المسكوت عنه في الثقافة العربية.. ارتزاق المثقف

الأربعاء 2015/05/13

بين الحين والآخر، تطفو إلى السطح بشكل مفاجئ، حادثة "ارتزاق" لمثقف عربي (سياسي، أديب، فنان، إعلامي)، فيحتدم النقاش في هذه البقعة أو تلك من أرجاء الوطن العربي، وغالبا ما يكون اللّغط مرتبطا بأسباب شخصية. وما إن يكاد المرء يسمع ضجيج الحدث، حتى يخفت ويختفي مثلما ظهر، ليعلو لاحقا حول مثقف آخر في مناسبة أخرى ومكان آخر وهكذا دواليك.

وعلى الرّغم من أنّ موضوع ارتزاق المثقّف العربي، يعدّ الأكثر أهمية، إلاّ أنه مسكوت عنه، ويراد محوه من ذاكرة الإنسان وسجلات الثقافة العربية. ومن الواضح أنّ هذا الموقف نابع من اتّفاق وتواطؤ ثقافي عام قديم/جديد وغير معلن. لذلك نرى في الحالات الاستثنائية، التي يطل فيها هذا الموضوع برأسه، ويظهر بصورة فاضحة، وبطريقة الردح، ويصعب حينها التستر عليه، يسارع البعض لوصفه بكونه حالات فردية، ويتعمد البعض الآخر تجاهله وتجنب إثارته، وغالبا ما يجري تمريره وتسويغه بمبررات بائسة، أو الردّ بعنف صريح بمجرد إثارته، بقصد الردع وإرهاب من تسول له نفسه الخوض فيه، كما حدث في رد صحفي عراقي لامع، مسؤول عن تحرير صحيفة عراقية بارزة، ورئيس نقابة للصحافيين العراقيين، عند إثارة البعض لموضوع أغنية للفنان رافد جبوري، في مدح صدام حسين؛ حيث كتب بعصبية، لم تعرف عنه من قبل، ووجه حزمة من التهم في مغالطة للرأي العام: "الحملة ضد الزميل جبوري تنتمي إلى عهود محاكم التفتيش، وإلى مرحلة النازية والفاشية، وإلى زمن المكارثية، ويلزم التصدي لها بعزم وحزم لردّها وللحؤول دون انهيار الممارسة السياسية والحكومية إلى منحدر سحيق ومستنقع بالغ النتانة".

الحاضر، كما الماضي، مازال يضجّ بمواقف تدلّ على "ارتزاق" المثقف العربي، وآخر ما ظهر ويجري تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي هو مقطع فيديو للكاتبة والإعلامية التونسية كوثر البشراوي، تظهر فيه وهي تحتضن، ما سمته هدية عمرها؛ حذاء (بسطال) جندي سوري. حيث لا تتردد البشراوي في أن تحشر نفسها في الشأن السوري، لتقف من دون مبرر سوى "الارتزاق"، في صف الرئيس بشار الأسد، وتكيل السباب والشتائم بابتذال لمعارضيه، مبشّرة ومروّجة للحذاء الذي سيجلب السلام !

نعم من الضروري أن يكون للإنسان موقف من أي حدث، وهو حر، وله الحق في أن يتخذ الموقف الذي يراه مناسبا له، وإذا كان الإنسان مثقفا فموقفه يكتسب أهمية مضاعفة، لأنه كما يقال "ضمير المجتمع، الأمة والشعب"، وهو يؤسس لقيم ومُثُل في المجتمع. وطبيعة هذه القيم والمثل تعتمد على نزاهة المثقف ووعيه لدوره ومهمته، فإما أن ينشر قيم الحرية والعدالة والتطور ويرسخها في مختلف مجالات الحياة، أو العكس حين يكون هذا الضمير معروضا للإيجار لمن يدفع أكثر. فمن السذاجة أن ننتظر من هذا الأخير غير ما نراه اليوم من "إبداع" في ترويج قيم التخلف والبداوة والاستبداد.

في سوريا اليوم هناك رعب ودمار، وإنسان يذبح ويقتل ويشرد ويهجّر، وإذا كان لابد من موقف فليكن المعيار في سوريا وغيرها، هو ذاك الإنسان الذي يستحق الوقوف إلى جانبه أكثر من غيره، فهو ضحية صراع المصالح والقوى الداخلية والخارجية. والحذاء الذي تروج له البشراوي، بالتحديد، هو الذي سحق وداس على كرامته واضطره أن ينزل للتظاهر في الشارع احتجاجا على الظلم. ومهما كانت طبيعة المعارضة السورية ومن يقف خلفها ويموّلها، فلا يوجد أيّ مبرر للمثقف – غير المرتزق – كي يقف مع نظام قائم على القمع والعنف والاستبداد كالنظام السوري وأمثاله، فهو كأي نظام سياسي، في كل الظروف ووفق كلّ المعايير، المسؤول الأول عن كل ما جرى ويجري لشعبه.

ارتزاق المثقف يمتد عميقا في التراث والثقافة العربية، والمقال لا يتسع للخوض في تفاصيله، ولكن نشير هنا إلى ما ورد في الجزء الرابع من المُؤلّف القيّم للدكتور جواد علي "تاريخ العرب قبل الإسلام"، تحت عنوان "التكسب بالشعر"، حيث وردت فيه أسماء شعراء شأن النابغة الذبياني والأعشى وغيرهم ، لتدلّ على أنّ "الارتزاق" بالشعر والثقافة ضارب في القدم ومتواصل إلى اليوم وغدا.

ويبقى التطرق إلى هذه مسألة ارتزاق المثقف بموضوعية، بعيدا عن الردح والخلافات الشخصية، بحاجة إلى وقفة شجاعة وجرأة من قبل المثقفين أنفسهم، خاصة أولئك الطامحين إلى ترسيخ ثقافة بديلة تقوم على مبادئ وقيم الحرية والعدالة وكرامة الإنسان. أمّا موقف النعامة ودسّ المثقف لرأسه في الرمال، ليس أكثر من هروب إلى الأمام، وإصرار على استمرار المراوحة في المكان؛ خارج التاريخ، وكل الكلمات البليغة والمنمقة، ولغة التهديد والتخوين، تظل عاجزة عن تغيير الحقيقة. لكنّ الثابت أنّ هذا الملف سيفتح، وسيكشف المستور من مواقف الارتزاق البائسة علنا، وما هي إلاّ مسألة وقت.. وحياة.

6