المسرح ينفرد في ريادة التغيير الثقافي في مصر

عروض عربية وأجنبية في مهرجانات دولية بالقاهرة لملاحقة التطورات الجمالية والتقنية ومقاربة التحولات الجوهرية للشعوب.
الأحد 2018/12/23
"أليس في بلاد العجائب" متعة الحركة والاستعراض والأداء الجسدي

ينصّب المسرح نفسه ملكا متوجا بامتياز وعنوانا لا يقبل الشراكة لأوراق الحصاد الثقافي بمصر خلال عام 2018، فهو الفن الذي طرق أبواب السياسة والإصلاح الاجتماعي متحليا دائما بالجرأة والإقدام والاقتحام ومستغلا المتاح من هامش الحرية ومحطما أسوار الرقابة والمنع، ليقدّم على منابر الدولة والمسارح الخاصة، ومن خلال فرق الشباب والهواة والمستقلين، عروضا تتمرد على الواقع السائد وتعرّي المجتمع وأزماته الطاحنة.

واستضافت القاهرة على مدار العام، في إطار مهرجانات دولية رسمية وأهلية، مسرحيات محلية وعربية وأجنبية ساخنة، تتعمق في قراءة التحولات الجوهرية للشعوب والبنى الأساسية للمجتمعات، وتواكب التجريب الفني والانزياحات الجمالية والتكنولوجية الفائقة في عصر الإبهار وخطف الأنظار.

لم يأتِ لقب “أبوالفنون” من فراغ، فالمسرح هو الفن الأعرق والأشمل والأقدر على التطور والتجدد والتمدد والاتساع للحياة النابضة الكاملة بتفاصيلها وعلاقاتها وطقوسها، بالقدر ذاته الذي يتسع فيه لسائر الفنون، بين رواية وشعر وموسيقى وغناء وتمثيل وتشكيل وتصميم وسينوغرافيا وغيرها.

بهذه الإمكانات، وبرغبة حقيقية في الانغماس في قضايا الواقع والانخراط في هموم الإنسان لتقديم معالجات فنية حرة وثورية وجريئة، برز المسرح في واجهة النشاطات الثقافية بمصر على مدار عام 2018، في وقت توارت فيه الكثير من الأعمال الفنية الأخرى، ما جعل المسرح يتسيد العام الماضي.

يكاد يكون المسرح المجال الأوحد المضيء في المشهد الثقافي المصري، إلى جانب بعض النجاحات الجزئية والطفرات الفردية في حقول أخرى، منها الفن التشكيلي على سبيل المثال، وبعض الفنون المعاصرة البصرية والموسيقية والرقمية والمعمارية، التي قدم فيها مبدعون مستويات راقية حظيت بتقدير دولي ونالت جوائز مرموقة، كالمشروع المعماري “روبابيكيا” الذي اختير ضمن أفضل عشرة أجنحة في بينالي “فينيسيا”.

الانتصار على الرقابة

"المهزلة الأرضية" انتقدت أحوال المجتمع المصري الجديد بلسان يوسف إدريس
"المهزلة الأرضية" انتقدت أحوال المجتمع المصري الجديد بلسان يوسف إدريس

 من شواهد التفوق المسرحي بمصر في 2018، وتجلياته تغلُّبُ المسرح على آليات المنع الرقابية والأمنية، فالمسرح لا يزال يمتلك قدرا من الحصانة بما يخوله لتمرير رسائل انتقادية جريئة يصعب تمريرها من خلال وسائل الإعلام وفنون أخرى، فهو الساحر الأكثر ذكاء في استغلال هامش الحرية وتطويعه ليكون أكثر اتساعا ومرونة، حتى عندما يكون العرض على أحد مسارح الدولة، وحتى عندما يكون الانتقاد سياسيّا صريحا.

جاءت مسرحية “قبل الثورة” للمؤلف والمخرج أحمد العطار في مارس الماضي على مسرح “روابط” ضمن فعاليات “مهرجان وسط البلد للفنون المعاصرة دي كاف” لتوجه ضربة إلى سيف التضييق والحصار السلطوي، فبعد قرار الرقابة بحذف خمسة مشاهد من العرض، قاد المسرحيون احتجاجا واسعا ضد هذا “المقص”، وشنوا هجوما على جهاز الرقابة على المصنفات الفنية، ما أجبره على إجازة العرض كاملا.

و”قبل الثورة” دراما سياسية وكولاج مسرحي، حول مقدمات أحداث 25 يناير 2011، وقدمت من خلال معالجة تجريبية لأحداث التاريخ والمزج بين الفانتازيا وقصاصات الصحف رؤية تنتصر لإرادة التغيير في مصر وإحداث حراك سياسي حقيقي.

