المسرح قد يندثر خلال المئة عام المقبلة

الكاتب المسرحي بوكثير دومة دومة اختار لنفسه تأسيس مشروع إبداعي يقوم على الاستلهام الواعي من التاريخ الذي يرشح عن موقف ورؤية وتجديد وليس صدفة واعتباطا.
الثلاثاء 2018/04/03
لا وجود لمسرح عربي من الأساس

تونس- خاض الكاتب المسرحي التونسي بوكثير دومة معادلة الكتابة باختلاف تجاربها الإذاعية والتلفزيونية والمسرحية. ورغم أنه قد خاض كل هذه التجارب وخبرها، فإنه ينتصر دائما لحبه للفن الرابع ولرسالته النضالية الإبداعية الصادقة والنبيلة، ويحاول تطوير مشروعه المسرحي من عمل إلى آخر.

ولأنه يؤمن برسالة المبدع الخطيرة ومسؤوليته التاريخية أمام أبناء جيله ومجتمعه والأجيال القادمة، فإن دومة اختار لنفسه تأسيس مشروع إبداعي يقوم على الاستلهام الواعي من التاريخ الذي يرشح عن موقف ورؤية وتجديد وليس صدفة واعتباطا، ولذلك كله جاءت أغلب أعماله ونصوصه مستلهمة من أحداث ووقائع تاريخية، ويمكن أن نحصي هنا في الأعمال التي كتبها للإذاعة “الدغباجي” و”ظل الزعتر” و”عمري للفن” و”سبع صبايا” و”داحس والغبراء” و”أصحاب الأخدود” و”شق وسطيح” و”هدير الرمال” و”ريح المكتوب”.

 

يعد الكاتب المسرحي التونسي بوكثير دومة من أهم التجارب التي قدمت للمسرح التونسي والعربي العديد من الأعمال، ويتحدث الكاتب عنها باستفاضة في هذا اللقاء الخاص لـ”العرب”، فضلا عن عدة قضايا ثقافية إبداعية وسياسية تنفتح على الواقع العربي اليوم

وفي المسرح نذكر “المنصف باي” و”علي بن غذاهم” و”الكاهنة” و”السقيفة” و”أولا تكون” و”ليلة 14” و”فلتة” و”شظايا” ومسرحيته الأخيرة “طوفان” التي قدمت في الدورة الأخيرة لمهرجان المسرح العربي. دون أن ننسى طبعا بعض النصوص التلفزيونية التي تنتظر التنفيذ والإنتاج مثل “ابن خلدون” و”حوت البر” و”السيدة المنوبية” و”من قتل حمزة”.

المعادلة الصعبة

حول جديده في المسرح والإذاعة والتلفزيون، يقول بوكثير دومة “خلال هذا العام كتبت أربعة نصوص مسرحية، الأول بعنوان ‘طوفان’ أخرجه حافظ خليفة وشاركنا بالعرض في أيام قرطاج المسرحية والعمل الآن في سلسلة عروض داخل الجمهورية. كما قدمت نصا بعنوان ‘شظايا’ للمخرج الرائع أنور الشعافي، وهو من إنتاج المسرح الوطني وسيكون عرضه الأول يوم 14 أبريل الجاري. أما النص الثالث بعنوان ‘ليلة 14’، فتقوم الآن الفنانة دليلة المفتاحي بالاشتغال عليه مع نخبة من المسرحيين. وكنت كتبت نصا مشتركا مع الأديب الأردني مفلح العدوان بعنوان ‘من قتل حمزة؟’. أما فيما يخص الدراما التلفزيونية فلدي سيناريو حول شخصية ‘السيدة المنوبية’، قدمته هذه السنة لإحدى الجهات المنتجة وسيكون تنفيذه بعيْد رمضان مباشرة”.

وأغلب أعمال دومة المسرحية والإذاعية والتلفزيونية أيضا مقتبسة عن نصوص ووقائع تاريخية، نسأل ضيفنا هنا إن كان اتكاء النصوص والأحداث التاريخية يدخل في مشروع متكامل يشتغل عليه، ليجيبنا أن “الاستلهام من التاريخ موقف ورؤية وليس عملا اعتباطيا. وهذه الشعوب العربية ليس بإمكانها أن تفهم حاضرها أو أن تخطط لمستقبلها إن لم تعد قراءة ماضيها، وللفن دور تعليمي وتثقيفي، والمبدع حاملُ رسالة ومسؤول أمام أبناء جيله والأجيال اللاحقة. ولكن يجب أن نعلم أيضا أن التاريخ ما هو إلا شماعة نعلق عليها لوحاتنا، فالفنان ليس مؤرخا وليس أستاذا جامعيا، ثمة معادلة دقيقة في الاستلهام من الماضي، ألا ترى أن شكسبير على سبيل المثال، كتب كل مسرحياته استنادا على وقائع وشخصيات تاريخية؟ ولكن كيف نكتب في التاريخ ومن خلاله؟ تلك هي المعادلة الصعبة وتلك هي المسألة”.

