المسرح وإشكالية التواصل

الأربعاء 2017/02/08

يكشف السجال الذي تشهده النظريات النقدية الحديثة عن جدل طويل حول وجود التواصل أو عدمه في المسرح، على غرار التواصل اللغوي، وذلك لأن عملية التواصل تفترض تبادل الأدوار بين قطبيها بحيث يتحول المُستقبِل بدوره إلى مُرسِل، وهذا ما دفع بعض الباحثين إلى نفي وجود التواصل في المسرح، كتبادل متناظر بين القطبين، وفي الاتجاهين.

على الرغم من تلازم الوجود المادي للمُرسِل والمُستقبِل معا، وتلازم التطابق الزمني لعملية الإنتاج المسرحي وإنتاج التواصل، لكون المتلقي في المسرح ليس مُستقبِلا يتحول إلى مُرسِل كما في مجال الحوار العادي، وحتى عندما يبث بدوره رسالة، فإن رسالته تكون من طبيعة مختلفة عن الرسالة الأولى، إلاّ في حال المسرح القائم على مشاركة الجمهور بشكل فعال كما في المسرح التحريضي.

ومسرح الجريدة الحية الذي ارتبط استخدامه بظروف تاريخية محددة استدعت التوجه المباشر إلى جموع كبيرة بهدف توجيهها أيديولوجيا من خلال تقديم أحداث اليوم في نهاية النهار على شكل استعراض كبير، أو تقديم الأحداث الساخنة على شكل قراءة مقتطفات من الصحف، أو عرض مشاهد تمثيلية قصيرة بهدف إعلامي أو تحريضي، أو استقصاء الظرف الاجتماعي السياسي، وخلق فرص لمعالجته.

وقد أفرز هذا الشكل المسرحي أشكالا أخرى أهمها “المسرح الوثائقي” الذي ظهر في الستينات، وعروض “الهابننغ” التي اعتمدت أسلوب التعامل المباشر مع الجمهور، ودفعته إلى التفاعل مع الأحداث.

وفي هذا السياق يرفض بعض منظري المسرح مقاربة نظرية المعلومات، وسيميولوجيا وسائل الاتصال للعرض المسرحي، بوصفه رسالة مكونة من علامات صادرة عن خشبة المسرح لمتلق يجلس في مكان محلل الشفرات، ويصف هذه المقاربة بأنها مقيدة ومزيفة لأن المسرح ليس وسيلة ومصدرا للمعلومات المرسَلة كما يحدث في الرسالة التلغرافية، كما أنه ليس وسيلة لفظية ذات طبيعة نفعية، بل يظل خطابا ميتا من دون التناول التأويلي لعلاقة (القارئ/ المتلقي).

ولذلك يجري التأكيد على عدم إمكانية تطوير دراسات التلقي على أسس سايكولوجية، أو اعتبارات اقتصادية اجتماعية تقام من خلال المسح الشامل للجمهور المتلقي، فعلى الرغم من أن معرفة المؤثر الذي يستجيب له المتلقي، والمعايير الاقتصادية التي تجعله يصنع ذلك مسألة لها أهميتها، فإن هذه البيانات الإحصائية الكمية لا تلقي الضوء على طبيعة العلاقات الأيديولوجية الجمالية التي تجذب انتباهه.

إن تلقي العمل المسرحي شيء مباشر ومفيد، ولكن بسبب طبيعة كون المتلقي مواجها للعرض المسرحي ربما ينشأ تصور أن علاقته بالعرض علاقة خارجية ثابتة، أو أنه هدف لإشارات جاهزة صادرة من خشبة المسرح، في حين أن العكس هو الصحيح، إذ يجب محاولة إيصال هذه العلاقة إلى سيطرة تبادلية بين خشبة المسرح والمتلقي، سواء كان التفاعل يحدث مع العرض، أو مع النص في الوعي غير الكامل للمتلقي، فلا يزال موقع المتلقي المواجه للعرض هو أهم شيء، في حين أن العمل القائم على موضوع المعرفة هو الذي ينشئ العرض.

كاتب من العراق

14