المسرح كواحد من أعراض الجنون

المسرحي اللبناني وجدي معوض يكشف من باريس عن الوحوش المختبئة في كل أسرة.
الأحد 2019/06/09
انهيار الأسرة إثر دنس الدماء

يتلمّس المتابع لأعمال المسرحي اللبناني وجدي معوض المسرحية تكرار موضوع الهويّة، بصورة أدق، أثر الماضي المجهول والإشكالي على نظرة الفرد إلى ذاته، إذ يظهر في عروض معوض سؤال “الأنا” وعلاقتها مع العدو، وكيف تعرّف هذه الأنا ذاتها إن اكتشفت حقيقتها البيولوجيّة (مكان الولادة، اللون، العرق..) المختلفة عن تلك الثقافيّة (الاسم، الجنسية، اللغة…)، فإثر هذا الاكتشاف، يظهر سؤال محوري، هل هذه “الأنا” تراجيديّة، أي محكومة بماضيها ولا يمكن لها الفكاك منها، أم أنها قادرة على التحرر من البيولوجيا والحتمية الطبيعيّة لتختار مصيرها، هذه التساؤلات تحول خشبة المسرح إلى فضاء للصراع مع المسرح ذاته، لا بوصفه فقط مساحة للعب، بل أيضا لاكتشاف الذات وعلاقتها مع “العدو” وكيفيّة تشكّله مرئيا أمامنا وأحيانا داخل أجسادنا.

يشهد مسرح الكولين في العاصمة الفرنسيّة باريس مسرحيّة “الوحوش” من تأليف وإخراج وجدي معوض، والتي يصفها بأنها محاولة لجعل المسرح كنتيجة لانتصار الجنون في الحضارة، بعكس التقليد اليوناني الذي اخترع الفلسفة والمنطق ثم الديمقراطية ثم ولّد المسرح بشكله الحالي، ما جعل الجنون أشبه بطبقة تختفي تحت الأشكال الثقافيّة الحاليّة، أشبه بخزان مهدد بالانفجار، أو منفى يحوي كل ما هو لا منطقي ولا أخلاقي.

 ومن هذا “المنفى” الذي نقف عليه دون أن ندركه، يأخذنا معوض في رحلة تمتد لأربع ساعات، يسائل فيها أسلوب السرد المسرحي التقليدي، بوصفه نتاج “المنطق” وتسلسله، موظفا على الخشبة تقنيات السينما، أداة اكتشاف الأحلام والغرائب، لنرى أنفسنا أمام صراع لقراءة وكتابة الزمن الذي كلما تدفق إلى الأمام، ازداد عمق المأساة و تأثيرها، ولكن، ماذا لو تمكنّا من إعادته إلى الوراء قليلا، أو إيقافه لعدة لحظات؟

الدوائر التراجيدية

يبدأ العرض بعلبة على الخشبة أشبه بشاشة “مونيتور”، أمامها هيبوليت، المخرج السينمائي المهووس بإنهاء فيلمه، داخل العلبة يؤدي شاب وفتاة جريمة قتل، ويطلب هيبوليت ممن يقوم بالمونتاج أن يعيد “الشريط” إلى الوراء ثم إلى الأمام كي يصل إلى اللقطة المناسبة، فهو لا يريد أن ينتهي فيلمه بجريمة قتل، بل أن يبدأ بها، هذا التكرار وأداء الممثلين ضمن العلبة وهم يعودون بالزمن يستمر على طوال العرض، بصورة موازية ومشابهة لحياة هيبوليت، فأحداث المسرحية تعاد وتكرر أمامنا، كأننا نشاهد شريطا سينمائيا يخضع للمونتاج.

هذا التكرار الذي كان في البداية كوميديا، يتحول لاحقا إلى ثقل صعب الاحتمال، والأهم، أنه في كل مرة يتقدم الزمن فيها إلى الأمام تتكشف أمامنا التواريخ الغامضة لهيبوليت وأسرته، سفاح القربى والهروب من الموت، والتعاون مع النازيين، ثم القتل، والاستغناء عن الأطفال، وكأن المحركات التقليديّة للتراجيديا تحضر في أسرة واحدة، صَمتَ كل واحد من أفرادها على “فظاعة” ما، في سبيل النجاة والحفاظ على “الأسرة”.

