكاك الذي يخلقه الاستعمار، وهو مصطلح استخدم في خطاب ما بعد الكولونيالية، ليعني ببساطة التداخل بين الثقافات المتعددة وبأشكال متعددة لغوية ـ ثقافية ـ سياسية ـ عرقية.

ويشير الناقد إلى أن موضوع الهجنة يتمثل بكثير من الأداءات المحايثة لها التي وجدت لها أرضية واسعة في تنظيرات ما بعد الحداثة، ومع مجيء هذا العصر وثورة الاتصالات والمعلومات والتداخل الأيديولوجي الذي يتصف بالتنوع، وكذلك الهجرة التي من شأنها هي الأخرى أن تولد لنا تنوعا ثقافيا وهو ناتج من ثقافتين مختلفتين، وبالتالي فإن تلك المواضيع ما هي إلا انعكاس على المسرح كونها متواجدة في تركيبة العمل المسرحي سواء أكان في النص، أي نص المؤلف، أو في نص العرض الذي يشكله عبر منظومة عناصر العرض.

التناص وآفاق الممثل

الهجنة اعتمدت على الممثل كعنصر أساسي في توصيل لغة العرض المسرحي من خلال الحوار والتقمص في أداء الشخصية
الهجنة اعتمدت على الممثل كعنصر أساسي في توصيل لغة العرض المسرحي من خلال الحوار والتقمص في أداء الشخصية

يشدد جاسم على أن “التناص” قد يكون متواجدا في رؤية سابقة أو أداء سابق؛ كون التناصات، حسب رولان بارت، هي شأن أي نص. وهذه التناصات ما هي إلا رؤى متلاقحة ومزدوجة في نتاجها النهائي، مما يؤكد هجنتها في تعدديتها التي اتسمت بها، وكذلك المثاقفة التي باتت اليوم جزءاً مهما من ثقافة أي مجتمع عبر التداخل الثقافي والاحتكاك الذي تشكله والمسرح بوصفه واحدا من الفنون التي تؤثر وتتأثر بكل ما هو جديد.

معتبرا أن التجارب الأدائية ما هي إلا تجارب أغلبها وافدة جاءت نتيجة المثاقفة ما بين الشعوب والتأثر بثقافة تلك الشعوب، وخير دليل على ذلك نتاج العملية المسرحية العربية وتأثرها بالغرب وممارسة المسرح الغربي وتأثره بالمسرح الشرقي الذي اعتمد لغة الجسد في تجسيد العرض المسرحي والتي هي بالتالي تخضع لتعددية في الأداء، وهذه التعددية والمزاوجة أو التلاقح لا تؤكد هوية الأداء الخاضع هو الآخر إلى التنوع والتعدد والتداخل، فهو نتاج ثقافات أخرى لتنتج لنا بالتالي أداء هجينا، جاء من خلال اختلاط أداءات متعددة تشابكت وتعددت فيما بينها ليكون ناتجها متسما بالصفة الهجنوية”.

ويقول المؤلف “على الرغم من أن الفن يتصف بالجوهر الواحد، إلا أنه يمتلك سمة التنوع، وهذا التنوع أحدث بدوره تداخلا متخالطا ومتشابكا ولد نمطا هجينا غير خاضع لأسلوب واحد، بل تعددت فيه الأساليب بعد أن تشابكت ليكون ناتجها حصيلة أجناس متعددة لتولد لدى هذه الأجناس أسلوباً هجيناً جديداً، حيث أصبح موضوع الهجنة كثير الاستخدام في عالم ‘الموضة‘ والأدب والموسيقى والفن والمسرح والثقافة بصورة عامة”.

ويتابع حول مفهوم الهجنة أنه “غالبا ما يشير إلى الامتزاج الحر بين الأجناس أو الأساليب على أساس امتزاج ألوان الجلد، وغالبا ما نجد هذا المصطلح عند مفكري ما بعد الحداثة كونه يرتبط ارتباطا وثيقا بنظرية ‘ما بعد الكولونيالية‘ وهي تشير إلى خلق أشكال تثاقفية جديدة داخل نطاق الاحتكاك الذي يخلفه الاستعمار، وتتخذ بذلك أشكالا متعددة منها ما هو سياسي أو عرقي أو ثقافي، وقد ارتبط هذا المصطلح ‘الهجنة‘ بأعمال هومي بابا الذي يؤكد تحليله لعلاقة المستعَمر بالمستعِمر باعتمادها المتبادل بعضها على بعض في صياغة متبادلة، حيث كل البيانات والأنظمة الثقافية تصاغ بما يسمى بـ ‘الفضاء الثالث‘ وعادة ما تظهر الهجنة في هذا الفضاء المزدوج والمتناقض”.

