"المسرح في الإمارات" سيرة للفن الرابع

أرّخ بعض الباحثين لظهور المسرح، بمفهومه الغربي، في الإمارات بالعام 1963، حينما قدم إلى البلاد رجل أعمال عراقي يدعى واثق السامرائي، كان يهوى المسرح فبدأ تجربته بإخراج مسرحية “من أجل ولدي” مع شبان “نادي الفلاح” بالشارقة.
الخميس 2015/10/08
نقلة نوعية في مسيرة الحركة المسرحية الإماراتية

في كتابه “المسرح في الإمارات”، الصادر حديثا عن “الهيئة العربية للمسرح” يتفق الباحث والفنان الإماراتي حبيب غلوم مع هؤلاء الباحثين الذين يؤرخون للمسرح بمفهومه الغربي في الإمارات، دون أن يغفل وجود بدايات مسرحية سبقت هذا الظهور الرسمي بسنوات عديدة تمثلت، كما يرى، في تقديم أول مسرحية عنوانها “طول عمر واشبع طماشة”، تأليف وإخراج جماعي، في “النادي العماني” بالشارقة.

وبهذا التحديد يختلف غلوم مع الباحث العراقي عبدالإله عبدالقادر، الذي يرجع في كتابه “المسرح في الإمارات: ستون عاما من العطاء”، البدايات إلى نشاطات المسرحيّ الراحل علي بورحيمة في المدرسة القاسمية عام 1950، ثم إلى مسرحية “جابر عثرات الكرام”، وهي مسرحية شعرية كتبها الشاعر المصري محمود غنيم عام 1955، ويتطرق إلى ما عاناه المسرح بسبب الحكم العسكري البريطاني، كما حدث حين قدّم “نادي الشعب” في الشارقة مسرحية “نهاية صهيون” التي كتبها وأخرجها ومثّل دورين رئيسيين فيها حاكم الشارقة الشيخ سلطان بن محمد القاسمي، وكانت باكورة إنتاجه يوم كان طالبا عام 1958، ثم عرضت في عام 1963، ما أغضب الحاكم العسكري البريطاني، وجعله يغلق المسرح خوفا من انتشار أيّ وعي يكشف الحصار الذي فرضته بريطانيا لتضمن حماية مصالحها المادية، من خلال عزل المنطقة عما حولها.

يذهب حبيب غلوم في كتابه إلى أن ظهور المسرح الإماراتي، بشكله الأوروبي، في الخمسينات أو الستينات لا يعني غياب الظواهر المسرحية، بمعناها الاحتفالي، عن الحياة في الإمارات قبل تلك الحقبة، فقد وجدت ظواهر وأشكال شبه مسرحية على طول سواحل الخليج العربي، تتمثل في فنون البحر التي كانت تعتمد على التجمّع السكاني والسمر والغناء وتقاليد النسوة في استقبال سفن صيد اللؤلؤ والتجارة، وختم القرآن، إلى جانب النشاطات المدرسية والكشفية التي كانت تتخللها اسكتشات مرتبة ناقدة وترفيهية تقدم في حفلات السمر والطرب.

لكن غلوم يستدرك مؤكدا أن تلك الظواهر (الطقوس والاحتفالات والألعاب الشعبية) تظل مجرّد أفعال ظهرت وليدة الحاجة الإنسانية، ولا علاقة لها بالفعل المسرحي المتعارف عليه، الذي تبنى عليه الدراسات والأبحاث والنظريات.

وفي هذا السياق يقف على ظاهرتين، أو لعبتين تنطويان على ملامح مسرحية هما: لعبة “أنا الذيب باكلكم”، التي تماثل في الموروث الشعبي العربي “ليلى والذئب”، وتؤديها مجموعة فتيات، حيث يلاحظ فيها مظاهر الأداء التعبيري صوتا وحركة جسدية من خلال أدوار العيال، الأم، الذئب، فكل فتاة تقوم بدور محدد في هذه اللعبة: الفتاة الأكبر سنا تؤدي دور “الأم”، والفتيات صغيرات السن يؤدّين أدوار “العيال”، والفتاة ضخمة الجسد تؤدّي دور “الذئب”.

دولة شرعت منذ بداية تأسيسها في رعاية الحركة المسرحية ودعمها من خلال إشهار الفرق وتخصيص المنح المالية لها، واستقطاب الخبرات والطاقات المسرحية العربية

وما يدفع الباحث إلى الاعتقاد بأن هذه اللعبة فيها اشتغال مسرحي هو محاولة الفتيات استخدام المساحيق البدائية لإظهار الشخصيات بشكل مقنع للمتفرجين، إضافة إلى عملية توزيع الأدوار نفسها.

أما الظاهرة الثانية فهي طقس أو احتفال “الزار” (يسمى “محضر العبيد”) الذي تقوم به النساء، ونادرا ما يشارك فيه الرجال، والشخصية الرئيسية فيه هي “الشيخة” أو “ماما زار” تشاركها فيه مجموعة نساء يقفن في صفين حولها، وهي تمسك بيدها عصا خشبية غالية الثمن، وعلى إيقاعات “الطنبورة” تحاور “الجني” في محاولة لاسترضائه كي يخرج من جسد المريض. وعادة ما يكون الاتفاق مشروطا بتقديم بعض الأضاحي أو القرابين. ويتضمن هذا العرض الطقسي غناء ورقصا وحركات جسدية وكلمات وحوارات غريبة على لسان “الشيخة” لا يفهمها أحد من المتفرجين، لكنه يستمتع بها.

يتناول حبيب غلوم المشهد المسرحي في الإمارات بعد تأسيس الدولة عام 1971 في جملة عناوين، منها: الفرق المسرحية، جمعية المسرحيين، الموسم المسرحي، المهرجانات والملتقيات المسرحية، مجلة كواليس، الهيئة العربية للمسرح، المؤسسات التي تعنى بالمسرح، مسابقات التأليف المسرحي، ومبدعون وتجارب.

ويؤكد في هذا السياق أن الدولة شرعت منذ بداية تأسيسها في رعاية الحركة المسرحية ودعمها من خلال إشهار الفرق وتخصيص المنح المالية لها، واستقطاب الخبرات والطاقات المسرحية العربية للإسهام في إعادة هيكلة تلك الفرق وتنظيمها على أسس فنية وعلمية صحيحة، وتدريب أعضائها وصقل مواهبهم، وإنشاء المؤسسات المسرحية، وبذلك حدثت نقلة نوعية في مسيرة هذه الحركة، وحققت إنجازات مهمة على صعيد الإنتاج المسرحي والثقافة المسرحية.

15