المسرح في السعودية.. استثمار في منجم بكر

لا وجود لبلاد دون ذاكرة مسرحية توثق لشعب فعل وتفاعل مع التاريخ في أقصى انعطافاته الدرامية مثل السعودية.
الاثنين 2021/07/26
تشكيل متطوّر لفن عريق

عرفت السعودية على مدار عقود بتوجهها المحافظ، غير أنها في السنوات الأخيرة انتهجت مجموعة من التغييرات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية ضمن رؤية “السعودية 2030” التي ستغيّر وجه البلد من منتج ومصدّر للنفط إلى مركز حاضن للفنون قاطبة وعلى رأسها أبوالفنون.

“أمامنا الكثير من العمل حتى نصل إلى تأسيس صناعة مسرحية عظيمة تخلد ثقافتنا، وتوثّق قصصنا وتعبّر عن همومنا وفنوننا وطموحاتنا، والكثير أيضا، لتجاوز التحديات”. هذا ما قاله حامد بن محمد فايز نائب وزير الثقافة السعودي أمام نخبة من المسرحيين والفنانين والإعلاميين في المملكة التي تداركت تقصيرها في حق الفنون الدرامية، وبسوية عالية وملفتة في السنوات الأخيرة.

عزم سلطات الإشراف في السعودية على هذا التوسع الهائل والمفاجئ في إقامة دور للعروض المسرحية والسينمائية وغيرها من الفنون البصرية يُواجه بأسئلة تتعلّق بجدوى هذه السياسة الثقافية المتحمسة في “الوقت الضائع” كما يرى بعض المراقبين.

قلب للموازين

ما جدوى هذا الاهتمام بالمسرح والسينما في الوقت الذي تُغلق فيه قاعات الفنّين الرابع والسابع ببلاد لها باع طويل في هذا المجال مثل مصر ولبنان وسوريا وتونس؟ أين كانت الحركة المسرحية في المملكة عهد ذاك الربيع المسرحي والسينمائي الذي شهدته بعض البلدان العربية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي؟ ولماذا كانت تختصر مشاركتها في المهرجانات العربية على عروض خجولة تكتفي بتثبيت الحضور دون أن تترك أي أثر أو صدى؟

استثمار في الاتجاه الصحيح

الحقيقة التي قد يجهلها الكثيرون هي أن المسرح في السعودية عريق وضارب في القدم، وربما أقدم بكثير من بعض دول المنطقة، ذلك أنّ أول عمل مسرحي كان قد أقيم في المدينة المنورة سنة 1910 وحمل عنوان “فتاة الدستور”، في إنتاج لجمعية الاتحاد والترقي التي كانت تنتقد دكتاتورية السلطنة العثمانية آنذاك.

وكان على المسرحيين السعوديين أن ينتظروا ويكابدوا عقودا طويلة ضمن محاولات متعثرة منذ ستينات القرن الماضي على يد أحمد السباعي ورفاقه، حتى يتهيأوا لخطة أعلنتها وزارة الثقافة العام الحالي وتهدف إلى إعادة الاعتبار للمسرح والارتقاء به إلى المكانة التي يستحقها بعد سنوات التهميش والتناسي غير المبرّر، كما يقول الغيورون على هذا الفن في المملكة.

الجواب الصحيح هو في عهدة الإرادة السياسية التي بإمكانها أن تقلب الموازين وتنصف التاريخ، ذلك أن لا وجود لبلاد دون ذاكرة روائية ومسرحية توثق لشعب فعل وتفاعل مع التاريخ في أقصى انعطافاته الدرامية مثل السعودية.

لا إنجاز ثقافيا دون قرار سياسي، هذا ما أدركته القيادة السعودية مستفيدة من تجارب غيرها شرقا وغربا. ولذلك كان لا بد من القرار وتجاوز الأيادي المرتعشة في سبيل الوصول إلى الاستثمار في الثقافة والفنون.

أدركت المملكة – وإن تأخرت – أن ثروتها ليست البترول وحده، وأن مكانتها ليست في تلك الصورة التقليدية المسوّقة والمستهلكة، والتي استفاد منها الكثير من خصومها، بل هي دولة مترامية الأطراف، وضاربة في التاريخ والجغرافيا.. فلماذا تسجن نفسها في الإطار الذي يريد الآخرون أن يروها فيه؟

هفوات تاريخية لا بد من إصلاحها الآن، وهذا ما سعى له ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ضمن رؤيته لـ“السعودية 2030”. عزم الرجل دون تردد على القول بأن بلاده ليست مجرد شعب ذي اقتصاد ريعي، يسوح في الأرض وبلاد الآخرين باحثا عن وسائل ترفيه لا توجد في بلاده.

نعم تأخرنا.. ولكن بإمكاننا التدارك.. أن تصل متأخرا خير من أن لا تصل أبدا.. هذا ما تريد قوله السياسة الثقافية السعودية الآن.

“يعطيك الحج والناس راجعة” مثل شامي يقال لمن جاء متأخرا، ويراد من خلاله السخرية ممّن يدرك الأمور بعد فوات الأوان، لكن السعوديين وبقدراتهم الذاتية وفراستهم المستقبلية أدركوا أنه يمكن التدارك في جميع الأزمنة والأوقات.

