المسرح في ضوء نظرية التلقي

القراءة الامتثالية والقراءة الناقدة.. عملية جدل بين الإنتاج والاستقبال.
الاثنين 2020/06/01
عرض مسرحي بريختي منتج للتغريب

احتل موضوع التلقي في حقل النقد المسرحي مكانة بارزة إثر التغيير الجذري الذي أحدثته نظرية التلقي في الدراسات الأدبية، وهي نظرية نقدية تدعو إلى تركيز الاهتمام على تلقي القارئ (الناقد أو القارئ العادي) للأدب، وتمرّسه بالنص الأدبي وتأثره به، لا على الأدب في حد ذاته، كما تفعل المقاربة البنيوية التي تغلق النص على نفسه وترفض إحالته على أي شيء آخر عدا اشتغاله الداخلي، أو على مرجعية الأدب، كما تفعل المقاربات الاجتماعية والنفسية والتاريخية والأيديولوجية.

كانت الدراسات النقدية في مجال المسرح حتى سبعينات القرن الماضي تركّز على الأعمال المسرحية (نصوصا وعروضا)، إلى جانب منتجيها، ومكانتها في تاريخ الدراما. ولم يُلتفت إلى الطرف الثالث في عملية الإبداع الفني، وهو المستقبل أو المستهلك، أو الجمهور الذي يتلقاه إلاّ بعد ظهور نظرية التلقي، أواخر الستينات، التي اقترحها عدد من المنظرين في جامعة كونستانس الألمانية، وعلى رأسهم وولفغانغ آيزر، وهانس روبرت ياوس لفهم الأدب وتفسيره، بوصفه عملية جدل بين الإنتاج والتلقي.

أنموذجان للتلقي

كان النقاد والباحثون سابقا يجدون صعوبة في إخضاع الجمهور للدراسة التحليلية كما يُدرس النص الدرامي، أو العرض المسرحي، إحساسا منهم، ربما، بأنه لا يزال عبارة عن فكرة عامة وتجريدية نسبيا، كما يرى المنظّر الجمالي التشيكي جان موكاروفسكي.

وقد انتقلت بؤرة الاهتمام، على نحو لافت، بتأثير تلك النظرية إلى المتلقي في المسرح، انطلاقا من أن وجوده حيوي، يشكّل عنصرا نوعيا في سيرورة إنتاج العرض المسرحي وتأويله من خلال علاقة حوارية بينهما، كما هو حيوي وجود المؤلف المسرحي والممثل والمخرج، كي يوجد المسرح.

وتمثّل هذا التوجه بظهور مجموعة من الكتب والدراسات والأبحاث الأكاديمة التي اهتمت بعملية التلقي وجمالياته، وعلاقة المتلقي بالعرض، وآلية عمله في المسرح، وتواصله مع المؤدّين، والأدوار التي يقوم بها، وأنواع اللذّة التي يحصل عليها من ممارسته لتلك الأدوار، وقراءة النصوص الدرامية، والعروض المسرحية بهدف تلمّس استراتيجيات التلقي الضمنية.

ولا شك في أن اقتفاء البحث المسرحي أثر البحث الأدبي في مقاربة المسرح من منظور نظرية التلقي ممارسة لا تقلّل من شأنه، أو تجعل منه خطابا نقديا تابعا للنقد الأدبي، فقد كان هذا البحث في جميع المراحل، ولا يزال حتى الآن، يستخدم المقاربات المنهجية (الخارجية والمحايثة) نفسها التي يستخدمها النقد الأدبي في إضاءة النصوص والعروض والظواهر المسرحية.

ولم يحل ذلك دون احتفاظ المسرح بخصوصيته طبقا لخصوصية عمليتي الإرسال والتلقي فيه، واللتين تتّسمان بكونهما أكثر تعقيدا من نظيرتيهما في حقل الأدب، ناهيك عن أن التفاعل والتثاقف والتداخل بين مناهج العلوم الإنسانية ومقولاتها قضية حتمية ومسوّغة على الدوام.

ومن أبكر المحاولات التأسيسية التي اقترحت قراءات حديثة للعرض المسرحي من منظور العلاقة بين منتجه ومتلقيه، بتأثير من جمالية التلقي، محاولة الباحث المسرحي الفرنسي ريشارد دو مارسي في كتابه “مبادئ سوسيولوجيا العرض” الصادر عام 1973، فقد سبق في بحثه هذا كلا من أمبرتو إيكو، وآن أوبرسفيلد، وجوزيت فيرال، وباتريس بافيس، ودافنا بن تشايم، وأون شودهيري، وجيل دولان، وماركو دي مارينيز، وغيرهم من المنظرين والباحثين الذين ظهروا ابتداء من ثمانينات القرن الماضي، وقدّموا آفاقا حديثة في التنظير لهذا الموضوع، واقترحوا قراءات متعدّدة الاتجاهات تمتح من أطر مرجعية نقدية، أو فلسفية، أو علمية.