وشكلت عروض “المهزلة الأرضية” و”سينما 30” و”علي الزيبق” خلال الصيف الماضي دعاوى مباشرة للتمرد على الواقع وإيقاظ الشعب من سكونه وجموده. ففي “المهزلة الأرضية”، المأخوذة عن عمل ليوسف إدريس في الستينات، استعانت فرقة “صوت العقل” بجنون الكاتب الراحل لتقديم معالجة تنتقد أحوال المجتمع المصري الجديد ومعطيات الحاضر الراهن التي لم تتغير إلى الأفضل، فلا يزال الإنسان أسير سلبيته وأنانيته ونزعته المادية ورضوخه للسلطة.

قدمت المسرحية فكرة جريئة، لمساءلة الفرد والمجتمع في آن، وصوّرت ثورة على النظام السائد يقوم بها المجانين، الذين يتضح لاحقا أنهم هم العقلاء الحقيقيون، فالحياة دون تغيير تعني الموت.

وفي الفلك ذاته، انحازت مسرحية “سينما 30” في تجربة غير مسبوقة بالأبيض والأسود للشعب البسيط المقهور ضد القوى السياسية والدينية، ولجأت فرقة تجارة عين شمس إلى قناع الماضي على مسرح “الهوسابير” عبر حكاية سينمائية محمّلة بالرموز والإسقاطات. وفي الختام، تمكن الفلاحون المتّحدون من الثأر من العمدة، ليطهّروا القرية من قوى الظلم والظلام المختلفة. وبدورها، قادت مسرحية “علي الزيبق” حملة على الفساد والعنف في مصر، وهي مسرحية مأخوذة عن عمل للكاتب يسري الجندي، استغلت المكر الفني لورشة شباب الأندلس “فرقة الدوبلير” لتصوب على مسرح ساقية الصاوي سهاما إلى صدر الأوضاع الاجتماعية والسياسية السائدة بمصر، من خلال الإسقاط والترميز والأقنعة، واستغلال شخصية “علي الزيبق”، البطل الملحمي المعروف، الذي يشهر أسلحته وحيله وألاعيبه في وجه السُّلطة الجائرة، ويواجه مظاهر العنف والفساد المستشرية في البلاد.

تطورات وتحولات

"علي الزيبق".. إسقاط تاريخي على الفساد والعنف في مصر
"علي الزيبق".. إسقاط تاريخي على الفساد والعنف في مصر

 اتسع صدر القاهرة على مدار العام لمسرحيات عربية وأجنبية ضمن خارطة المهرجانات الدولية الرسمية والأهلية. واتسمت هذه العروض، كما في مهرجاني “وسط البلد” (مارس) و”المسرح التجريبي” (سبتمبر)، بالقدرة على خوض المغامرة ومواجهة الصعاب وملامسة التطورات الجمالية والتقنيات المسرحية المبهرة.

واستطاعت المسرحيات المتفوقة أن تحقق الهدف الأساسي، وهو صيد التحولات الجوهرية للشعوب والبنى الأساسية للمجتمعات، وطرح تساؤلات حول إمكانية مساهمة الفن في احتواء الدمار المحيط بالعالم والاحتفاء بالحياة أملا في غد جديد.

بعض هذه العروض جاء حركيّا خالصا، مثل العرض السويسري “طرب” على مسرح الفلكي، الذي أطلق لغة الجسد خارج البرواز من خلال أداء حركي متحرر لتسعة فنانين، أعادوا اكتشاف ملامح القاهرة كمدينة شعبية، مراهنين على الدفء الإنساني وانسيابية الأجساد وسيولتها في فيوضات الموسيقى، وتقديم الرقص كغاية جمالية وتعبيرية دون الانخراط في تفاصيل حكائية تنتقص من القيمة الحركية والبصرية.

وجاء العرض الفرنسي “هل هذا هو المكان؟” على المسرح ذاته، كتجربة شفيفة تستدعي مشاعر الفقد وتطرح تصوُّرا لتماهي الحقيقة والخيال، واقترح العرض جماليات “المونولوج” كمساحة للرؤية الفلسفية وفضاء لاكتشاف العلاقة بين المكان والزمان، والكتلة والطاقة. والمدهش أن الصدفة لعبت دورها، إذ تزامن هذا العرض مع رحيل عالم الفيزياء ستيفن هوكينغ في مارس الماضي، وكلاهما ينتصر للثورة على الثوابت، ويبحر في “الزمكان”، ويتناول الانفجارات والانهيارات الكبرى في العالم والإنسان، ويعيد تعريف معاني الضوء.