ماذا يعني أن تستهدف مبادرة المسرح المدرسي تدريب 25 ألف معلم ومعلمة خلال ثلاث سنوات ليكونوا مشرفي نشاط مسرحي في مدارس التعليم العام إلى جانب توفير التخصّصات المسرحية ضمن التعليم العالي؟ ماذا يعني ارتفاع دور السينما بعموم البلاد إلى 39، مع استعداد لافتتاح 22 دارا جديدة حتى نهاية 2021؟

هذا يعني شيئا واحدا اسمه الإرادة السياسية، ذلك أنه لا بد من التذكير بأن تطوّر المسرح التونسي يعود إلى خطاب الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في 7 نوفمبر 1962 الذي قال فيه للتونسيين “إن المسرح هو خلاصنا”، كما أن صرامة الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في جعل الدراما السورية تحتل المحطات العربية كبروباغندا سياسية لها دور في تلك السطوة الدرامية، رغم الفارق الشاسع بين الرجلين.

السعودية كانت أكثر واقعية وبراغماتية ممّا يراه الأسد وبورقيبة. إنها تنظر في الحسابات، ولا شيء غير الحسابات، ودون تفويت القيمة المعنوية والثقافية للشأن المسرحي – وهذا لا يسقط من قيمة الثقافة – إذ استهدف رؤية “السعودية 2030” رفع مساهمة قطاع الترفيه من إجمالي الناتج المحلي من 3 إلى 6 في المئة، حيث صرّح الأمير محمد بن سلمان بأن بلاده “تستهدف توطين 50 في المئة من قطاع الترفيه”، إذ ينفق المواطنون 22 مليار دولار على الترفيه في الخارج سنويا.

احتفاء بالفنون

ماذا يعني أن ينفق السعوديون كل هذا المبلغ الهائل في سبيل “الحاجة الثقافية” حتى وإن سميناها ترفيها؟ أليس الأجدر بهم أن يصرفوا نقودهم في بلادهم؟ ثم أن بإمكانهم تحقيق “الاكتفاء الذاتي” في هذا المجال.

قد ينتقد بعضهم استخدام مصطلح “الترفيه الثقافي” كما يرد على ألسنة بعض المسؤولين الثقافيين في السعودية، وقد يتعرّض آخرون لكلمة “السياحة الثقافية” بالسخرية، وقد يظن آخرون أن السعودية مجرد بلاد للمال والأعمال، لكن الأمر ليس كذلك وفق القراءات والإحصائيات المفنّدة لكل التقولات.

السعودية تعرف أين تمضي بفضل قيادة شديدة التحكيم والتخطيط والانتباه، وإن تأخرت في نظر بعض المراقبين، لكن “أن تصل متأخرا، خير بكثير من أن لا تصل أبدا”.

البنى التحتية للمسرح والسينما تشبه مثيلاتها في الصلاة والعبادة، أي أن كثرة المساجد تشجّع على الصلاة – وربما التطرف والمغالاة – كما يقول أحد علماء الاجتماع في العصر الحديث. والسعودي الذي يخرج من بيته ويصطدم بدار مسرح أو سينما أو قاعة للعرض التشكيلي في طريقه، فإنه سيزورها غصبا عنه.. وهناك تحدث الواقعة أي متعة الاكتشاف.

ما حقّقته السعودية في غضون سنوات قليلة ضمن مشروع 2030 يتجاوز ما أخفقت فيه دول عربية أخرى من حيث عدد الصالات المخصّصة للعرض.

تراجع عدد قاعات المسرح والسينما في كل من مصر وتونس ولبنان بشكل مخيف في السنوات الأخيرة، لكنه ازداد في السعودية، وعلى نحو متسارع.

ومنذ افتتاح أول دار عرض سينمائي بالسعودية مطلع أبريل 2018، بعد حظر دام أكثر من 35 عاما تسارعت وتيرة هذا الانفتاح، حيث أعلنت سلطات المملكة مؤخرا ارتفاع دور السينما بعموم البلاد إلى 39 مع استعداد لافتتاح 22 دارا جديدة حتى نهاية 2021.

الحقيقة التي يجهلها الكثيرون هي أن المسرح في السعودية ضارب في القدم، وربما أقدم بكثير من بعض دول المنطقة

بعضهم يعتقد أن السعودية تلعب في الوقت الضائع وتبيع الماء في حارة السقائين، تهدر أموالا حيث لا ينبغي، لكن الحقيقة أنها، ويحسب لها، أنها أول بلد يعيد النظر والانتباه للمسرح دون الخشية من فوات الأوان.. وقريبا سيكتشف العالم منجما دراميا في المسرح والسينما اسمه السعودية.

نعم، كيف لبلاد أنجبت هذا الكم الهائل من الشعراء وسط تلك البيئة الأخاذة، أن لا تنجب دراما هائلة تستفيد منها السينما والمسرح، وما يُنتج عنها من سياحة وترفيه؟ الفصل بين الثقافة والسياحة والمال والترفيه، سؤال قد لا يبدو محيرا، والسعودية تملك الجواب ضمن خطة 2030.

17