المسكون بالشرق بين رفّ الكتب

الأحد 2015/10/11
رغبة في الاختلاط والتعارف والتمازج

جديد الفرنسي ماتياس إينار، الذي تعلم الفارسية والعربية وزار عدة بلدان مشرقية، رواية بعنوان “بوصلة” بطلها فرانز ريتر موسيقار نمساوي يعشق الشرق، جفاه النوم بعد كشف طبي محيّر، فقضى ليلته في تذكر رحلاته العديدة إلى الشرق ودراسته وافتتانه وتعلقه بمدن كثيرة من حلب وتدمر ودمشق إلى إسطنبول وطهران وسواها، بموازاة حكايته مع سارة المولعة بمجانين الشرق، يسترجعها على أمل أن يفلح في صياغتها بشكل أفضل مما عاشها، كما يستدعي من الذاكرة لقاءاته مع أناس تركوا أثرا في حياته.

هذه الرحلات والإقامات المتكررة لأغراض جامعية وأركيولوجية والمحاورات التاريخية أو الفيلولوجية (المتعلقة بفقه اللغة) تعبّر عن يد ممدودة نحو الآخر، وتعكس رغبة في الاختلاط والتعارف والتمازج والتعايش، تلك القيم التي عصفت بها الأحداث الأخيرة في المنطقة. والرواية إلى جانب ذلك ترصد قائمة الإضافات التي قدمها الشرق للثقافة الغربية وهوية شعوبها، قائمة تشي بمدى معرفة الكاتب بالشرق وتاريخه ومتغيراته.

◄ صدمة الحداثة

هادي قدور أستاذ الأدب الفرنسي بجامعة نيويورك بفرنسا، والمسؤول عن ورشة الكتابة في معهد العلوم السياسية بباريس، هو أيضا شاعر وروائي ورئيس تحرير مساعد بمجلة “شعر”. برز اسمه برواية “والتنبرغ” التي حازت جائزة غونكور لأول عمل روائي عام 2005 ورواية “آداب السلوك”، وصدرت له هذا الشهر رواية ثالثة عنوانها “الراجحون”.

تدور أحداثها خلال عشرينات القرن الماضي التي شهدت احتقانا شديدا رافق صعود الفاشية والنازية، تبدأ بقدوم سينمائيين أميركيين من هوليوود لتصوير فيلم، إلى بلدة متخيلة في مكان ما من المغرب العربي (قد تكون تونس منبت الكاتب)، فتولّد صدمة الحداثة تلك نزاعات بين الوجهاء المحافظين والمستعمرين الفرنسيين وبين الوطنيين الشبان التائقين إلى التحرر والاستقلال. وتقع شخصيات الرواية في عالم متعدد الأجناس واللغات والثقافات والنفوذ، بعضها يسافر إلى باريس وبرلين حيث يشهد صراعا متجددا بين البلدان الأوروبية، فيحاول التأقلم أو التمرّد، وحتى إقامة علاقات عاطفية مع الآخر المختلف.

◄ امتثالية المجتمع

بعد كتابيه “غيتو فرنسي” و“الخوف من التدني” صدر لإريك موان مدير البحوث في معهد الدراسات العليا للبحوث الاجتماعية كتاب بعنوان “صناعة الامتثالية”، يبين فيه كيف أن زوال المعايير الدينية والسياسية الكبرى غذّى أسطورة مجتمع يسكنه أفراد تلقائيون مستقلون قادرون على تحقيق ذواتهم بأنفسهم.

هذه الرؤية، يقول الكاتب، تهمل العلاقات العميقة والدائمة التي تربط بعضنا ببعض. والنزوع إلى تقليد أولئك الذين نريد أن يظلوا قريبين منا لا يعكس عجزا عن التفرد والتميز بقدر ما يعكس إرادة من لا يرغب في الابتعاد عنهم أكثر. فالامتثالية التي تفرضها العادات ويهيمن عليها الخوف من الاستنكار المجتمعي، نابت عنها امتثالية الانخراط التي نشهدها في المؤسسة والأسرة، مثلما نشهدها في المدرسة وفي أحياء المدن الكبرى، والنتيجة أن السياسات العامة الهادفة تصيب جمهورا أوسع مما تتصور. كتاب قيّم يجدد فهمنا لسيرورة المجتمع، ويفتح الباب أمام سياسات أقل سذاجة وأكثر فعالية.
الاستبداد وجنون العظمة

