المسرح والتلقي والأعراف الثقافية

عمليات الاختبار والاستبعاد التي تتعرض لها العروض المسرحية تؤكد الحاجة إلى منهج نقدي أكثر إبداعا من المناهج السائدة الآن، وهو مطمح صعب، خاصة في عالمنا العربي.
الجمعة 2019/10/18
كل متلق له أفق توقع مختلف (مشهد من من مسرحيات بيتر بروك)

التلقّي أمر بالغ الأهمية في العملية الإبداعية، في غيابه لا يمكن الحديث عن عمل فني أو منتج إبداعي أيا كان. ويلعب التلقّي دورا هاما في الفن المسرحي، حيث يمثّل محورا يتحرك فيه العمل، إذ من خلال عملية التلقّي تقيَّم الأعمال، لكن هل هذا التلقّي مخول للتقييم؟ سؤال يطرح نفسه في كثير من الأحيان.

للمتلقّين في المسرح، شأنهم شأن الأطراف المشاركة في إنتاجه (المؤلفين والمخرجين والممثلين والتقنيين) أفكار وقيم تتشكّل اجتماعيا، وتنتقل على نحو مشابه.

وكما يتعامل المنتجون مع الوسائط الفنية المتاحة، في إطار مواضعات جمالية محددة، فإن المتلقّين يقرأون عروضهم وتجاربهم من خلال عمليات تأويلية وسيطة لها محدداتها الجمالية والثقافية التي تميّز المسرح في مجتمع ما.

تعددية التلقي

فرض بعض منظّري التلقّي المسرحي على المشتغلين في المسرح ألاّ ينظروا إليه بوصفه فنا منعزلا عن الأعراف والممارسة الثقافية بشكل عام، وطالبوا منظّري الدراما بأن يرسوا نوعا من الحوار مع سوسيولوجيا الثقافة، التي تُعدّ الآن مجالا مثيرا للجدل، خاصة في المجتمعات الصناعية، ذلك لأن هذه المجتمعات تعطي دورا خاصا ومهمّا لأوقات الفراغ، وهذا يدعم بدوره صناعة الترفيه والتسلية التي تلعب دورا مهما في الاقتصاد.

وهكذا يبدو لهؤلاء المنظّرين أن الحاجة إلى البحث عن جماهير للفنون، والاحتفاظ بها تصبح ضرورة حيوية، مفروضة سلفا، في هذه المجتمعات. وتأتي هذه الضرورة من أن معظم مرتادي المسرح يذهبون إليه بدافع من الاهتمام بهذا الشكل الفني والاستمتاع به، إلاّ أن هذا الاهتمام ليس بريئا من تأثير الثقافة السائدة، فحب الفنون يشغل مكانا مهما في المجتمعات المتطورة، وعلى هذا الأساس يصبح الاهتمام بالمسرح دلالة على الذائقة الرفيعة.

إن دراسة دور المسرح في أي نظام ثقافي، وعلاقة المتلقّين بالمفهوم العام السائد للمسرح من ناحية، وأشكال معيّنة من الإنتاج المسرحي من ناحية أخرى تمكّن، حسب منظور نظرية التلقي، من الوصول إلى فهم أعمق للعلاقة بين عمليتيْ الإنتاج والاستقبال.

الخطابات الثقافية الرفيعة عادة ما ترتبط بالجماعات الاقتصادية الموجودة في مركز السلطة الثقافية
الخطابات الثقافية الرفيعة عادة ما ترتبط بالجماعات الاقتصادية الموجودة في مركز السلطة الثقافية

 واستنادا إلى ملاحظة بعض المشتغلين في هذا الحقل، فإن الخطابات الثقافية الرفيعة عادة ما ترتبط بالجماعات الاقتصادية الموجودة في مركز السلطة الثقافية، وأن هذه الجماعات هي التي ترسم الحدود الفاصلة بين الثقافة الرفيعة والثقافة الدنيا في المجتمع. وانطلاقا من هذه الملاحظة، التي لا يمكن تعميمها على المجتمعات كلها، يُفسَّر فهم الغربيين لطبيعة المسرح، كما حددته هذه الخطابات الثقافية الرفيعة، من خلال تحديد الشفرات المستخدمة في استيعاب الحدث المسرحي وتأويله.

من أفضل الأمثلة على هذا الفهم تلك الدراسة التي أجراها المنظّر والباحث الفرنسي باتريس بافيس على عملية التلقّي النقدي لعرض مسرحية شكسبير “دقة بدقة” الذي أخرجه المخرج الإنكليزي الشهير بيتر بروك، والتي تكشف عن وجود خطاب نقدي عام وسائد لجأ إليه النقاد الذين لا يزالون يقومون بدور ممثّلي الأيديولوجيا الثقافية السائدة، وتعكس قناعاتهم المشتركة حول المسرح طبيعة مكانتهم في هذه الأيديولوجيا.

