المسكوت عنه في العلاقات المصرية – السودانية

الاثنين 2016/05/16

يبدو أن العلاقات بين مصر والسودان في طريقها لأن تأخذ مسارها الحقيقي خلال المرحلة المقبلة، بعد فترة من الدبلوماسية الهادئة، حرص خلالها كل طرف على تغليب سياسة ضبط النفس، أملا في تجاوز النقاط الخلافية المكتومة، ورغبة في تجنب تفجير الموقف، في وقت تتزايد فيه المصالح المشتركة.

النظام السوداني درج على إرسال إشارات من حين لآخر تسير ضد المصالح المصرية، لكن القاهرة حاولت امتصاص غالبية المنغصات، بالصمت عليها أو عبر مبادلتها بتلميحات تشي بأن الصمت لا يعني ضعفا، ومضت العلاقات بين صعود وهبوط خافتين، وكل طرف لم تعد تخفى عليه نوايا الطرف الآخر.

مواقف السودان العدائية ضد مصر كانت واضحة في ثلاث قضايا رئيسية، أولها الانحياز إلى الموقف الإثيوبي في ملف سد النهضة على حساب المصالح المصرية، وعندما بدت الخرطوم قريبة من القاهرة لم تكن الأخيرة على ثقة في ذلك، واضطرت إلى مسايرتها في محاولة لكبح جماح الانحياز السوداني، أو على الأقل تنحية الصدام بصورة مباشرة.

القضية الثانية، غض الطرف السوداني عن عمليات التهريب التي تمر من خلال الحدود، إما باتجاه ليبيا لمساعدة جماعات متشددة وزيادة وتيرة الحرب هناك، وإما باتجاه سيناء، حيث ترك السودان جبهته الشمالية الشرقية مفتوحة لعبور إرهابيين وأسلحة إليها.

في الحالتين لم تتخذ مصر موقفا سياسيا حازما، واكتفت بالتصرف بمفردها، وإحكام السيطرة على حدودها الجنوبية والغربية، وتكثيف تواجد قواتها الأمنية على الجبهتين.

القضية الثالثة تتعلق بملف مثلث حلايب وشلاتين وأبورماد، الذي تحول إلى ورقة ضغط في يد النظام السوداني، عندما يريد إرسال إشارات سلبية للقاهرة، والإيحاء بعدم التسليم بالأمر الواقع الذي تريده مصر، والتي لم تتعامل باهتمام مع معظم رسائل الخرطوم.

الأيام الماضية شهدت تطورا لافتا، تجاوزت فيها المعزوفة السودانية حدود المناوشات التقليدية بالنسبة إلى ملف حلايب وشلاتين، وبدأت تأخذ اتجاها تصعيديا لم يكن معتادا من قبل، ظهرت معالمه في الانتقادات الواضحة للتصرفات المصرية الرسمية، والتلويح مرارا برفع القضية إلى جهات تحكيم دولية.

رد الفعل المصري لا يزال منضبطا، ولم يتجاوز حدود الدبلوماسية المعهودة، ورفض الانجرار وراء المهاترات التي ظهرت في تصريحات بعض مسؤولي السودان، وعدم الدخول في تراشقات يمكن أن تجره إلى مربع يزيد الموقف تأزما، ويحقق لبعض القوى في الخرطوم هدفها في توريط القاهرة في مواجهة سياسية، يكشف فيها كل نظام عن وجهه الحقيقي وتقديره الفعلي للآخر.

النظام السوداني، أخفقت جميع الألوان والمساحيق التي وضعها لإخفاء وجهه الإسلامي (الإخواني)، ورغم كل المناورات التي قام بها تنصلا من علاقته بالجماعات الإسلامية فإن الكثيرين لا يثقون فيه، ولم يصدقوا جميع الخطوات التي اتخذها باتجاه التنصل وقطع الصلة مع جماعة الإخوان وحلفائها في الداخل والخارج.

في المقابل، لم يتخيل النظام المصري لحظة أن الخرطوم تتعامل معه بمصداقية وشفافية، ويتوجس دوما في نواياها الخفية، ويعلم جيدا الألاعيب التي يقوم بها سياسيوها، في السر والعلن، لذلك فضل عدم التخلي عن منهج التريث ورفض الصدام، لقطع الطريق على من يريدون تحويل الخلافات إلى مواجهات محتدمة، تستنزف النظام المصري، في وقت يعاني فيه تحديات ومرارات صعبة، محلية ودولية.

الخرطوم تصورت أن توقيع اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية بخصوص جزيرتي تيران وصنافير فرصة سانحة لإثارة الغبار حول ملف حلايب وشلاتين، وإخراجه من الأدراج المغلقة، وهو تصرف نفعي تزامن مع تعاطف سوداني فاضح مع إثيوبيا، كشف عن نوايا نظام الرئيس عمر البشير تجاه نظام الرئيس عبدالفتاح السيسي.

التوجه السوداني ربما يكون له وجاهة تكتيكية لدى أصحابه، كأن يحقق جملة من الأهداف السياسية، تساعد في تخفيف بعض الضغوط الداخلية عن كاهل الرئيس عمر البشير، لكن هذه النوعية من التقديرات قليلة الفائدة على المستوى الاستراتيجي.

الواضح أنها تجاهلت مجموعة من الاعتبارات، تجعل رهانات النظام السوداني على سيناريوهات اللحظة الحالية غير دقيقة في المستقبل، فالنظام المصري اتخذ خطوات حثيثة لتغيير الواقع على الأرض في المثلث المتنازع عليه، بما يعزز موقفه أمام جهات التحكيم، إذا افترضنا أن القاهرة قبلت، وهي التي اعتادت على سماع المطالبة بذلك منذ عقود وتحفظت عليها، والأنظمة المتعاقبة في الخرطوم، بما فيها نظام البشير، لم تتوقف عن التصريح والتلميح بها وفشلت في تحقيق هدفها.

كما أن النظام المصري نجح في تحييد دول كانت تعتبرها الخرطوم داعمة لها، وتمكن من ترتيب الكثير من علاقاته الإقليمية والدولية، ما يفقد النظام السوداني بعض الأصدقاء في تدعيم موقفه، وحتى إثيوبيا التي ينحاز السودان إليها في ملف سد النهضة، ربما تخشى الخرطوم أكثر من القاهرة مستقبلا، في ظل وجود بعض المشاكل الحدودية بين السودان وإثيوبيا، وبعد مَيْل مصر نحو التسليم بموقف أديس أبابا، والتعامل مع السد كأمر واقع، واللجوء إلى تمتين علاقات التعاون معها.

فقدان السودان جزءا من أوراقه الخارجية التي يلجأ إلى المناورة بها يجعل مطالبته بحلايب وشلاتين منزوعة الدسم، وقد تنقلب الطاولة عليه، لأن القاهرة التي تتحلى بضبط النفس يمكن عقب تمكنها من تجاوز بعض العقبات المحورية أن تلجأ إلى مضايقته عبر دعم ورقتي المعارضة ودولة جنوب السودان حيث تتمتع معهما بعلاقات جيدة.

الحاصل أن الدوافع التي جعلت مصر تصبر كثيرا على السودان وتتحمل مضايقات نظامه تتلاشى تدريجيا، وهو ما يؤدي إلى رفع الغطاء عن جوانب مهمة لم يعد السكوت عنها فضيلة.

كاتب مصري

9