المسكن عماد الاستقرار الأسري

لا تتأسس الأسرة العربية عموما وفي جميع الأقطار العربية إلا على مفهوم الاستقرار.
الأحد 2019/07/07
البيت ليس مجرد جدران تقي البرد والقيظ

كنت فرحا بإنجاز قسم من الأشغال التي أقيمها في منزلي، بما يسمح بالسكن فيه، ولفرحتي سببان؛ الأول يتمثل في الشعور بالانعتاق من سطوة المؤجرين سواء في ما يتعلق بارتفاع قيمة التأجير والتي شارفت عنان السماء، شأنها شأن ارتفاع أسعار كل المواد والخدمات أو ما يتعلق بالقلق الذي يسببونه نتيجة تفقّد محل الكراء في كل الأوقات ودون مراعاة للحرمة الأسرية.

أما الثاني فهو الشعور بالاطمئنان على مصير أفراد العائلة، وخاصة الأبناء في ظل عدم وضوح الرؤية وانسداد الأفق وتفشي ظاهرة البطالة في ما يخص مستقبلهم المهني والمادي، حتى أنه يكاد يكون من الصعب جدا اقتناء منزل في الظروف الاقتصادية والمادية الصعبة جدا، أضف إلى ذلك ضبابية المشهد بالنسبة للأبناء الذين فقدوا الأمل في إمكانية تأمين الحدّ الأدنى من المتطلبات المادية للاستقرار الاجتماعي.

نشرت في تدوينة فيسبوكية ما يلي “الحمد لله والشكر لرب العزة.. استطعنا أخيرا أن نسكن بيتا لا ننتظر أن يدقّ بابه مؤجّر..”، فتفاعل معها أكبر عدد ممكن من أصدقائي الافتراضيين، على عكس تدويناتي التي كنت أظنّ أنها أكثر أهمية بما أنها تطرح مواضيع متنوعة، بنكهة سياسية واجتماعية وفكرية واقتصادية وأحيانا فلسفية، وكنت أودّ مدّ جسور التواصل مع أصدقائي عبر نقاشات وحوارات فاعلة ومثمرة تعود بالإفادة المعرفية علينا جميعا.

اكتشفت من خلال حجم التفاعل مع تدوينتي سالفة الذكر أمورا عديدة تتعلّق ببناء الشخصية العربية وبالعقلية التي تحكم حياة النّاس، وتذكرت مثلا شعبيا سائدا اتخذ في انتشاره صفة القول المأثور “الوكر وكري ولو على عود يابس”، والوكر هو عشّ الطير، والدلالة الرمزية هي شدّة التعلق بالمكان كعنوان بارز للهوية والوطنية والمواطنة..

لا تتأسس الأسرة العربية عموما وفي جميع الأقطار العربية إلا على مفهوم الاستقرار، ومن أهم معاني هذا الاستقرار المكان الذي يختزله المنزل. فعندما يهمّ أحد الشبان لخطبة فتاة ما فأول سؤالين يطرحان عليه هما: ماذا تعمل؟ وهل لديك منزل خاص؟ وإذا توفّرا فهذا يعني القبول بالشاب كصهر للعائلة دون الخوض في بقية التفاصيل المتعلقة بالشخصية وطريقة التفكير وموقع المرأة من كل ذلك.

يسمّون المنزل بـ”قبر الحياة” وهي تسمية محمّلة بأبعاد اجتماعية مترسّخة عبر التاريخ، فالقبر هو دلالة صارخة على “الاستقرار” و”الديمومة” في المكان، هذه التسمية تجعل البيت على رأس قائمة الأولويات الحياتية التي يسعى الإنسان إلى تحقيقها وربما تكون الأولى والأخيرة إذا ما كانت الموارد المادية ضعيفة.

السؤال الإشكالي في الموضوع هو: لماذا تولي الأسرة العربية كل هذه الأهمية للمسكن؟

في بنية الأسرة بعض الإجابة لأنها لا تزال تحافظ على الروابط الوجدانية العميقة التي تجمع أفرادها، فرغم التطوّر وظهور ما نعتقد أنه بوادر لتفكك الأسرة بمفهومها التقليدي إلا أن تلك الروابط الاجتماعية تعلن عن وجودها بقوة في المكان. المسكن ليس مجرد مكان وسقف يظلل أفراد العائلة وإنما هو ذلك الزخم الوجداني للاستقرار.

زارتني أختي وفي دردشة في الموضوع قالت “غرفة واحدة وغير مجهّزة لا يقاسمك إياها أي كان أفضل من قصر مؤجّر يدقّ صاحبه الباب ليتفقد أقفاله”، كلامها ومواقف غيرها وما لمسته من تبريكات واهتمام بالموضوع جعلني أعيد ترتيب الأولويات في حياتي وحياة أبنائي وشعرت بأنني قمت بالخطوة المثلى رغم ما تكبّدته من متاعب.. أحسست بنوع من الطمأنينة التي غمرت نفوس كل أفراد العائلة.. المنزل هو نوع من الضمانة تؤمن مستقبل الأولاد.

البيت ليس مجرد جدران تقي البرد والقيظ، إنه مكوّن مادي ووجداني من مكونات البنية الأسرية على المستوى الذهني، وهو ما دفعني إلى تذكر مقطع قار في بنية القصيدة الجاهلية والعربية القديمة، وهو “الوقوف على الأطلال”، وأطلت التمعّن في دلالاته رغم أن القبائل العربية القديمة تعيش على الترحال، واتّضح أنّ لوجود الإنسان في المكان حتى وإن كان قفرا، دلالة نفسية وذهنية تتجاوز مجرد الامتلاك.. الآن فقط فهمت لماذا تضحي العائلات بالغالي والنفيس من أجل امتلاك بيت.

21