◄ في عقل طاغية ليلة سقوطه

الجزائري محمد مولى السهول، الذي صار يوقع كتبه باسم ياسمينة خضرة منذ عام 1988 تجنبا للرقابة، لا تحتفي به المؤسسات الفرنسية احتفاءها بكتاب عرب مبتدئين، لأنه لا يتماهى مثلهم مع الخطاب الغربي الذي يريد أن يثبت الصورة التي رسمها للعرب طمعا في الجوائز، فأقصى ما حازه، رغم ترجمة أعماله إلى مختلف لغات العالم وتحويل جانب منها إلى أفلام سينمائية ووفرة قرائه الذين يعدّون بالملايين، جوائز صغرى لا تفي أدبه حق قدره، كجوائز المكتبات والقراء.

آخر أعماله رواية بعنوان “ليلة الريّس الأخيرة” يسرد فيها على لسان أحد طغاة العرب ما عاشه طوال حكم اتسم بالاستبداد وجنون العظمة، وتبذير ثروات البلاد، وقمع الشعب، واستدراج المنافقين من النخب الثقافية والسياسية والإعلامية إلى خيمته كي يلجم ألسنتهم وأقلامهم بهدايا سَنيّة، حتى قاد بلاده إلى الهاوية. من خلال سيرة هذا الريّس، يرسم الكاتب صورة كونية عن كل الطغاة لحظة سقوطهم، ويكشف عن منطلقات همجية البشر في أدق سماتها.

◄ الفرج بعد الشدائد

“الفرَج” (في صيغة الجمع) هو عنوان الترجمة الفرنسية لرواية توني موريسون الأخيرة “ربّ أعن الطفلة” child God help the، التي بدت دون أعمالها السابقة من حيث القيمة الفنية. تروي الرواية قصة طفلة كانت عرضة لتعنيف أمها التي كانت تعاملها معاملة قاسية، وفي يوم، شهدت شهادة زور لتحوز رضا والدتها، ولما كبرت قضت حياتها نادمة تحاول أن تكفر عن ذنبها بمقاومة العنصرية.

هذه القصة تنطلق عندما بلغت الطفلة أشدّها وتعلمت وتزوجت رجلا كان ينوء بثقل ذنب آخر، فوجد كلاهما في الآخر سندا، وفي الأعمال الاجتماعية الخيرية وفي النضال السياسي من أجل حقوق الأقليات ما ينسيهما خطايا الأمس ويزيل عنهما الهم والغم، وكان الانفراج بمولد طفلة ما يجعل الرواية منفتحة على أفق متفائل. لأن كل نهاية حكاية تتضمن بالضرورة بداية جديدة. هذه البداية تضمنها كل ولادة جديدة، كما تقول حنة أرندت في كتابها “أصول التوتاليتارية”.

التضامن للخروج من الأزمة الاجتماعية

في كتابه الأخير “المسألة الاجتماعية الجديدة” يطرح بيير روزانفالون الأستاذ بالكولاج دو فرانس مسألة الدولة المعينة أي التي تمنح ضعاف الحال من مواطنيها مساعدات مالية واجتماعية وطبية وتوفر لهم المرافق الضرورية والسكن ذا الإيجار الزهيد، فهي في رأيه لا تزال في أزمة، ولكن طبيعتها تغيرت.

وبصرف النظر عن مشاكل التمويل وجدوى منظومة التوزيع، فإن المبادئ المؤسسة للتضامن ومفهوم الحقوق الاجتماعية هي التي صارت محل نظر. لذا يرى الكاتب وجوب إعادة النظر في مفهوم الدولة المعينة من منظور ثقافي وأخلاقي. ويستكشف الأشكال التي يمكن أن تتخذها دولة نشيطة مانحة بالاستناد إلى التحاليل السابقة حول الأزمة، وبجعلها في علاقة مع تطور المواطَنة الاجتماعية، من خلال تعزيز مبدأ التضامن.

12