"المسكوبية" رواية التمرّد على الوجع في أرض تهرب من تحت الأقدام

الأربعاء 2014/05/28
العيسة يكتب فصولا من الواقع الفلسطيني المأزوم

بغداد - رواية “المسكوبية” للكاتب الفلسطيني أسامة العيسة، والتي صدرت عن دار “أوغاريت”، تطل على فترة ملتهبة من تاريخ المنطقة، الثلاثة أشهر السابقة على حصار بيروت عام 1982، وتدور الأحداث فيها عبر مكان محدد هو سجن المسكوبية، وفضاء محدد هو مدينة القدس، باعتبار المسكوبية جزءا من تراث المدينة، وفضاء عاما متمثلا في عموم فلسطين، بمدنه وقراه، التي شاركت في انتفاضة “الأقصى” الأولى.

رواية “المسكوبية” هي سفر في أوجاع أمة، عبر سرد لتاريخها المأزوم، من خلال الأحداث الهامة، والتي تم التأسيس عليها، في ما لحق، من حدث روائي.


التعذيب والإكراه


الثيمة الرئيسية التي بنيت عليها الرواية هي المعتقل، وما تفرع من الثيمة من أوجه عدة، كحياة الناس في السجون، التعذيب والإكراه، الظلم الذي يعانيه المسجون، وصولا إلى السجن الكبير، الذي هو الاحتلال، بما تعانيه المدن الفلسطينية من تخريب نفسي واجتماعي وعمراني.

تبدو الثيمة طاغية على الرواية، بكل معطياتها، وكأن الثيمة تأخذ بخناق الوحدات السردية، مادامت هي الحدث العام، الذي يكتنف البشر والمدن. تم تأكيد هذه الإحاطة من خلال محاور عدة، اشتغل عليها المؤلف بشكل بارع، معتبرا إياها مادة سردية، قابلة للقياس والتوسع بمقدار ما يشاء الحدث، لقد تأكدت الثيمة من خلال السجن وحياة المعتقلين والقضية المركزية لنضال الشعب الفلسطيني.

عبر رحلة موغلة في القدم التاريخي يؤرشف لنا أسامة العيسة بناية “المسكوبية”، بدءا من حرب القرم، التي وقعت في القرن التاسع عشر وتعزيز انتصار روسيا فيها بإقامة مبنى للمسيح الأرثودوكس في مدينة القدس، على مر التاريخ تم تحويلها إلى سجن، كما في أيام الانتداب البريطاني ثم الدولة الأردنية وصولا إلى احتلالها بعد عام 1967، لتصبح معتقلا رئيسيا للثوار ومقرا للتعذيب والإهانة والموت.

من خلال رحلة موغلة في القدم التاريخي يؤرشف لنا أسامة العيسة بناية {المسكوبية»


جدران الفضاء


حياة المعتقلين في “المسكوبية”، التي حرص المؤلف في معظم صفحات الرواية، على الدخول التفصيلي فيها، راسما لوحة وفصولا من سيرة العذاب، والتي تبدأ من لحظة دخول السجين ومروره بأشكال مختلفة من التحقيق والزنازين المرعبة.

في هذا المضمار حرص المؤلف على سرد حوادث جمة عن معتقلين، من مختلف الطوائف والأجناس، بالإضافة إلى نوعية التهم، فمثلا نجد العرب مع اليهود في القضايا الجنائية والحشاشين مع المثقفين في المراحل الأولى للتحقيق أو عند الخروج، راويا أصناف شتى من البشر، وهم كلهم سواء في التعذيب والتخريب النفسي، لكنهم مجتمعون تحت عنوان رئيسي بأنهم مقاومون للاحتلال.

تصبح ثيمة الرواية أكثر تأكيدا من خلال الإيغال في تاريخ المكان، المكان الذي يدور فيه الحدث الدرامي، أو المكان العام الذي تجري فيه خلفية الأحداث، فنجد المؤلف قد وصف غرفة الاعتقال بشكل تفصيلي، وكأنه يفصل مكوناتها وتأثيراتها على الشخصيات، بل إن الغرف وحالاتها تعكس البعد الزمني، ذاك السراب الذي يهرب من يدي المسجون.

ينقلنا المؤلف تباعا من الغرفة /السجن إلى المعتقل الأكبر، فيسيح في مدينة القدس، مستحضرا تاريخ أمكنتها وأزقتها وحاراتها وبواباتها، وما مر عليها أو طرأ من تغيير، وكأن الرواية استحضار لفضاء مكاني قبل ما تكون دراما حكاية.

الرواية وثيقة مهمة تؤرخ لمرحلة في حياة الناس والمكان

السرد المكاني والتاريخي ينضويان، أيضا، تحت الفضاء الأكبر، عندما يتم ربط أحداث السجن بتاريخ القضية الفلسطينية، في أهم مراحلها المفصلية، وما رافقها من قرارات إقليمية ودولية، فتبدو ساحة الأحداث ساخنة، لا سيما إذا ما تذكرنا أن المرحلة التي تدور فيها الرواية كانت في خضم المواجهات ما بين السكان والاحتلال في أثناء انتفاضة الأقصى الأولى والتهيئة لدخول الجيش الإسرائيلي إلى لبنان وحصاره لبيروت.


وثيقة تاريخية


لقد حرص أسامة العيسة، إبداعيا، على أن يبتدئ السرد من منتصف الحدث، عندما أدخل ربيع القرمطي إلى سجن “المسكوبية “، مما هيأ المقاطع السردية بأن تتحرك في دورة مركزة باتجاه الاسترجاع، مستذكرا بدايات أزمة ربيع القرمطي، وهي التي خصص لها فصلا تحت عنوان “ثلوج آذار”، أو الحركة أفقيا في الزمن، ليجعل أحد الفصول بحثا في المكان العام ووضعه تحت اسم (دويلة المسكوب) ، أيضا أتاح له التحرك باتجاه الخاتمة، عندما تحركت الشخصية الرئيسية والحدث في الفصل الأخير.

هذه التقنية تطلبت من المؤلف اتباع النسق التتابعي لحركة الشخصية وتسلسلها، من الحاضر باتجاه الماضي على شكل استرجاع أو من الحاضر باتجاه القادم، لكن حين يتداخل الحدث الخاص مع العام يلجأ المؤلف إلى النسق التداخلي.

نتيجة لوفرة المعلومات، التي تتدفق من الحدث العام، ومحدودية حركة الحدث الدرامي التجأ الكاتب، عبر الراوي، إلى صيغة التحقيق، كأن يتحول الراوي إلى التحقيق الصحفي، يغطي أحداثا معينة، أو إلى محقق تاريخي، بانتقاء المادة الخام من التاريخ. على هذا تعدّ الرواية وثيقة مهمة، تؤرخ لمرحلة في حياة الناس والمكان، بما فيها من تداعيات نفسية واقتصادية.

14