المسرح والسياسة

السياسي الفطن سيقدر في الفنان الحقِّ خصما يمكن أن يخوض معه خلافا خلاّقا ومثمرا، لأن السلطة التي تتجنب المواجهة مع خصم قويّ مآلها إمعان في الاستبداد، ما ينجم عنه معاداة المجتمع.
الخميس 2018/08/09
كريستيان لوبا.. سيد المسرح الأوروبي

تختلف السياسة عن المسرح من حيث الماهية، ولكنها تلتقي معه من جهة المقاصد، فكلاهما يتوجه إلى جمهور واسع يروم التأثير فيه، إذ تعمل هي على تدجينه، ويسعى هو إلى تحريره. ولا غرو أن نجدهما معا في ما سمي بالمسرح السياسي الذي ظهر في وجهه المعاصر مع الألماني إرفين بيسكاتور، ثم في مسرح الأحداث الراهنة مع بريخت، والمسرح النضالي أو البروليتاري أو الشعبي لدى شتى الشعوب التائقة إلى الانعتاق من الجور والاضطهاد والاستغلال. فهما في صراع دائم، يهدأ وطيسه حينا إذا ما لاذ المسرح بالمواربة والأقنعة، ويحتدّ أحيانا إذا توسل بنقد ساخر وخطاب مباشر. 

في حوار لـ مجلة “لاتيراس” الفرنسية، أكد البولندي كريستيان لوبا، الذي يعتبر اليوم سيد المسرح الأوروبي، هذه العلاقة المتوترة بين المسرح والسلطة. فبسؤاله عن علاقة الفن بالسياسة، أجاب بأن كليهما يسعى إلى الاستقطاب الذي يحدده الفارق الجوهري بين مصالح كل طرف، هذا يريد تثبيته وتنميطه، والآخر لا يني يضعه موضع تساؤل، ويطمح دائما إلى تغييره. وإذا كان سارتر يرى أن السلطة تحرص دائما على التمسك بمكتسباتها وتعميقها بشكل يعزز حضورها واستمرارها ولمَ لا خلودها، فإن لوبا يعتقد أن الفنان يستشف التحولات التي تخطط لها السلطة، ويحذر من حدوثها وجرائر فرضها على أرض الواقع، ولو أنه يرى في التعارض بين الفن والسلطة إمكان إثارة مشتركة.

ففي اعتقاده أن السياسي الفطن سيقدر في الفنان الحقِّ خصما يمكن أن يخوض معه خلافا خلاّقا ومثمرا، لأن السلطة التي تتجنب المواجهة مع خصم قويّ مآلها إمعان في الاستبداد، ما ينجم عنه معاداة المجتمع، وتخوف منه، وانغلاق في دائرة الترويع والزيف والتدجيل، لا تخلّف بدورها سوى هزيمة فكرية وحضارية، وبصمة سلبية في سجل التاريخ.

يقول هذا والنظام الحاكم اليوم في بولندا، شأنه شأن سلطات الجمهورية الشعبية البولندية ما بين 1952 و1989، وألمانيا النازية، يتوق إلى فرض فن مخصوص ينهل من بطولات تاريخية مزعومة لإعادة خلق قيم كاثوليكية وقومية وبعث نخبة جديدة من الفنانين، يهدف من ورائها إلى التعريف ببولندا عبر العالم كقوة ثقافية. ولا يهم أن تشترى ذمم الفنانين بعدة طرق سافرة أو مقنَّعة، ووضع العراقيل أمام المؤسسات الثقافية الخاصة، والمبدعين المناهضين للسلطة وأيديولوجيتها، وكل من يشكل في نظرها خطرا على القيم التي تريد نشرها في أوساط المجتمع. ونجاح هذا المشروع، أو فشله، رهين بمدى انصياع الفنانين، أو تمردهم على محاولات تقييد حرية الابتكار أو إخضاعه لمشيئة الحاكم.

15