المسلسلات بين إرهاب المتأسلمين ونقابة الممثلين

الأربعاء 2015/07/08

لم يأت الهجوم هذا العام على المسلسلات التليفزيونية التي تعرض طوال شهر رمضان الكريم، فقط من جانب التنظيمات الإسلامية والمتأسلمة وجماعات الإسلام السياسي المعروفة، بل كانت المفاجأة أن هجوما آخر كاسحا صدر هذه المرة، ممّن يفترض فيهم الدفاع عن حرية الإبداع الفني ورفض مراقبة الأفكار.

وما حدث هو أن نقابة الممثلين في مصر بقيادة رئيسها الممثل نصف المعروف أشرف زكي، أصدرت بيانا تنتقد فيه مسلسلات قالت إنها “تعرض مشاهد العري بصورة وقحة وغير مبررة دراميا وعلى طريقة الكباريه، مما يفسد الذوق العام، ويخلط الإبداع المتحرر في أذهان الجماهير بالإثارة الرخيصة، مما يشوه جهود الفنانين المتحررين أصحاب الرسالة، ويساوي بينهم وبين الباحثين عن الشهرة والمال”.

وينطلق هجوم الجماعات المتأسلمة عادة على الأعمال الفنية عموما، من منطلقات متزمّتة تتستر بالأخلاق، لكنها ترفض الأشكال المتعددة للتعبير الفني أصلا، وتعتبر التعبير بالصورة من المحرمات.

كما يرفض معظمها الغناء والموسيقى والفن التشكيلي، مهما كـانت الإدعـاءات المعلنة عكس ذلك، فهي مجرد نوع من التقية والمكر المعروف عن هذه الجماعات التي تشترك جميعها في تكفير الآخرين، وقد تتغاضى مرحليا عن بعض الأمور إلى حين يصبح بمقدورها حظر كل أشكال الفنون في حال نجحت في الوصول إلى السلطة!

تخلط هذه الجماعات عمدا بين التمثيل والحقيقة، وبين الدراما التمثيلية والواقع، وهو خلط مقصود لكي توهم الناس إلى أن الممثلة التي تؤدي دور بائعة هوى مثلا، تسيء إلى الأخلاق العامة ويجب محاكمتها وإنزال العقاب عليها.

وهو نفس الجدل الحادث في المغرب حاليا بشأن الممثلات اللاتي قمن بأدوار في فيلم “الزين اللي فيك” الذي يدور موضوعه حول “أقدم مهنة في التاريخ”، فالبعض لا يريد للفن أن يتناول قضايا لها وجود في الواقع، بل يتستر على الواقع بكل ما فيه من سلبيات، وأن يصبح بديلا عن التربية التي هي مهمة الأسرة.

من حق أي ناقد متخصص أن يوجه النقد إلى ما يعرض من أعمال درامية على الشاشة الصغيرة أو الكبيرة، من خلال تحليل وتفكيك البنية الدرامية للعمل الفني وقياس مدى توفيقه في استخدام الأدوات الفنــيـة فـي التعبير عن موضوعه.

ومع ذلك ليس من حقه اتهام الأعمال الدرامية بممارسة “العيب” و”الإثارة الرخيصة” وتشبيهها بـ”الكباريه” كما يفعل الأخ أشرف زكي، فهو أمر يدعو إلى الدهشة بل وإلى الاستنكار الشديد.

والطريف أن أشرف زكي، يعود بعد أيام من إصدار بيانه الأول الذي لا يصب في الحقيقة سوى في جعبة جماعات التطرف المتأسلمة ويشجعها أكثر على التبجّح والمطالبة بفرض رقابة أخلاقية على الفنون، لكي يعلن عن نيته عقد “مؤتمر” في نهاية شهر رمضان.

وذلك من أجل إعلان موقف النقابة ممّا تم تقديمه على “شاشة رمضان” من مسلسلات وبرامج تيليفزيونية بعضها يراه “مبتذلا يخرج عن المألوف، ويقدم الفنانين بصورة مهينة تسيء للمهنة والنقابة”.

كما قال إن المؤتمر سيعلن عن نتائج ما قام به أعضاء مجلس نقابته من رصد، وبناء على هذا التقييم سيتم اتخاذ إجراءات تصعيدية تضمن عدم تكرار ما حملته بعض المسلسلات من “ابتذال في الموسم الرمضاني الحالي أضر بمهنة الفن والعاملين فيه”.

أشرف زكي يمارس نوعا من المكارثية الجديدة باسم حماية الفن والفنانين في مصر، وينصّب نفسه رقيبا إضافيا واستثنائيا على الفن الدرامي، في وقت يقال لنا إن هناك معركة شرسة مستمرة ضد التطرف. فهل هناك ما هو أكثر من مثل هذه المواقف تطرفا وتغذية للتطرف؟

كاتب وناقد سينمائي من مصر

16