وتقاطع العرض التونسي الكندي “الشقف” على مسرح “ميامي”، والعرضان الجزائري الفرنسي “الحارقون” والإماراتي “ليلك ضحى” على مسرح “الهناجر”، في ما يمكن تسميته دراما التنوير والتفجير، حيث تحتشد كل الطاقات الفكرية والفنية والجمالية من أجل تجاوز الواقع العربي المفرط في السوداوية بفعل جماعات الظلام ودعاة الإرهاب والعنف.

نكأت المسرحيات المقتحمة جراحا عميقة أنتجتها المعارك العسكرية والقلاقل السياسية والصراعات الداخلية في العالم العربي، ما أدى إلى سيادة الرجعية وقوى التخلف، واغتراب المواطنين داخل أوطانهم، وهجرتهم غير الشرعية إلى الخارج، حيث يلاقون مصيرا داميا مأساويّا، أو يهلكون خلال رحلة الهرب ذاتها.

الخيبة والخلل

"هل هذا هو المكان؟".. تجربة فرنسية شفيفة استدعت مشاعر الفقد
"هل هذا هو المكان؟".. تجربة فرنسية شفيفة استدعت مشاعر الفقد

خلال العام 2018، اشتركت عروض محلية كثيرة في استعراض ملامح الخيبة والخلل والانتكاس في سائر المجالات والقطاعات، بما يسجل مؤشرا قويّا إلى تمسك المسرح بدوره الإصلاحي والانتقادي، سياسيّا واجتماعيّا، بالإضافة إلى كونه فنّا في الأساس، يستعرض ما يجري بصيغ جمالية، خارج الشعارية والزعيق والفجاجة والمباشرة.

من هذه العروض، مسرحية “خلل” في أكتوبر الماضي على مسرح ساقية الصاوي لمجموعة من الفنانين الشباب بفرقة “كيو”، وهي مسرحية تفاعلية تشاركية، تشرّح طبقات النسيج المجتمعي المصري، وتتقصى جذور العنف والتطرف، محيلة إياها إلى التنشئة الأسرية الخاطئة. وتقدم المسرحية الوقود الحيوي الكامن لدى الشباب كطاقة إيجابية يمكن استثمارها وتفعيلها لمحو هذا “الخلل” ودرء المخاطر المحدقة. وبعنوان “خيبتنا”، أطلق محمد صبحي على مسرح مدينة سنبل للفنون في سبتمبر الماضي كوميديا سوداء تنتقد الأحوال السائدة، ليس بهدف السخرية المجانية أو تعميم اليأس وفرضه من خلال شخصية “الدكتور يائس″، وإنما لإثارة التأمل والتفكير في الأزمات والمشكلات العميقة، مثل الفقر والبطالة وقضايا الحريات والديمقراطية وغيرها، بغية تحليلها وإيجاد حلول جوهرية لها. وتتماس المسرحية مع تبعات ثورات الربيع العربي والتغيرات السياسية والمجتمعية و”الجينية” التي لحقت بالشعوب، بمزج بين الواقع والخيال.

وبالتوازي مع الموسم الرابع لمسرح مصر، الذي لم يخرج عن إطار الترفيه والتسلية والإضحاك، أطلق أشرف عبدالباقي في نوفمبر الماضي مسرحية “جريما في المعادي” على مسرح نجيب الريحاني، مع الإشارة إلى أنها “مسرحية كلها غلط”، والخطأ هنا الذي يستعرضه مجموعة من الشباب الجدد هو كل ما يدور في المجتمع بدءا من عنوان المسرحية (“جريما” بدلا من “جريمة”)، المقتبسة من رواية أجنبية للإنكليزي ريدفورد، وصولا إلى أن الجريمة بحد ذاتها تعني الخطأ، وكل إجراءات التحقيق والاشتباه في الشخصيات تقود إلى اكتشاف الأخطاء البشرية والسلبيات المجتمعية اللانهائية.

وبلغ تصوير الخلل مداه في مسرحية “المعجنة” على المسرح القومي في شهر ديسمبر، وهي مسرحية صادمة ومغايرة للطرح المعتاد على مسارح الدولة، وترصد بجرأة بلغت حد الفضائحية ملامح التفكك الأسري والعلاقات المبتذلة وغير الشرعية والشاذة ومسالك الانحراف والعربدة والانحدار القيمي في المجتمع، في ظل غياب فكرة “البيت” كمظلة دفء واحتماء واحتواء، مستعينة بتقنيات وعناصر مسرحية مبهرة، وإنتاج ضخم.

