المسرح يودع الجمهور وينزل عن الخشبة ليطرق أبواب العائلة

إقبال الجيل الجديد على المسرح المتلفز.. مجرد فضول فرجوي أم تثمين فني.
الثلاثاء 2019/05/14
مسرح يزور الناس في غرفة الصالون

ما إن تُلصق كلمة “العائلة ” بأي منتج استهلاكي، من مواد تموين أو تنظيف أو مستحضرات تجميل أو حتى برامج إعلامية ودرامية، إلا ويرافقها نوع من الشعور بالاستهجان وعدم التحمس لها بل الفزع أحيانا، ذلك أنها تعني ـ في ما تعنيه ـ الرداءة في العرض والمحتوى، خصوصا حين تأتي هذه “المنتجات العائلية” من القطاع العام الذي بات في بلدان عربية كثيرة، عنوانا صريحا لغياب الجودة وتواضع الذائقة.

صار التلفزيون العمومي مع تكاثر وتنافس القنوات الخاصة، وفي أحسن حالاته، متحفا فولكلوريا، لا يثير إلا الحنين لأزمنة سادت ثم بادت بالنسبة إلى الأجيال التي عايشته، واستهلكت برامجه ـ غصبا عنها ـ وسط غياب البديل في أحيان كثيرة.

داخل الغرف

أن تُفاجأ بجيل جديد يتوقف بالإبهام والريموت كونترول، عن سابق إصرار وترصد، عند برامج عرفتها وتربت عليها أجيال الستينات والسبعينات، وحتى بداية الثمانينات، فأمر يثير أكثر من سؤال، ولا بد من التوقف عنده بالبحث والتمحيص، فهل هو مجرد فضول أم قيمة فنية لا بد من إعادة الاعتبار إليها رغم تغير وتطور وسائل الاتصال، ومعها تغيرت وتطورت الهموم المطروحة في تلك البرامج الدرامية على وجه الخصوص.

المسرح كان من الفنون الزائرة في صالون البيت، والمرحب بها من طرف جميع أفراد الأسرة عبر جهاز تلفزيوني كان يبث في غالبيته بالأبيض والأسود، فلا تصلنا تلك الهوية البصرية التي تميز المسرح من ألوان يختارها المخرج بعناية في الزوايا المضاءة والثياب المختارة، وحتى الروائح وتفاعل الجمهور، ومصافحة الممثلين بعد انتهاء العرض، أي أن ” الجدار الرابع” (بمفهوم برتولد بريخت) لا ينكسر.. اللهم إلا إذا تهشمت شاشة التلفزيون على سبيل المجاز.

أين ذلك المسرح الذي كان يزورنا في غرفة الصالون ـ بعيدا طبعا، عما يعرف بـ“مسرح الغرفة” كشكل تجريبي عرفه المسرح الأوروبي ـ ونشاهده ونحن بالبيجاما، نتناول المكسرات أو المشروبات أو حتى الطعام، دون تعطر وتأنق وقطع تذاكر.. ذلك المسرح الذي كان يؤنسنا ويمتعنا بروائع وقع، في الغالب، إعدادها عن المسرح العالمي كموليير وشكسبير وكاسونا وداريوفو، أو حتى من المسرح العربي كالأخوين رحباني وغيرهما، لم يعد يزورنا في سطوة حضور المسلسلات وتزاحمها فأوشكنا على فقدان تلك الألفة مرة واحدة وإلى الأبد لولا تفكير بعض المؤسسات التلفزيونية العربية من القطاع العمومي (تونس ومصر على وجه الدقة) في إعادة إنتاج وتصوير تلك المسرحيات بإخراج تلفزيوني يراعي تقنيات الكاميرا التي تنوب عن عين المتلقي المسرحي.

هل المنجز الإبداعي لا يحافظ على صدقيته وأصالته إلا إذا كان بيد الدولة التي مهمتها إنقاذ الفنون المهددة بالانقراض

القناة الوطنية التونسية أو الوريث الشرعي لـ“مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية”، مشت على خطى سلفها هذا العام، وأنتجت 15 مسرحية من تأليف عدد من الكتّاب التونسيين المميزين؛ من بينهم محسن بن نفيسة وعماد عمارة وأحمد بوعمود، وإكرام عزوز، أمّا الإخراج المسرحي فهو لأنور العياشي ومنير العرقي وصابر الحامي ودليلة المفتاحي ولطفي العكرمي، في حين أنّ الإخراج التلفزيوني قد أوكل إلى كل من محمد علي الشريف ومحمد المزيان.