ويصرّ دومة على الاشتغال في الكثير من الأعمال على محاورة المقدس وتحدي التابوهات الدينية مثل مسرحياته “السقيفة، من قتل حمزة، أصحاب الأخدود”، وهو يرى أن المواضيع التي عالجتها في هذه الأعمال الثلاثة، لا علاقة لها بالمقدس، ففي مسرحية “السقيفة” كان السؤال المركزي حول تفاعل العقل السياسي العربي في حالة الفراغ السياسي، متمثلا في الحل الذي اهتدى إليه الصحابة يوم وفاة الرسول. أما في مسلسل “أصحاب الأخدود” فقد كانت الثيمة الجوهرية للعمل، هي ذرائع الاحتلال التي أوجدتها القوى المهيمنة للسيطرة على الشعوب، فقد احتلت الحبشة ومن ورائها البيزنطيون بلاد العرب الجنوبية باسم حماية الأقليات الدينية وقتئذ. أما فيما يخص النص المسرحي المشترك “من قتل حمزة؟”، فقد تطرق فيه الكاتب، كما يقول، إلى ظاهرة الاغتيال السياسي وملابساته. لذا يشدد دومة على أنه ما من قدسية في كل هذه المواضيع، إنما على الكاتب أن يستفيد من تطور علم التاريخ  لتنفتح أمامه آفاق جديدة وبرؤى حديثة لمعالجاته الدرامية والإبداعية.

لا صدى ولا مرآة

نتطرق مع دومة للحديث عن الكتابة المسرحية للكاتب المسرحي والكتابة الركحية للمخرج المسرحي، ليعلق قائلا “أولا المسرح هو عمل جماعي فلا بد من حد أدنى من المحبة للانسجام بين الكاتب والمخرج خاصة، فأنت تعلم أن الكاتب تاريخيا كان هو المهيمن على العملية المسرحية برمتها، ثم تقلص دوره وصارت الهيمنة للمخرج، ثم تقلص دور المخرج وصارت الأهمية المطلقة للممثل ثم برز السينوغراف والدراماتورج، وهكذا في كل فترة تتحول مركزية اللعبة المسرحية من طرف إلى آخر، وهذا دليل على أن المسرح فن حي متحرك، أو هو كائن يحمل جينات وراثية من كل المتدخلين في العملية الإبداعية”.

على الإنسان أن يكون في المسرح عاريا تماما، غير أن ثرثرة التكنولوجيا تداهمه وتغطيه وتحرمه لذة اكتشاف خوالجه

يؤكد بعض النقاد أن أزمة النص المسرحي العربي هي في نتيجة عدم مغادرة هذه النصوص المسرحية لسقيفة النص الأدبي، ويقر دومة بوجود أزمة “دراماتوريجية” في الكتابة البصرية للعرض المسرحي. فأغلب النصوص المسرحية التي تقع بين أيدي المخرجين، كما يرى، هي نصوص أدب مسرحي وليست نصوصا مسرحية جاهزة للتنفيذ. وعن نفسه يقول دائما “إنني لست بائعا متجولا. أنا أكتب مع الممثلين فوق الخشبة مباشرة، ناهيك أن العرض المسرحي يحتوي على كتابات متعددة، فواضع الموسيقى يكتب نصا، ومصمم الإضاءة هو الآخر يكتب بأدواته الفنية، ومصمم الملابس يقدم كتابة أيضا، وجسد الممثل يرسم جملا وعبارات قد تغني عن ملفوظ الكلام الذي يكتبه صاحب القلم.. إذ اجتمعت كل هذه الكتابات وانسجمت بإيقاع ورؤية جامعة وشاملة  يولد وقتها العرض الفني غنيا وجذابا وعميقا”.

نسأله إن كان يوافق المخرج والممثل أيمن زيدان الذي قال إن المسرح العربي في حالة احتضار وأن النقاد العرب هم من يساهمون في هذا الاحتضار ليجيبنا “أولا، لا وجود لمسرح عربي من الأساس حتى نقول إنه يحتضر أو يقاوم. لدينا فقط تجارب مسرحية عربية. نحن لم نخلق مدرسة مسرحية عربية واحدة، كل التجارب تحاكي ما أنتجه الغرب. وإن كانت هناك خشية، فالخوف كل الخوف على المسرح في العالم بأسره أن يندثر خلال المئة عام المقبلة. الثورة التكنولوجية تغزو الخلق المسرحي برمته. المسرح فن حي ومباشر والتكنولوجيا كثلاجة الموتى لا حياة فيها. على الإنسان أن يكون في المسرح عاريا تماما، غير أن ثرثرة التكنولوجيا تداهمه وتغطيه وتحرمه لذة اكتشاف خوالجه”.

نختم حوارنا مع بوكثير دومة بسؤالنا له إن كان النقد قد أنصف تجربته، ليقول “الحركة النقدية تكاد تكون منعدمة وكتاب المسرح مهملون. ولولا بعض المبادرات التي تعتني بالنص المسرحي، وأذكر مثالا ما تقوم به الهيئة العربية للمسرح، التي تخصّص سنويا جوائز مهمة تشجيعا منها للنصوص المسرحية، فإن كتاب الدراما عموما بقوا يتامى لا بيت يؤويهم لا صدى ولا مرآة”.

15