المسلسلات اللبنانية خالية من أوجاع ومسرات اللبنانيين

العداء للعادي يكاد يتحول إلى سمة عامة يمكن تعميمها على كل منطق الدراما اللبنانية، سواء تلك التي عرضت في شهر رمضان الفائت، أو خلال السنوات الماضية، فالميل إلى إخفاء العادي كما لو أنه عورة يسيطر على بنية المشاهد في جل المسلسلات الدرامية في لبنان، إلى درجة يبدو معها وكأنه نوع من الدستور غير المعلن الذي يفرض سلطته على جميع العناصر التي يتشكل منها العمل الدرامي من إنتاج وإخراج وتمثيل.
الجمعة 2016/09/16
دراما من كوكب آخر

الاهتمام الشديد بتصوير الخارق ووضعه في الواجهة استجلب إلى عالم الدراما اللبنانية مجموعة من صاحبات الأجساد ذات المقاييس الاستثنائية، وحرص على تحويلهن إلى نجمات، عارضات الأزياء هجمن على ساحة الدراما ونجحن في احتلالها بشكل كبير، ما أدى إلى شيوع معايير تمثيلية تعنى فقط بالمقاييس على حساب التمثيل نفسه.

وراج تاليا، منطق يفترض أن المهارات التي وجب توفرها للدخول إلى عالم الدراما، عليها أن تكون ممنوحة من الطبيعة نفسها، وغاب دور الاحتراف والتدريب والإتقان.

كل هذا يوحي وكأن الدراما اللبنانية تستحضر نوعا من فكر غيبي قدري، وتبثه بشكل أو بآخر، لأنها تبث قيما توحي للمشاهدين وللممثلين، على حد سواء، بعدم قدرتهم على منافسة تلك المعايير الخاصة بنجوم ونجمات الدراما.

البعد عن الواقع

يقول خطاب الأجساد الاستثنائية بفظاظة للممثلين إنه إما أن تكونوا في الأساس متمتعين بهذه المعايير، وإما لن تستطيعوا أن تكونوا نجوما مهما امتلكتم من موهبة وبذلتم من جهود، ويقول للناس من ناحية أخرى إن تطلبكم للحب والعناية والنجاح هو محض سراب، لأن هذه الأمور ليست حقوقا عامة وطبيعية، بل هي من حق من يشبهون نجوم الدراما، فالممنوع ظهوره في الدراما اللبنانية هو الشبه بالناس على مستوى الشكل وعلى مستوى العيش.

الأمهات اللواتي يظهرن في المسلسلات لا يشبهن أمهاتنا، ينطبق الأمر نفسه على الزوجات والحبيبات والعشيقات والأصدقاء، ملامح المكان الذي تصور فيه معظم المسلسلات، تبدو مكانا مسروقا من جحيم المكان اللبناني الذي يعاني من خلل حاد في وظيفة المكان الحديث، لناحية اضطراب كل ظروف العيش فيه على جميع المستويات.

الماكياج الكامل يسيطر على وجوه الممثلات حتى عند الاستيقاظ من النوم، الطرقات مفتوحة دائما وأبدا أمام النزهات بالسيارات الفارهة والباهظة الثمن، الانفجارات الانفعالية تحدث لأسباب يمكن أن تتوفر في كوكب آخر من قبيل اكتشاف الأولاد أن الرجل الذي يعيشون معه ليس والدهم، أو أن يتبين بعد مرور عشرات الحلقات من مسلسل ما، أن الخادمة الوضيعة الشأن والتي ترتدي على الرغم من ذلك ثيابا كالأميرات هي صاحبة البيت، والمالكة الأصلية للثروة التي يتمتع بها من تعمل لديهم.

كل هذا يقع خارج الهم اليومي اللبناني، ولكن حتى على مستوى الصورة تحرص الدراما على عدم الاعتراف بالمشهد اللبناني المألوف، والذي لا يمكن تفاديه لشيوعه وانتشاره في كل مناطق البلاد.

هذا المشهد لا يتناقض وحسب مع ما تقدمه الدراما من مشاهد في بيئة مصطنعة وشديدة الخصوصية، بل يبدو وكأنه يحذف المكان العام من التداول لصالح الأمكنة الخاصة، ويعلن ببساطة أن تلك الجزر المنعزلة، والتي تجري فيها جملة الأحداث الفائقة والخارقة والمختلفة هي المكان اللبناني الأصلي، قد لا نستغرب أن يخرج علينا بعد ذلك صناع الدراما ويتهموننا بالخيانة العظمى، إذا عمدنا إلى إعلان انحيازنا للمكان العام.

الجمال أولا وأخيرا

ليست هذه النزعة مجرد خيال سياحي، بل أكثر من ذلك بكثير، إنها استثمار للفن الدرامي في مجال آخر لا علاقة له به، وبذلك تنتهك معايير الفن من ناحية ومعايير المجالات الأخرى التي تقحم عليه قسرا.

عرض الأزياء مهنة مستقلة ولها قواعدها وخصوصيتها، وهي متطلبة لمجموعة من المهارات والمواصفات، فلا يمكن لفتاة قصيرة أو سمينة الدخول فيها بأي شكل من الأشكال، ولا عبر أي قدر من التساهل في المعايير المطلوبة، والسؤال الذي لا بد من طرحه هنا: لماذا يكون ممكنا ومقبولا، لا بل مطلوبا دخول عارضات الأزياء إلى مجال الدراما؟

هذا يعني أنه لم يتم التساهل أو التخفف من المعايير وحسب، بل تم خلق معايير جديدة تنسف كل أساسيات الأداء الدرامي، وتخلق معايير جديدة له لا تنطلق من داخله إطلاقا، بمعنى أنه لا يمكننا اعتبارها نوعا من التحديث أو التجديد، بل ببساطة شديدة عملية اغتيال كاملة الأركان.

نجوم خارقون

النجوم لا يعرقون ولا يتعبون في الدراما اللبنانية، الأدوات المألوفة التي نستعملها في حياتنا اليومية ممنوعة من الظهور على الشاشة، لا أزمات حادة وحقيقية تظهر في قصص المسلسلات، الألم، والشوق، والرغبة، والخيانة، تحدث لأسباب لا صلة لها بما تنتجه البلاد من قصص تفوق الخيال، وتحتاج فقط إلى من يلتقطها وحسب. يختار صناع الدراما معاداة عيوننا وعيشنا، ويحتقرون الأدوات والآلات التي نستعملها في حياتنا اليومية، أعمالهم تبدو وكأنها لا تستعلي على عموم المشاهدين والناس وحسب، لا بل تبدو وكأنها تدينهم على شكل عيشهم وتحملهم المسؤولية عن كونهم يعرقون، ويشيخون، ويمرضون، وتتسخ ثيابهم، وتنقطع الكهرباء في بيوتهم، وتذوي أعمارهم على الطرقات في “عجقات” السير، ويموتون بسبب الهم، ولا يقتلهم العشق المحرم الذي تهواه بقوة الدراما اللبنانية.

الدراما اللبنانية تطالب الناس بأن يكونوا عارضي أزياء وأصحاب قصور، وتطالبهم بتعديل مسار حياتهم وخارطة همومهم اليومية، كي يصبحوا على مثال الشخصيات الخيالية التي تقدمها، والتي تكمن أخطر معضلات حياتها في كيفية إدارة شؤون عشق ممنوع، أو تأمين ظروف انتقام فظيع.

16