بدأ بث هذه السلسلة منذ الأول من رمضان، تحت عنوان “مسرح العائلة” في تجربة يقول عنها أصحابها بأنها “نكهة قديمة متجددة” على اعتبار أن المسرحيات المختارة قد تم تقديمها منذ سنوات، وهي اليوم يعاد تصويرها كما كانت على خشبات المسرح، في محاولة لا تروم الأرشفة وحدها بل إثراء المشهد الدرامي وارتقاء بذائقة كلستها دراما تلفزيونية في أغلبها سطحية ومكررة.

القيّمون على هذا المشروع يقولون إن هذه الفكرة على جمالها، هي فكرة تأسيسية لمرحلة جديدة من الدراما التلفزيونية الحقيقية التي تجمع كل العائلة دون استثناء حول مائدة واحدة وشاشة واحدة.

“مسرح العائلة” هذه المرة إذن، ليس “عائليا” بالمفهوم الممجوج والمشمئز لنفس الكلمة التي ترتبط بمنتج صناعي محلي في ذهنية المستهلك العربي. وعليه فإن السؤال يُطرح في صيغة أخرى: هل أن المنجز الإبداعي لا يحافظ على صدقيته وأصالته إلا إذا كان بيد الدولة من حيث هي جهة يُؤتمن عليها في إنقاذ الفنون المهددة بالانقراض في عصر الاستهلاك والعولمة المتوحشة أم أن المسألة تتعلق بـ“الأيدي الأمينة” مهما كان موقعها: سواء في المحطات الخاصة أم التلفزيون العمومي؟

السؤال الأكثر حساسية هو: ما معنى “العائلي” في ما يُبث من الأعمال الفنية؟ وهل أن “مسرح العائلة” بديل عن المسرح بمفهومه الأعم والاحترافي التخصصي أم أن المسألة مجرد “جبر خواطر وأضرار”؟

لا غنى عن المسرح

Thumbnail

الملاحظ أن ما وقع بثه إلى حد الآن من “مسرح العائلة” لا يتعدى كونه كلاسيكيات تتوخى الكوميديا التقليدية، تطرح قضايا اجتماعية عامة، وتفتقر إلى حس التجريب والبحث والابتكار على مستوى عناصر أساسية في المسرح كفنون الأداء والإخراج والسينوغرافيا.

واكتفت هذه الأعمال بمجرد النقل التلفزيوني كما هو الشأن في مباراة كرة القدم.. وعلى ذكر هذا المثال الحي، لا شك أننا لاحظنا الفارق الشاسع بين مجرد مشاهدة مباراة يلعب فيها مارادونا وبين متعة مشاهدة الفيلم الساحر الذي أنجزه المبدع أمير كوستريكا، عن المبدع دييغو مارادونا. من المؤكد أن لأصحاب تجربة “مسرح العائلة” سواء كان في تونس أو مصر، ثوابا واحدا وهو نقل نكهة المسرح وتقاليد مشاهدته (ولو تلفزيونيا) إلى العائلة كأضعف الإيمان، أمّا عن نكهة المسرح وسحره ومواضيعه الراهنة في المعالجة الدرامية والفنية، فذاك “شرف يطمح له أصحابه ولا يدعونه”، ذلك أن الأمر يشبه الفرق بين عصير البرتقال وشراب بنكهة البرتقال.

قيمة أخرى تُضاف إلى مشروع “مسرح العائلة” وهي إشراك مواهب فنية وطاقات تمثيلية من أجيال مختلفة في نوع من الإفادة والاستفادة عبر التفاعل الإبداعي، وكذلك إيجاد فرص عمل لممثلين وفنيين في بلدان تشكو شحا وضعفا في الإنتاج الدرامي مثل تونس. وفي هذا الصدد قال أنور العياشي، أحد مخرجي “مسرح العائلة” “يشارك في العمل ممثلون من أجيال مختلفة، وعملنا على رد الاعتبار إلى قدماء الممثلين مثل الفنان حسين محنوش والإذاعية والمسرحية سلوى محمد والفنانة رفيعة بلحوت مع إعادة الروح إلى الجيل المخضرم الذي غُيّب لسنوات عديدة”.

صفوة القول إن “مسرح العائلة” لا يغني عن ارتياد المسرح بمفهومه الاصطلاحي العام، ولا يأمل في نقل الفن الرابع إلى التلفزيون الذي يلقبه البعض تعسفا بـ”الفن الثامن” في حين يعتبر مجرد جهاز إعلامي لا أكثر ولا أقل، يؤدي مهمة النقل كما تنقل الصحيفة رسما كاريكاتيريا، وقالت عنه الكاتبة الأميركية ذات الأصول الكورية “إنه أصغر من الحياة، كذلك فإن السينما أكبر من الحياة، أما المسرح فهو على قد الحياة، ومقاسها تماما”.

15