المسكوت عنه في العلاقات المصرية الإيرانية

الاثنين 2015/04/20

يبدو أن محاولات مصر تفادي الصدام السياسي مع إيران، لن تكون مجدية خلال الفترة المقبلة، فقد خرجت طهران أخيرا عن قواعد لعبة التهدئة التي التزمت بها، ضمنيا، مع القاهرة، وجاء تصريح حسين أمير عبداللهيان مساعد وزير الخارجية للشؤون العربية والأفريقية، ليفتح صفحة سلبية لم تكن غائبة عن تفكير كثير من المتابعين للتطورات الإقليمية.

مطالبة المسؤول الإيراني مصر “بتعاون أكبر للإسراع في البحث عن حل سياسي للأزمة في اليمن”، قابلتها القاهرة برد قاس على لسان ياسر مراد مساعد وزير الخارجية المصري، حيث اعتبرها “غير مقبولة.. وتنم عن تناقض غير مفهوم”، الأمر الذي يعد بمثابة أول مواجهة دبلوماسية معلنة بين الجانبين، منذ وصول الرئيس عبدالفتاح السيسي للحكم في مصر، ربما تتلوها مواجهات أخرى أكثر سخونة، بسبب تمادي طهران في تدخلاتها وتصرفاتها الغامضة في عدد من القضايا العربية.

مصر، التي تعلم النوايا الإيرانية في العراق وسوريا ولبنان واليمن والسودان، التزمت بضبط النفس ولم تسع للانجرار وراء استفزازات طهران، وحاولت الاستفادة من القواسم المشتركة، وهي قليلة، خاصة في الأزمة السورية والحرب على داعش، وأجرى الطرفان لقاءات غير معلنة، بشأن المسألتين، واتفقا على تجنب تحويل الصراعات المحتدمة في المنطقة إلى خلافات مذهبية.

وقد وجدت القاهرة في كبت عوامل الصدام الظاهرة مع طهران، وسيلة لعدم الدخول في مواجهة مبكرة يمكن أن تتكبد بموجبها خسائر فادحة، في وقت كانت تعيد ترتيب أوضاعها الداخلية، ولا تملك رفاهية الانزلاق إلى حروب جانبية، وراهن بعض المسؤولين على إمكانية التفاهم على الأرضية الضيقة لمساحات سياسية مشتركة.

هذا التوجه تسبب في حرج بالغ لمصر مع حلفائها الخليجيين، وظهرت أصوات تهمس بعدم الارتياح للهدوء الذي بدت عليه العلاقة بين القاهرة وطهران، خاصة في ظل ارتفاع نبرة التصعيد في الآونة الأخيرة.

حتى عندما كانت القيادة المصرية تتحدث عن التزامها بأمن الخليج، لم يكن الحديث موجها مباشرة إلى إيران، وبدا مغلفا بأشكال دبلوماسية لم تخل أحيانا من إيحاءات ضدها، لكن دولا خليجية صديقة لمصر اعتبرته غير كاف، ومع ذلك بقي الغمز واللمز متواصلين في اتجاهات عدة، لتجنب الوصول إلى لحظة حاسمة تضطر معها القاهرة لاتخاذ موقف أشد صراحة حيال طهران. كانت مصر ترغب في عدم فتح جبهة جديدة تجر عليها مشكلات، وتريد تأجيل أوان مواجهة، يمكن أن تنكأ جروحا ومرارات قديمة مع إيران، تعود غالبيتها إلى زمن الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث ظلت العلاقات رهينة توتر عميق فشلت محاولات ترطيبه أكثر من مرة.

