المسلسلات رهان الفضائيات لاستقطاب المعلنين

المكاسب المالية وتغيّر ذائقة الجمهور سببان في طفرة قنوات الدراما العربية.
السبت 2021/07/31
الدراما تحولت عند بعض الفضائيات إلى الدجاجة التي تبيض ذهبا

أصبحت بعض قنوات الدراما الدجاجة التي تبيض ذهبا لقطاع كبير من الفضائيات حاليا، والتي غيّرت من جلدها وخارطة برامجها سعيا وراء المكاسب لتزيد أوقات عرض المسلسلات أو تستحدث محطات جديدة مُتخصّصة في بثها معتمدة على مضمون متنوّع لا يتوقف عند هوية واحدة.

القاهرة - يحمل الانتشار الملحوظ في أعداد القنوات العربية المتخصّصة في عرض المسلسلات مؤشرا على رواجها ونجاحها في جذب المعلنين، ودليلا على تزايد الإنتاج الدرامي القادر على ملء أوقات البث التي تمتد طوال ساعات اليوم.

وتصاعدت المنافسة بين هذه القنوات لأنها لم تكتف بتقديم ما تنتجه من أعمال درامية عربية، بل يسرف بعضها في بث مسلسلات جرى إنتاجها في دول أخرى وبلغاتها، وهو ما أسهم في رواج الترجمة ودبلجتها بالعربية ليسهل على المشاهدين متابعتها.

وتكشف جولة تصفّح سريعة لأي جهاز استقبال منزلي عربي تخمة قنوات الدراما التي تستأثر بنسبة ملحوظة من إجمالي الفضائيات لتعيد للأذهان ظاهرة عام 2010 التي شهدت انطلاق نحو ست عشرة فضائية للمسلسلات تبارت جميعها في شراء الأعمال الجديدة بأعلى سعر لجذب أكبر عدد من جمهور الدراما إلى شاشاتها.

وتتلقى الدراما دفعة قوية من الشركات الدعائية التي تفضل بث إعلاناتها على قنوات مسلسلات تملك قاعدة جماهيرية متنامية من النساء بما يضمن وصول المنتجات لقطاع من الجمهور التقليدي الذي يتخذ في الغالب القرار الشرائي ويتحكم في نوعية وحجم إنفاق الأسرة.

أحمد سعدالدين: ثراء الإنتاج الدرامي تسبب في تنامي قنوات البث وتعدد أشكالها
أحمد سعدالدين: ثراء الإنتاج الدرامي تسبب في تنامي قنوات البث وتعدد أشكالها

انطفاء البريق

عزّز انتشار فايروس كورونا من أهمية قنوات الدراما، حيث ظل سوقها خصبا في أوقات الجائحة وارتفعت نسبة مشاهداتها لأرقام مضاعفة بفضل أوقات حظر التجوال السابقة والحجر المنزلي الذي يتفاوت الآن من بلد إلى آخر، على عكس باقي القطاعات الدعائية كإعلانات الطرق التي تراجعت مع انتشار الجائحة في غالبية الدول العربية.

ويمثل تنامي الإنتاج أحد المسببات وراء الظهور الملحوظ للفضائيات المتخصّصة في عرض المسلسلات، فالكثافة العددية للأعمال الجاهزة للعرض في مصر ودول الخليج وسوريا في السنوات الأخيرة، كانت دافعا وراء استحداث المزيد من وسائط العرض.

ويعرف الكثير من المسؤولين عن الشبكات الفضائية حاليا أن بريق المضامين الإخبارية الذي انتشر في فترة الربيع العربي انحسر بشدة، وأن الجمهور المُهتم به أصبح مرتبطا أكثر بالمواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي، كما حوّلت نسبة من جمهور الشباب المتعلق بعالم الأغاني بوصلتها إلى التطبيقات مثل “سبوت فاي” و”ديزر”.

تخمة إنتاجية

يقول الناقد الفني أحمد سعدالدين إن ثراء الإنتاج الدرامي السبب الأول في تنامي قنوات البث وتعدّد أشكالها وألوانها ولغاتها والمضامين التي تقدّمها وكثافة النجوم، ففي مصر على سبيل المثال لا يزيد عدد الأفلام التي يمكن شراؤها وعرضها عن مئة فيلم، بينما النسبة الباقية وهي كبيرة مملوك البث الحصري لها لشبكة “روتانا” الخليجية، ما يحول دون عرضها أو تقديم محتوى متنوّع يتّسم بالتجديد.

ومن المتوقع أن تتزايد المسلسلات في المستقبل القريب مع الزيادة الملحوظة في عدد المحطات العارضة للدراما، وتنامي منصات العرض الرقمي، ودخول شريحة جديدة من رجال الأعمال مجال الدراما في المنطقة العربية، ناهيك عن عرض الكثير من القنوات مسلسلات وأعمالا متعدّدة بعد التأكّد من قدرتها على استقطاب أنواع مختلفة من الجمهور، فمن مزايا الدراما أنها تخاطب شرائح متباينة من الجمهور.

ويضيف سعدالدين لـ”العرب” أن الإنتاج الدرامي يتّسم بزيادة عدده عن الأعمال السينمائية في العام الواحد، ففي الموسم الرمضاني الواحد لا يقل عدد المسلسلات عن الخمس والعشرين في مصر، وهي كفيلة لوحدها بملء أوقات البث في قناة متخصّصة من دون عناء وضع خارطة برامجية أو البحث باستمرار عن أفلام نادرة لخلق ارتباط مع الجمهور.