لكن ثمّة دارسين لا يتفقون مع هذا التعميم حول النقاد، فيشيرون إلى سمة التعددية التي يجدونها فيهم، على غرار تعددية المتلقين، فالنقاد الذين يكتبون للقارئ المتخصص، أو أولئك الذين يكتبون للصحف المعارضة قد يختلفون اختلافا كاملا، في قناعاتهم وتوقّعاتهم، عن كتّاب المتابعات الصحفية الذين يتحدث عنهم بافيس. ويقود ذلك إلى حقيقة مفادها أن كل متلقٍ له أفق توقع مختلف، ومن ثم يمكن أن يكتشف الباحث آفاق توقعات مختلفة لأنماط متباينة من مشاهدي المسرح داخل المجتمع الواحد.

الثقافة متغيرة

سبق للناقدة الأميركية سوزان سوليمان أن أكدت على هذه الحقيقة في نقدها لتعريف ياوس لمفهوم أفق التوقع، واصفة إياه، في كتابها “القارئ في النص: مقالات في الجمهور والتفسير”، بأنه مفهوم قاصر لا يرى وجود تعددية للمتلقّين في سياق زمني معين.

ولتلافي هذا القصور عنده ترى الناقدة الكندية سوزان بينيت أنه من الممكن الربط بين مفهومه ومفهوم ستنانلي فيش عن الجماعة التأويلية، ومن ثم تصبح عملية القراءة، في إطار هذا الربط، عملية تاريخية واجتماعية في الوقت ذاته، مشيرة إلى تاريخ تلقي مسرحية هارولد بنتر “حفل عيد ميلاد” التي أدى تغيّر الجماعة التأويلية، وآفاق التوقعات إلى تجديد الاستجابة الجماهيرية لها.

هناك حاجة إلى منهج نقدي أكثر إبداعا من المناهج السائدة الآن، وهو مطمح صعب، خاصة في عالمنا العربي

إلاّ أن هذا التوفيق بين مفهوميْ ياوس وفيش ينسف، في رأيي، المفهوم الأول، ويفرغه من مضمونه الأساسي، الذي يقوم على فكرة التلقّي التاريخي للعمل الفني، ويستبعد مفهوم المعنى الموضوعي، الذي يتكوّن بشكل مستقل عن التأويل، أو بمعنى آخر اختلاف استجابة القراء للعمل الفني وتأويله تبعا لتواتر قراءاتهم له في مراحل زمنية لاحقة، في حين أن مفهوم فيش يقوم على تغيّر قرّاء العمل الفني أنفسهم، كما في مثال تغيّر المتلقين لمسرحية بنتر، ليحظى باستجابة جديدة، وتأويل مغاير. وعلى الرغم من قناعة بينيت الثابتة بالأطروحات النقيضة لنقد استجابة القارئ أو المتلقي، التي تؤكد على الاختلافات في ردود أفعال المتلقّين بأنماطه المختلفة، فإنها ترى وجود حدود ثقافية تحكم ردود أفعالهم، سواء إزاء النصوص، أو العروض بصورة عامة، أو إزاء نص، أو عرض بعينه.

 لكن هذه الحدود تظل دائما موضع مناوئة واختيار، ودائما ما يجري تجاوزها. كما أن الثقافة لا يمكن النظر إليها بوصفها كلاّ ثابتا، أو مجوعة من القواعد الثابتة، بل يجب النظر إليها على أساس أنها في حال دائمة من التدفق والتغير الحتميين.

وعلى نحو مشابه فإن طرائق الإنتاج والتلقي يعاد تشكيلها دائما، ومن ثم فنحن بحاجة إلى فهم أفضل للتغيرات التي تطرأ على كل منهما. والأمر الذي يجب أن يحظى باهتمام خاص في هذا السياق هو الكيفية التي يسهم فيها كل من المسرح ومتلقيه في خلق هذه التغيرات، إضافة إلى الكيفية التي يتلاءمون بها مع هذه التغيرات، ومن ثم فإن من المجدي أن تُفحص بعض الأطروحات النقيضة لتلك القناعات التقليدية التي غالبا ما تفصح عنها تحليلات النقاد.

إن عمليات الاختبار والتجاوز والاستبعاد التي تتعرض لها العروض المسرحية من طرف متلقي المسرح تشير جميعا إلى تنوع الممارسات التي تشكّل العرض المسرحي، وتؤكد الحاجة إلى منهج نقدي أكثر إبداعا من المناهج السائدة الآن، وهو مطمح لن يتحقق بسهولة، خاصة في عالمنا العربي الذي ما زالت أساليب تدريس النقد المسرحي ومناهجه في المعاهد والكليات المتخصصة بالمسرح فقيرة جدا.

14