نظرية بريخت في المسرح الملحمي هدفت إلى جعل التلقي عملية واعية، في سعي إلى تغيير الأنماط التقليدية للإنتاج والتلقي

ويستند دو مارسي، في بحثه، على فرضيات سوسيولوجية وسايكولوجية ولسانية، إضافة إلى سيمياء الفن ونظرية القراءة، فيميّز بين أنموذجين لتلقي العرض المسرحي، يسمّي أولهما بـ”القراءة الأفقية”، وثانيهما بـ”القراءة العرضية”، وتتّسم الأولى بكونها أنموذجا تقليديا للتلقي تعتمد، أساسا، على الانتظار المتلهّف للنهاية السعيدة، المصحوب باندماج جدي في الحدث.

ويكون اهتمام المتلقي في هذه الحال منصبا، بشكل جوهري، على الحكاية بتغيراتها وتسلسلها الخفي، ونهايتها المتوجة بالتطهير – التحرّر في نهاية المطاف. وثمة إلى جانب ذلك أساس آخر يستند إليه هذا الشكل التقليدي للتلقّي يسمح باشتغال الانتظار على نحو ما، ويتجلّى في التماهي الذي يصل إلى أقصى درجاته عندما يتعلق الأمر ببطل يتميّز بمجموعة من الصفات المثالية، كالقوة والشجاعة والتضحية،  وغيرها.ومن الواضح أن هذا النوع من التلقي يحدث في أنماط محدّدة من العروض المسرحية التي تستغرق في إيهام المتلقي، وتسعى إلى إدماج وعيه ومشاعره في مجرى الأحداث.

أما القراءة العرضية فهي، من وجهة نظر بعض الباحثين، تقترب، في طابعها العام، من مفهوم القراءة العالمة، أو الناقدة، إذ لا يتورط المتلقي من خلالها داخل الحكاية، بل يتحوّل إلى ملاحظ يثير الأسئلة حول كل العناصر الدالة التي تظهر في العرض، حول ماهيتها، ومعناها، ومصدر هذا المعنى، محقّقا بذلك قراءة غير متصلة.

وباستناد دو مارسي على السيميائية في مقاربته للتلقي المسرحي، فإنه يرى أن هذه القراءة العرضية، بوصفها شكلا للتلقي، لا بد أن تنطلق، أساسا، من تحديد الموضوع الذي تقرأه أولا، والذي هو المسرح، وعليه يتحدّد هذا الفن بوصفه عالما من العلامات، وفضاء مشفرا. وفي ضوء هذا التحديد تتحوّل القراءة العرضية إلى تفكيك للعلامات البصرية والسمعية للعرض المسرحي. وهذا الاشتغال على العلامة هو الذي يجعل من هذه القراءة الثانية قراءة منتجة للتغريب، على عكس القراءة الأولى التي هي قراءة اندماجية.

ومن أجل إضفاء البعد السوسيولوجي على تصوّره، يذهب دو مارسي إلى أن تفكيك رموز العرض المسرحي وعلاماته يجري من خلال إحالتها على المجتمع لأن معناها لا يتأتّى من العرض في حد ذاته، بل من العلاقة بين العلامة والمجتمع الذي ينتمي إليه المتلقي، ولذلك فإن الرجوع إلى الحقيقة السوسيو – ثقافية، كإطار مرجعي للعلامة، يُعد مرحلة أساسية ضمن القراءة العرضية.

التأثّر ببريخت

المسرح الملحمي ينتصر للتلقي الواعي
المسرح الملحمي ينتصر للتلقي الواعي

لا يُخفى على المعنيين بالمسرح تأثّر دو مارسي، في تنظيره لهذا النمط من القراءة، بنظرية بريخت في المسرح الملحمي التي هدفت إلى جعل التلقي عملية واعية، وليس انفعالا مجردا، وسعت إلى تغيير الأنماط التقليدية للإنتاج والتلقي، وجاءت بإضافات تقنية لدفع المتلقي إلى التأمّل والنقد من دون أن يفقد المتعة المسرحية.

لكن تأكيد دو مارسي على العلاقة بين العلامة والمجتمع الذي ينتمي إليه المتلقي، أو رجوعه إلى ما يسمّيه بـ”الحقيقة السوسيو – ثقافية” لاستنطاق دلالات العرض ليس صحيحا في جميع الحالات، حسب رأيي، فنحن حين نتلقّى، مثلا، عرضا يقوم على إحدى أساطير شعوب أفريقيا، أو أميركا اللاتينية، يقتضي بادئ ذي بدء، لكي نفهمه ونفكّك رموزه ونؤوّله، سياقا يحيلنا عليه قابلا لأن ندركه، وشفرات مشتركة، كليا أو جزئيا، بيننا وبينه، حسب العوامل المكوّنة لكل فعل تواصلي عند جاكوبسن، ولن ينفعنا الاستنجاد بالعوامل السوسيو – ثقافية في مجتمعنا لاستنطاق دلالات ذلك العرض.

