المسطول والثورة

الأحد 2015/01/11

كان النقاش حاميا في المقهى الذي اعتدنا الجلوس فيه من أيام الشباب.. الحوار ارتكز حول دور الشباب في الانتخابات البرلمانية القادمة، هم بطبعهم متمردون ورافضون ومتذمرون وساخطون على الإخوان، وناقمون على السيسي وحانقون على الأحزاب القديمة والجديدة، يلعنون كل السياسيين والإعلاميين.

“الخناقة” بينهم وبين الجميع حامية الوطيس، غاضبون من أن كثيرين بدأوا يطلقون على يناير 2011، أنها المؤامرة الكبرى.

جانب منهم أيضا رافض لتسمية ثورة 30 يونيو بالانقلاب، ويصفون المعترضين عليها بأنهم إخوان حتى لو لم يكونوا من الجماعة المحظورة، من ثمة فإن الجدل الدائر في المقهى تركّز حول قضية رئيسية هي: هل يشارك الشباب في الانتخابات البرلمانية القادمة؟ أم يقاطعونها تعبيرا عن تبرمهم من الرئيس السيسي والمعارضة والإعلام وكل شيء.

كانوا يأملون أن تنصفهم لجنة صياغة الدستور التي ضمّت كل الاتجاهات، لكنها لم تفعل، هنا انتقل الحوار إلى نقطة أخرى، وهي أن الشباب كلهم لن يقاطعوا الانتخابات.

فالمؤيدون لـ30 يونيو سيشاركون فيها، وإن كان عددهم أقل من المتعاطفين مع يناير. ولا شك أن مقاطعة الشباب ستؤثر في الإقبال على الانتخابات، لأنهم النسبة الأكبر في عدد الناخبين.

شباب 30 يونيو سيشاركون في التصويت السلبي لإضعاف الأحزاب التي ربما تتحالف لمؤازرة السيسي داخل البرلمان، شباب يونيو معترضون على الرئيس، لأنه لم يمنحهم مناصب قيادية في الحكومة كما وعدهم، ولأن الدستور خصص لهم مقاعد أقل من المرأة وهمّشهم.

وسط الجدل الذي احتدم، وبينما كل فريق يسوق حججه للتدليل على صحة رأيه، تحرك من مكانه المعتاد في الركن البعيد الهادئ، أحد رواد المقهى وتدخل في الحوار.

هو رجل تجاوز الخمسين من عمره ويعرف زبائن المقهى أنه يتعاطى المخدرات منذ فترة، لذلك يتحاشى الدخول في حوارات أو صداقات حتى لا يتعرض للسخرية أو التندر من الآخرين.

كما أنه لا يبادر بالاشتراك في حوار مع أحد حتى يجنب نفسه الصدام، لكنه في هذه المرة تخلى عن حذره وفاجأنا بصوت متحشرج يأتي من آخر المقهى قائلا: “يا أسيادنا فيه ثورة ثالثة إنتوا ناسينها غير 25 يناير و30 يونيو”.

تصورنا أنه سيقول إنها ثورة قادمة إذا ما ساءت الأوضاع أكثر من ذلك، لكنه أضاف: “ثورة الشك يا أسيادنا التي غنتها الراحلة العظيمة الست أم كلثوم، وهي أجدع من كل الثورات، لأنها مستمرة من أكثر من خمسين عاما، ولم نختلف عليها قط”.

نظرنا إلى بعضنا مذهولين، وقلنا في نفس واحد “والله صدقت”.. فأحيانا نأخذ الحكمة من أفواه المساطيل.

24