الفانتازيا والاستعراض

"مترو".. ماذ بعد العزلة والانقطاع عن العالم؟
"مترو".. ماذ بعد العزلة والانقطاع عن العالم؟

 من سمات مسرح 2018 في مصر، إفساح المجال للأداء الحركي والاستعراضي، والمزج بين الفانتازيا والواقع واللعب على أوتار التاريخ، بإعادة صياغة نصوص قديمة محلية وعالمية، أو باستحضار شخصيات تاريخية وأسطورية في العمل.

وشهد يوليو الماضي “كوميديا البؤساء” على مسرح “ميامي”، في مغامرة فنية للمسرح الكوميدي، تحولت فيها مأساة الفرنسي فيكتور هوجو إلى عرض استعراضي غنائي ساخر.

ولم تعن المعالجة المصرية بالانخراط في التماهي مع شخصيات وأحداث النص الأصلي الذي حضر كخلفية للاستيحاء. ومن خلال فيلسوف العدالة الاجتماعية الفرنسي سخر المسرح المصري من أوضاع اجتماعية حالكة، وأطلق رسالته بأن المجد في النهاية للعشق والأمل، ولا يأس في هذه الحياة، ما دامت هناك قلوب تنبض بالحب والتسامح والمقاومة. وطرحت فرقة “مسرح الشباب” على مسرح “أوبرا ملك” في ديسمبر أزمات المجتمع المصري والإنسان المعاصر عموما من خلال العرض المسرحي “مترو”، الذي ينبني على الفانتازيا ويستحضر التقنيات المبتكرة لتصوير أشخاص مأزومين مهزومين، منعزلين في محطة قطار مجهولة، يتوقف فيها الزمن، وتتعطل الآمال، ويغوص الشباب المحبطون في سجنهم الداخلي، وذواتهم المكلومة، قبل أن يمزقوا الخيوط العنكبوتية، ويستردوا وعيهم من خلال الحوار والعشق، ويستعيدوا أنفسهم الضائعة.

ومن “بجماليون” (على مسرح تياترو آفاق) إلى “أليس في بلاد العجائب” (البالون) و”كينغ كونغ” (البالون) و”طريق طروادة” (ساقية الصاوي)، وصولا إلى “شقة نجيب محفوظ” (مسرح الغد) و”حكاية البنطلون” لسعدالدين وهبة (ساقية الصاوي)، حيث جاءت هذه العروض من وحي التاريخ وأحداثه وشخصياته الحقيقية والأسطورية، مرتكزة على كلاسيكيات إبداعية من الأدب اليوناني والأوروبي والعربي في صياغات عصرية وشبابية تتمثل الحاضر بإسقاطات وإحالات ذكية.

عنيت هذه العروض بالأداء الجسدي والمتعة البصرية والحركية، والتابلوهات الاستعراضية، والأحداث الغرائبية في خضم صراع الخير والشر، والأفكار الجريئة حول الصمود والمقاومة والتحرر من الخوف والدعوة إلى خوض معركة الإصلاح والبناء في مصر.

وإلى ذروة الفانتازيا وتفاصيل العالم الرقمي والحياة الافتراضية ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث مسرحية “ساعة شيطان” التي فضحت انحدار القيم في المجتمع من خلال “صورة سيلفي” للأسرة المصرية المفككة في كوميديا أوقدت الشموع السوداء على مسرح “الصاوي”، حيث تجسَّدَ الشيطان مقدّما حلولا تدميرية لسفينة الحياة المتخبطة، في ظل غياب القيادة الرشيدة.

ومع إفراط مواقع التواصل الاجتماعي في التهام رؤوس الشباب، صوّرت مسرحية “تسجيل دخول” الحياة الافتراضية الباردة والواقع المفقود في ارتجالات كوميدية على مسرح “الهناجر”، بمعالجة فنية إلكترونية لحصاد الثورات العربية وأبرز القضايا المجتمعية الراهنة، بغية تفجير طاقات الشباب الخلاقة، وبلوغ الواقع الحقيقي المفقود، وقنص الأحلام المهدرة، بدلا من إضاعة الوقت والجهد في المسارات المتخيلة.

وحملت مسرحية “أنثى عبرية” على مسرح “رومانس” دعوة ناعمة إلى محو العداوات بين البشر وتجاهل الاختلافات الدينية باسم المحبة، فيما بارز العشقُ الكراهيةَ على مسرح “الغد” في تراجيديا “الثامنة مساء”، وجاء الزمن بطلا منتقما من الطغاة. وبلور العرض الفلسطيني “بابا.. تعا لعندي” في معهد جوته الألماني مشاعر الشتات المجتمعي، وثورة الفن الطموح على الصورة التقليدية للمرأة.

12