وحول فضاءات الهجنة التناصية يؤكد جاسم وجود تداخل بين مفهوم التناص، بناء على حضوره الأدبي والفني، ومفهوم الهجنة في النص الأدبي المسرحي، وكذلك في نص العرض المقدم إلى جمهور يتفاعل بصورة جماعية آنية، فالتناص يحدث وفق قراءات متخصصين لتواجد نصوص أخرى سابقة من خارج حدود النص المكتوب التابع لمؤلفه، لتكون متماهية مع النص وبداخله إذا كان المؤلف يعي ذلك أو لم يعه، أو إذا كان يقصد ذلك أو لم يقصده، فعملية الحضور التناصي موجودة وفاعلة، لأن التناص لم يأتِ وفق رغبة أو نزوة، بل نتيجة لتفكير ومجهود أخذ زمنا، فضلا عن تطور المناهج النقدية والدراسات الحديثة التي قرأت الماضي والحاضر بمنتجاته الأدبية، ثم إن التناص يمنح أفق النص أبعادا جمالية وحضوراً تاريخياً، شأنه شأن الهجنة التي تمثل قراءة العصر وتناول تلويناته الفكرية والفنية.

ويوضح أن العروض المسرحية المهجنة تباينت وفق جملة أفكار وطروحات امتازت بنوع جديد من الأفكار أطلق عليه “التثاقف” وهو حالة راكزة في بصيرة الفضاء المسرحي الداعي إلى إنتاج فضاء تحولي/ مهجن يعنى بعدم صفاء الرؤية والأجناس التمثيلية، الأمر الذي جعل من هذا الأمر ذا حالة متحولة تسهم في إعطاء الأبعاد الكريولية للفضاء الإخراجي، وهي ذات تعددات غائية هامة فيما بينها حيث برزت جملة آراء وتناظرات داخل بنية العرض، فالمنظومة الهجينة تلاقحت وفق المدارس الإخراجية وتمرحلاتها التاريخية.

ويرى جاسم أن الهجنة اعتمدت على الممثل كعنصر أساسي في توصيل لغة العرض المسرحي من خلال الحوار والتقمص في أداء الشخصية، وأخرى اعتمدت المنظر المسرحي ليشكل علامة العرض وألغت هيمنة الممثل معتمدة الصورة في فك شفرات العرض، ومنها زاوجت بين الصورة والأداء الجسدي للممثل في عملية الاشتغال، مانحة للعرض أفقاً آخر في تشكيل مجموعة عناصره، وبعد ذلك اعتمدت الجسد حاملا للعلامات والرموز وفق عملية مشفرة في توصيل لغة العرض.

 إلا أنه يشدد على أن أداء الممثل ظل يحمل الصفة الأساس في العرض المسرحي، وهو يجسد الواقع وفق منظومة أفعال واشتغالات تمنح العرض المسرحي هيمنته وسطوته، لكنها بقيت في حالة متباينة، وينسب التباين إلى التحولات التي عاشتها المجتمعات، على المستوى الفكري والحضاري، كذلك التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتأثر تلك المجتمعات بعضها ببعض عبر الاحتكاك الثقافي أو الهيمنة الثقافية التي فرضها الغرب.

ويقول حليم هاتف جاسم “المسرح بوصفه واحدا من الفنون التي تتأثر بالحوارات الثقافية المتعددة إذ أخذ يبحث عن كل ما هو جديد وفق عملية تجريبية تهجن كافة مداليل العرض بغض النظر عن الآليات المتبعة والمكرسة سابقاً، ولأن الهجنة ضمن فضاء الكولونيالية ظلت تحاول أن تشكل قالبا أو برستيجا يتراصف مع كل المحتويات السابقة لأن في ذلك حالة تدعيمية لإنتاج فعل غير نقي، وهو الأمر المفضل في مرحلة ‘الزنوجة‘ واندحار العنصر الأبيض داخل العمليات ‘الخلاسية‘ وهي تبحث عن تداخل ثقافات متعددة لتحرر من الوصايا الكلاسيكية ونبذ الهوية الواحدة”.

ويضيف “شكل العرض المسرحي المعاصر أنموذجا للوفاق والتقارب، كذلك الحوار بين الثقافات، وساهم في رسم ملامح جديدة بعيدة عن كل ما يؤكد الخصوصية لينطلق إلى مرحلة كونية تتشابك فيها تلك الثقافات عبر قنوات متعددة في الاطلاع على التجارب الأخرى، وهذا ما حصل مع المسرح الغربي بعد لجوئه واستناده على المدرسة الشرقية معتمدا الجسد لغة للعرض المسرحي من خلال احتكاكه وتأثره بتجربة المسرح الياباني والصيني والهندي، وما أفاض به المخرجون العالميون عبر إدخال أكثر من شخصية تمثيلية في العرض الواحد، والدليل على ذلك ما ظهر لنا في مسرح (الرور) الذي راح ينقل تجربته عوني كرومي مبنية على هذا النوع من التلاحمات والتداخلات المعرفية.

14