المسلسلات "الممصرة" تسحب البساط من دراما السير الذاتية

المسلسل “الممصر” هو عمل تتم فيه إعادة تقديم مسلسل أجنبي شهير، لكن بروح وشخصيات وممثلين ومواقف مصرية وعربية، وقد اتجه البعض من المنتجين في الآونة الأخيرة إلى تقديم هذا النوع على حساب مسلسلات السيرة الذاتية التي تتكلف الكثير من المال والوقت والجهد، وأحيانا تتسبب في مشاكل قانونية قد تقودهم إلى ساحات القضاء وأروقة المحاكم.
الخميس 2016/10/13
شيرين نجحت في "طريقي" الممصر

“ما أجمل العودة إلى الماضي”، عبارة رددتها ألسنة الجماهير التي تابعت بشغف عددا من الأعمال الأجنبية “المُمصّرة”، التي قدمت في العامين الأخيرين، مثل “طريقي”، و”جراند أوتيل”، وحققت نجاحا كبيرا على مستوى المنطقة العربية، وهي أعمال أخذت المشاهد لتعود به إلى الماضي البعيد وأثارت الشجن وأراحت النفوس.

وتجاوز النجاح الذي حققته تلك الأعمال الممصرة كثيرا ذلك النجاح المحدود لأعمال السير الذاتية التي قدمت خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعل المغامرة بتقديم قصص حياة المشاهير بمثابة مخاطرة كبيرة، خاصة أن الخارطة الإنتاجية تتغير من عام إلى آخر، بسبب الارتفاع المتواصل في الميزانيات والأجور، الأمر الذي جعل المنتجين أكثر تحمسا لتقديم الأعمال الممصرة لضمان تحقيق المردود، سواء على المستوى المادي أو النجاح على الصعيد المعنوي.

وعلى سبيل المثال، جذبت فكرة الأعمال الممصرة النجمة التونسية هند صبري والمنتج طارق الجنايني، الذي اشترى حق تمصير مسلسل مأخوذ عن “فورمات أميركي” لتقديمه، وبدأت صبري في اتخاذ الإجراءات اللازمة لتقديمه في رمضان المقبل.

المسلسلات "الممصرة" فيها الكثير من التشويق والإثارة، وتبتعد عن الرتابة وتمنح صناعها مساحات أكبر للخيال

خيال رحب

ستكون المقارنة بين دراما السير الذاتية وبين نظيرتها الممصرة قطعا في صالح الأخيرة، وذلك للكثير من الأسباب التي جعلتها أكثر تميّزا وجاذبية، وفي مقدمة ذلك أن مسلسلات السير الذاتية يتوجه تركيزها إلى الشخصية التي تتحدث عنها بالأساس دون أن تمنح فرصة أكبر للتعريف بالشخوص الأخرين وعلاقة بعضها مع بعض، الأمر الذي تقوم عليه الدراما الممصرة، مما يمنحها الإثارة والتشويق على عكس رتابة أعمال السير الذاتية.

أما السبب الثاني، فيتمثل في كون دراما السيرة الذاتية اعتادت على التعرض لرفع القضايا ضدها والمكوث في أروقة المحاكم ومنصات القضاء، بادعاءات التحريف والتشويه لحيوات أصحابها، حتى مع وجود موافقات من ورثة الشخصيات.

ويرفض هؤلاء الورثة دائما الحديث عن أي سلبيات في الشخصية التي يقدمها المسلسل، ما يضع صناع العمل في إطار ضيق خلال المعالجة الدرامية، يخلو من ملـمح الإبداع الفكري والبصري، وهو ما يرجح كفة الأعمال الممصرة، التي تمنح صناعها مساحة أكبر من الخيال، كما تكون لديهم الحرية في عدم الالتزام بكافة تفاصيل المسلسل الأجنبي وشخوصه.

وتستكمل مرحلة الإبداع لدى الأعمال الممصرة بما تمنحه للعاملين فيه من خيال في تصميم الملابس، والديكورات التي تتفق بالطبع مع المرحلة الزمنية المطروحة، لكنها تحمل وجهات نظرهم وأفكارهم، كما حدث في مسلسل “جراند أوتيل” في رمضان الماضي، متخطية ضرورة الالتزام بكافة التفاصيل التي تقدم عن أصحاب السير الذاتية ومتعلقاتهم الشخصية، والتي قد يصعب الحصول على بعضها لبعد الفترة الزمنية.

وغالبا ما يحيط بمعظم أعمال السير الذاتية الكثير من الأخطاء التاريخية نظرا إلى عدم الاستعانة بمؤرخين موثوق بهم، ما يضعها دائما في موضع الاتهامات بتشويه البعض من الحقائق التاريخية وما تشمله من أحداث اجتماعية وسياسية.