المتلقي الغربي والمسرح الشرقي

عرض معاصر لأوبرا القروش الثلاثة
عرض معاصر لأوبرا القروش الثلاثة

لعلّ ملاحظة يوجينيو باربا، صاحب أنثروبولوجيا المسرح، بأن المتلقي الغربي “يجد صعوبة في استيعاب المنطق الذي تقوم عليه الكثير من الأنماط المسرحية الشرقية” تدعم ما ذهبت إليه، إذ أن هذا المتلقي يعتمد، بشكل تقليدي، على مرجعيته الثقافية بوصفها الوسيط الوحيد الذي يمكن، من خلاله، تفكيك رموز تلك الأنماط المسرحية وعلاماتها.

إن القراءتين اللتين يميزهما دو مارسي لتلقي العرض المسرحي تحيلان على مفاهيم عديدة في الألسنية، وتيارات النقد المتأسّسة عليها، ونظريات القراءة، كالمحور الأفقي، والمحور الاستبدالي اللذين يشيران إلى صعيدي العلاقات السياقية والإيحائية بين الألفاظ اللغوية: صعيد المركبات الذي يشكل العلاقة بين الكلمة في الخطاب والكلمات التي تسبقها أو تليها، حيث تظهر الألفاظ في هذه السلسلة متحدة بالفعل، حضوريا، يدعمها التعاقب الخطّي للغة، وصعيد تداعي الألفاظ الذي يُقيم العلاقة بين الكلمة الحاضرة في الخطاب والكلمات المرادفة أو النقيضة المقابلة لها خارج الخطاب، مشكّلا علاقات إيحائية مختلفة بينهما.

أما في نظريات القراءة فإن الأولى تحيل على القراءة السياقية (ويُصطلح عليها، أيضا، بالقراءة التقليدية، والمرآوية، والمتواطئة، والخارجية، والكلاسيكية، والبصرية، والاستنزافية، والامتثالية والسطحية.. إلخ) التي تقف على ظاهر النص، لا تتجاوزه، مضيّقة عليه الأفق، أو مغلقة دائرته ليدور في حدودها، مفسّرة كل مكوناته بحسب توجيهات سياقه. وهي قراءة عقيمة تسيء إلى النص أكثر ممّا تغنيه، وتندرج ضمن “المقاربة الخارجية” للنصوص.

المتلقي وجوده حيوي، فهو يشكّل عنصرا نوعيا في سيرورة إنتاج العرض المسرحي وتأويله من خلال علاقة حوارية بينهما

أما الثانية فتحيل على القراءة النسقية (ويصطلح عليها، أيضا، بالقراءة العمودية، والاستعارية، والتزامنية، والإيحائية، والمنتجة، والداخلية، والخصبة، والعميقة، واللصيقة، والاستكشافية، والمتقصية، والمنشطة، والاستكناهية، والمحايثة.. إلخ) التي تنفذ إلى عمق النص لتسائل رموزه وأحاجيه، وتبحث عن الخيوط الناظمة لبنيته ونسيجه، وتستكشف حجبه، وتملأ فجواته، وتستنطق صوامته، وتفتحه على عوالم دلالية واسعة، من خلال رابط جدلي، أو تفاعل وحوار مركّب بين قصديته وقصديّة القارئ. وتندرج هذه القراءة ضمن “المقاربة الداخلية” للنصوص، وتتميّز، على العكس من السابقة، بكونها قراءة مثمرة تغني النص إلى الحد الذي تقترب فيه إلى مستوى إعادة كتابته، أو إنتاجه، على وفق ضوابط ومعايير معقولة.

إن ما أرمي إليه هنا بإحالة القرائتين على مفاهيم في الألسنية، ونظريات القراءة ليس توافقهما مع هذه المفاهيم وأنماط القراءة، بل المشكلة التي يثيرها اصطلاحه على الشكل الثاني من القراءة بـ”القراءة العرضية”، فهي في لفظها العربي، كما وضعها المترجم، صفة مأخوذة من “العرض المسرحي”، وحين استعنت بالقاموس الفرنسي – العربي اكتشفت أنها تشير إلى “الشيء العريض”، وهذا يعني أن “القراءة العرضية” أقرب في دلالتها الاصطلاحية إلى “القراءة الأفقية” السياقية منها إلى “القراءة العمودية” النسقية.

فكيف إذن تكونان، والحال هذه، أنموذجين مختلفين، اختلاف القراءتين السياقية والنسقية؟ لا شك في أن دو مارسي، يفرّق، كما هو واضح في بحثه، بين النموذجين، وينحاز إلى النموذج الثاني، بوصفه فعالية تفصح عن نقطة التقاء مقاصد المتلقي بمقاصد العرض المسرحي، وتفاعلهما وتحاورهما كقطبين أساسيين في عملية التأويل، والاستنطاق، لكن “مقتله” يكمن في عدم اختياره مصطلحا دقيقا للنموذج الثاني من القراءة الذي يفترض أن يشكّل ثنائية متعارضة مع النموذج الأول.

17