ماجدة خيرالله: الإنتاج الفني تنطبق عليه قواعد الأعمال التجارية الربحية
ماجدة خيرالله: الإنتاج الفني تنطبق عليه قواعد الأعمال التجارية الربحية

ويعتقد بعض النقاد أن عودة الدراما السورية تدريجيا إلى سابق عهدها يمكن أن تحد من تنامي الدراما التركية التي أصبحت بعض القنوات شغوفة بها.

ووفقا لمصدر مسؤول بإحدى القنوات الفضائية في مصر، فإن عرض الدراما يحقّق العديد من الأهداف، أهمها تقليل تكاليف الإنتاج فشراء عدد من المسلسلات القديمة وإعادة عرضها ليلا ونهارا يجعل التكلفة ثابتة وليست متغيّرة مثل البرامج الحوارية أو برامج “التوك شو”، بجانب وجود بعض الأعمال القديمة المتاحة على شبكة الإنترنت ويمكن إعادة بثها بسهولة.

وتفرض بعض الفضائيات العربية مساحة لأعمال قارتي أميركا اللاتينية وآسيا، إلاّ أن مستوى تأثيرها وحجمها يتراجع باستمرار مع ظهور فضائيات أجنبية متخصّصة في عرض مسلسلات دولها الأم، مُدبلجة بالعربية تعتمد على عرض أعمال قوية حديثة، كقناتي “تي.آي.تي” و”أي.تي.فيه” التركيتين و”فيجاي” و”يو.تي.في” الهنديتين، ناهيك عن المنافسة الكبيرة التي تمثلها منصة نتفيلكس وإنتاجها الدرامي الضخم بكثير من لغات العالم، وفي مقدّمتها العربية.

وقد انحسر حجم التأثير الذي تتركه الدراما الأجنبية على الجمهور العربي حال مقارنته بوقت عرض مسلسل “نور” للمرة الأولى في مصر، وإحداثه

هزة اجتماعية بالانكشاف على الرومانسية التركية الدرامية ووصل الأمر لحالات طلاق بسبب تغزل زوجات في بطل العمل مثل يفانتش تاتليتوغ أو أزواج في بطلته سونغول أودان.

وبات مديرو برامج الفضائيات في مصر يفضلون المنتج العربي لمراعاته الاعتبارات والضوابط الأخلاقية، بعدما تلقت بعض الفضائيات انتقادات بسبب الأعمال اللاتينية وشكاوى من مضامين تبث قيما مغايرة للمجتمع العربي، حيث تبيح الجنس خارج مؤسّسة الزواج والإجهاض، وتقدّم نمطا مختلفا من العلاقات العاطفية الشاذة.

تحرّر المضمون

انتشار كورونا عزّز من أهمية قنوات الدراما، إذ ظل سوقها خصبا في أوقات الجائحة ممّا ضاعف من نسب مشاهداتها
انتشار كورونا عزّز من أهمية قنوات الدراما، إذ ظل سوقها خصبا في أوقات الجائحة ممّا ضاعف من نسب مشاهداتها

تحرّر المضمون الدرامي العربي أخيرا من سيطرة الجانب الاجتماعي وبات متنوّعا ويشمل الكوميديا والحركة  والتشويق، بجانب محاولات لطرق أبواب الخيال العلمي والفانتازيا والرعب ما يجعله أكثر تلبية لمطالب الجمهور العريض متعدد الاهتمامات.

وغيّرت قنوات الدراما العربية خلال السنوات الأخيرة طرق العرض المعتادة عبر تقديم المسلسل كله في يوم واحد أو اختيار عدد قليل من الأعمال وعرضها متتالية الواحد بعد الآخر خلال أسبوع مع حذف المط والتطويل، أو ما يمكن وصفه بـ”ميني مسلسل”، وهي الثيمة التي برعت فيها الآن أيضا بعض المواقع الإلكترونية، كما أن الكثير من قنوات الدراما تتعمّد تقديم ملخص في نهاية الأسبوع للحلقات التي جرى بثها على مدى أيامه.

وأسهم تعدّد مواسم العرض في زيادة إنتاج المسلسلات، فلم تعد قاصرة على شهر رمضان فقط، حيث حافظت على مكانتها طوال العام، بينما تعرّضت السينما لهزة خلال أزمة كورونا مع تقليل أعداد الحضور بقاعات العرض كوسيلة لمنع تفشي الوباء، وهو ما أتاح زيادة نسبة الإقبال على الدراما التلفزيونية.

ويشير البعض من النقاد إلى أن زيادة الفضائيات أنعشت الطلب، لكنها لم تحقّق نقلة على مستوى الجودة فاهتمام شركات الإنتاج مُنصب على استقطاب النجوم قبل النصوص، وانجرفت أسماء كبيرة من الفنانين في طريق تقديم مضامين دون المستوى اعتمادا على أن أسماءهم كفيلة وحدها بتحقيق النجاح.

وذكرت الناقدة الفنية ماجدة خيرالله أن الإنتاج الفني تنطبق عليه قواعد الأعمال التجارية لدى شركات الإنتاج التي تبحث عن الربحية، وطالما أن المسلسلات تجذب الجمهور والمعلنين فمن المؤكّد أنها ستستقطب أصحاب القنوات الفضائية أيضا.

ويظهر السباق المحموم بين الممثلين في الموسم الرمضاني لإثبات تصدّرهم تريند مواقع التواصل الاجتماعي تغيرات سوق الإعلانات التي تبحث عن وصول إعلاناتهم بقوة إلى أكبر عدد ممكن من الجمهور.

وتوضّح خيرالله لـ”العرب” أن تغيرات سوق المشاهدة تحكم المضمون أيضا، فعدد من القنوات المتخصّصة في الفيديو كليب غيّرت وجهتها للدراما بعدما أصبح مضمون ما تقدّمه من الماضي أمام تنامي استخدام الشباب للإنترنت والهواتف الذكية.

14