التكرار والإعادة السينمائية على خشبة المسرح
التكرار والإعادة السينمائية على خشبة المسرح

يكتشف هيبوليت أن والده الذي رباه ليس والده البيولوجي، وأن أمه ليست بأمه، كون والده البيولوجي كان يخون والدته مع امرأة أخرى، وحينها قامت الاثنتان بتبادل الأطفال لحمايتهما من أنفسهما، كما يكتشف أن ابنته انتحرت لأنها حملت من جدها دون أن تعلم، ويكتشف أيضا أن جدته كانت عميلة نازيّة، هذه الحكايات والتكرار الذي تظهر خلاله تتركنا أمام ما يشبه حكاية يونانيّة، حيث الأسرة محكومة بالعار والموت دون أن تعلم، كأسرة أوديب ملك طيبة وأسرته.

 وفي كلا الحكايتين، ما كان يحافظ على تماسك الجميع هو “الصمت” الذي تبناه كل جيل، لتظهر  التساؤلات فجأة حين وفاة والدة هيبوليت واكتشاف وصيتها التي كانت محركا لسلسلة من الانهيارات، تتكشف معها طبقات العنف والجنون والخديعة، وكأن الصمت والجهل ليسا إلا حلين مؤقتين، ولا بد أن ينهار كل شيء في لحظة ما، كحالة أوديب الذي لم يعلم سبب بلاء طيبة إلا حين عرف حقيقته، وتكشّف أمامه تاريخ أسرته الذي أدّى إلى انهياره.

العدو تحت اللحم

يواجه معوض في هذا العرض كما في عرض السنة الماضية (كل الطيور) الأعداء بوصفهم الأقرب، وضمن الأسرة نفسها، ليسائل العلاقات الأسريّة التي يختلط  فيها سفاح القربى مع العنف الجنسي، ما يخلق نوعا من اللايقين، أو “أزمة دماء” حسب المصطلح النقدي، والتي لا بد أن تنتهي بأضحية، لأن استمرارها يعني الخراب، واستعادة التوازن الذي سببه دنس الدماء بالسفاح تتطلب هدرا لهذه الدماء.

 وهذا ما حدث مع ابنته التي انتحرت وقتلت ابنها في رحمها، الأمر الذي تكرر ضمن كل جيل من أجيال الأسرة حيث تضحي امرأة بوليدها، إما لأنها يهودية كوالدة هيبوليت وإما عربية كوالدة شقيقه، اللتين تبادلتا الطفلين للحفاظ على حياتهما، فالأول وليد خيانة والثاني وليد اغتصاب، فكل واحدة منهما ضحت بابنها وصمتت عن التضحية كي تحافظ على “النظام العام” للأخلاق والأسرة، اللتين تنهاران في لحظة الحقيقة، لحظة  عابرة أمام مقهى كشفت كلّ الماضي وهشاشة الحاضر ووهميته.

ما يزيد من قسوة المسرحيّة هو تقنيات السينما التي تتكرر إثرها الأفعال العنيفة والانفعالات العاطفيّة، إذ تُفكك الحكاية ويتداعى شكلها الخطي، وتؤدى أمامنا مرارا، ومع كل إعادة، تُطرح أمامنا تساؤلات مختلفة عن “الحقيقة”، كما أن العودة إلى الخلف والقطع السريع بين المشاهد، تجعلنا أمام عدة نسخ من الحكاية يقوم “المخرج” الذي لا نره بتركيبها عدة مرات، وكأنه يكتب أمامنا على الخشبة، يحذف ويضيف ما يراه مناسبا.

 ومع كل احتمال جديد تختلط علينا الحكاية، لنكتشف لاحقا أن هناك نقاطا ثابتة تضبط السرد، نقاطا تراجيديّة لا يمكن تجاهلها، و كأن فعل “السرد المسرحي” نفسه يكشف الحقيقة بمجرد أن بدأنا به، كدائرة لا بد من إتمامها مهما طال الوقت، وكسرها لا يحصل إلا خارجا، عاليا، كما فعل ابن هيبوليت، الذي رحل إلى محطة الفضائية، متأملا جمال الأرض من بعيد، لتتحول أسرته إلى مجرد جزء ضئيل من حياوات كثيرة، حياوات لا نعلم مدى “تراجيدياتها” لكنها  من ذاك الارتفاع ليست إلا جزءا من سحر الحضارة البشريّة التي تسكن الأرض، حضارة أشبه بأقفاص نراها تتحرك وتتحول أمامنا على الخشبة، أقفاص تروّض فيها الوحوش التي يتلاشى الرعب الذي تختزنه حين نغادر الخشبة نحو الفضاء اللانهائي.

15