حرب اليمن حملت في أحشائها رياحا إقليمية عاتية، وفرضت على مصر أن تكون في مقدمة المشاركين فيها، هنا بدت المواجهة كقدر محتوم، لأن إيران أحد اللاعبين الأساسيين في الحرب التي عصفت باليمن، ولم تخف دعمها للحوثيين أو تتنكر لأطماعهم هناك، التي تتصادم مع المصالح الإستراتيجية لمصر، الراغبة في أن تثبت قدرتها على الدفاع عن أمنها وأمن أمتها العربية وأنها قوة إقليمية محورية، عزوفها أو انكفاؤها طوال السنوات الماضية، كان لظروف قهرية. ظروف منحت إيران مزايا نسبية، ومكنتها من التمدد في عدد من الدول العربية، والعبث بصميم الأمن القومي العربي، وهو ما أرخى بظلال قاتمة على توازنات درج الحضور المصري الفاعل على ضبط بعض معادلاتها المختلة.

الحاصل أن مصر كانت تراهن على الجزء البراغماتي في السياسة الإيرانية، الذي حماها في بعض الأوقات من التهور وزيادة الأطماع، لكن حتى هذا الجزء أعماه غرور القوة، بعد أن تباهى أحد المسؤولين بالسيطرة على مفاتيح أربع عواصم عربية، والتفاخر بمزيد من التمدد نحو الفضاء العربي، وهو ما زاد الموقف المصري حرجا، فقد لم تبدُ إيران قوة إقليمية فقط، بل قوة تسعى للهيمنة والتحكم في مفاصل منطقة تعتبر مصر فاعلا تاريخيا فيها.

من هذه الزاوية، بدأت تقترب ساعة الحسم، وتقتنع القاهرة أن فرص الرهان على التفاهم مع طهران مثل قبض الريح، ومن الواجب التصدي مباشرة لها. وظهرت الأزمة في اليمن كأول حلقات الاختبار، واتخذت مصر سلسلة من الإجراءات كشفت عن رفض للتدخل الإيراني، وعندما وصلت الرسالة إلى طهران، لم تتوان عن كشف امتعاضها من تنامي دور مصر في اليمن، الذي ظل مكتوما لبضعة أسابيع، الأمر الذي جرى التعامل معه برفض سياسي مقابل، بدا كأنه إنذار بتعديل الدفة السابقة.

الوصول إلى هذه النقطة، سوف يعزز العلاقات مع دول خليجية حليفة، أبدت تحفظها في الكواليس على الطريقة التي تتعامل بها مصر مع إيران، ومع الأزمة السورية، والتغافل عن البعد المذهبي في كثير من الصراعات الإقليمية، والذي تفضل القاهرة تجاهل العزف على أوتاره الطائفية، وسحبه إلى منطقة سياسية أقل إزعاجا.

الاحتكاكات المعلنة والمبطنة بين مصر وإيران، يتوقع أن تتجاوز نطاقها اللفظي، وتدخل في الجزء الغاطس من العلاقات، والذي ستكون له انعكاسات على القضايا الشائكة في المنطقة، بدأت من اليمن ومرجح أن تمتد لأزمات تم التفاهم حولها بحكم الرغبة في توظيف المصالح المشتركة.فالتقديرات المصرية لما يجري في سوريا، ربما يتم تقنينها وتصبح أكثر قربا من الموقف الخليجي، خاصة أنه لم يعد أمام القاهرة متسعا للمناورة في سوريا كما كانت حتى وقت قريب. إيران التي تروج لمكاسبها من الجولة النووية، سوف تتحلل من معاركها الجانبية مع الغرب الذي استنزف جزءا من طاقتها، وتتزايد ملامح تطلعاتها الإقليمية من سوريا بعد السيطرة على العراق، وهو ما يعني الحاجة لقوة عربية تتصدى لها، وإذا كانت هذه القوة مصر التي بدأت تسترد عافيتها مدعومة عربيا، فمن المتوقع أن يتخلى الطرفان عن حذرهما، الذي كان منبعه مختلفا على الجانبين.

مصر راودها شعور لفترة بعدم استبعاد احتواء إيران، والأخيرة تملكتها رغبة بإيجاد أمر واقع يجبر الأولى على التسليم، بإمكانية وضع العربة أمام الحصان.

كاتب مصري

9