ودائما ما ترتفع التكلفة الإنتاجية التي تتطلبها أعمال السير الذاتية عما هو مقرر، خاصة إذا كان المسلسل يدور حول شخصية فنية، كذلك فإن تلك المسلسلات تتطلب التصوير في الكثير من الدول الأجنبية، وهو ما يسبب ضغطا ماليا على المنتج، ربما لا يصعب تعويضه بعد العرض، كما أن أغلبية هذه النوعية من المسلسلات التي عرضت مؤخرا، فشلت في جذب قطاع عريض من جمهور المشاهدين. هنا تأتي الدراما الممصرة لتحقق المعادلة الصعبة: “إنفاق أقل مع مكاسب في الربح مع إقبال جماهيري واسع”، وذلك بما تحتويه من دراما مثيرة وثرية في أحداثها، وفوق ذلك فإنها تمنح صناعها حرية اختيار نجوم ذوي شعبية وجماهيرية واسعة لاجتذاب المزيد من المشاهدات.

خط درامي واحد

الصعوبات التي تواجه صناع دراما السير الذاتية، سواء أثناء التحضير لها أو بخصوص ما يحيط بها من ظروف إنتاجية ضخمة مع توقع بعدم النجاح في الكثير من الأحيان، تمنح الأعمال الممصرة مركزا أكثر قوة في الدراما التلفزيونية

على الجانب الآخر، تضع أعمال السير الذاتية كُتابها في مأزق الكتابة التي تتطلب تجميع كمّ كبير من المعلومات الأرشيفية على مدار فترة زمنية طويلة قد تصل لسنوات، تليها مرحلة التحقق من حقائق هذه المعلومات، وأخيرا تأتي المرحلة الأصعب متمثلة في خلق الخط الدرامي الذي يبني عليه المؤلف الأحداث، فإما أن يركز على الجانب الشخصي فقط، وإما أن يركز على الجانب العملي ولا شيء غيره، وهنا يحدث استغراق في خط درامي واحد على حساب آخر، مما يفقد العمل الكثير من إثارته.

ولأن مسلسلات السير الذاتية، إما أنها تحتوي على عدم المصداقية وإما أنها تحمل الكثير من المبالغة والتضخيم في شخصيات أصحابها، وهو ما يتسبب في عزوف المشاهد عن متابعتها، وخير مثال على ذلك ما حدث في رمضان الماضي في مسلسل “المُغني”، للفنان محمد منير الذي لاقى انتقادات واسعة بسبب سيطرة فكرة “الأنا” على أحداثه.

وبخلاف ذلك، فإن مسلسلات السير الذاتية يمثل اختيار “البطل” لها أزمة لدى صناع المسلسل، إذ قلما تتوازن تركيبة هذا البطل مع شكل وروح الشخصية التي يقدمها المسلسل، إضافة إلى أن الوقت الذي يستغرقه بطل المسلسل في دراسة طبيعة الشخصية يكون طويلا جدا، ما يطيح بفرصة انتشاره وحضوره في الكثير من الأعمال الدرامية الأخرى.

ونجحت تجربة الأعمال الممصرة في تخطي المشاهد لأزمة تعلقه بوهج الدراما التركية على سبيل المثال، والتي كان يشاهد فيها تاريخ المجتمع التركي من خلال قصص اجتماعية وليست تاريخية وحتى الأعمال المتعددة الحلقات التي مُصرت على غرار الدراما المستوردة، مثل مسلسل “هِبة رِجل الغراب” بطولة إيمي سمير غانم، الذي قدم خلال ثلاثة مواسم، نجح في اجتذاب قطاع كبير من المشاهدين إليه وظل حديث الشارع لفترة طويلة.

تجدر الإشارة إلى أن الصعوبات التي تواجه صناع دراما السير الذاتية، سواء أثناء التحضير لها أو بخصوص ما يحيط بها من ظروف إنتاجية ضخمة مع توقع بعدم النجاح في الكثير من الأحيان، تمنح الأعمال الممصرة مركزا أكثر قوة في الدراما التلفزيونية، وهو ما يذكّر بزمن تحويل الروايات الأدبية الكبرى إلى أعمال تلفزيونية، ولذلك يتوقع الكثير من النقاد انطفاء وهج مسلسلات السير الذاتية اللهم إلا إذا هدأت “هوجة المسلسلات الممصرة”، فلا أحد يعرف ما يخبئه المستقبل أو ما سيحدث لأذواق المشاهدين؟

16