المسلسلات غير الموسمية تثري الدراما المصرية في عام 2018

سياسة إنتاجية جديدة في مصر تتمثل في طرح مسلسلات منفصلة غير موسمية لعبت دورا في إنزال دراما رمضان من على عرشها بفضل التنوع الكبير الذي تضمنته.
الأربعاء 2018/12/26
المسلسلات غير الموسمية تثري الدراما المصرية في عام 2018

مثل العام 2018 انقلابا جديدا في شكل الدراما التلفزيونية، بعد أن تغيرت فيه خارطة العرض المعتادة، وكسرت احتكار شهر رمضان للأعمال المتميزة، لتعود الدراما الجيدة ضيفا مستمرا على مدار العام بمسلسلات متنوعة وأعمال جذابة حققت رواجا قلب بعض الموازين التقليدية، ورغم حالة التنوع الملحوظة، بقيت تساؤلات عديدة تتردد حول ما إذا كان الزخم الدرامي على مدار العام يستطيع الصمود خلال السنوات المقبلة وإحداث طفرة مستدامة في الصناعة الفنية الهامة، أم يصبح التفوق الراهن عنصرا طارئا ويتعرض لانتكاسة تعيد المشهد إلى سيرته الأولى؟

القاهرة - عانت الدراما المصرية السنوات الماضية من سياسة الاحتكار التي اتبعتها كيانات إنتاجية كبرى، ونتج عنها صراع محتدم على طرح الأعمال التلفزيونية خلال شهر واحد في العام، وهو شهر رمضان الذي يحظى منذ فترات طويلة بحالة تشبع درامي غير مسبوقة.

وتسببت هذه الحالة (أحيانا) في ظلم بعض الأعمال الجيدة، نتيجة عرضها وسط تكدس كبير من الأعمال الفنية، وصراعات خفية بين شركات الإنتاج، في وقت تزايد فيه غياب الإنتاج الحكومي، وبات القطاع الخاص متحكما في إنتاج غالبية المسلسلات وتسويقها على مدار العام، مستفيدا من الانتشار الواسع للقنوات الفضائية، ورواج سوق “يوتيوب” الذي جذب شريحة كبيرة من المشاهدين، منحت الدراما تفوقا نسبيا لم يكن موجودا من قبل.

نجاح التجربة

مع تزايد الزخم الدرامي وظهور العديد من النجوم خلال شهر رمضان، اتجه بعض المنتجين مؤخرا إلى اتباع سياسة إنتاجية جديدة تتمثل في طرح مسلسلات منفصلة في مواسم درامية تنطلق مع بداية كل عام بنجوم شباب وكبار غابوا لفترات عن الشاشة.

وبدأت الظاهرة في الانتشار منذ عامين، لكنها تبلورت بوضوح في العام 2018، الذي أصبح شاهدا على نجاح تلك التجربة، بعد أن صنع وزنا دراميا، كسر احتكار شهر رمضان للأعمال المتميزة، وكان هذا العام صاحب النصيب الأعظم من الدراما غير الموسمية التي نجحت في تحقيق جماهيرية كبيرة فاقت تلك الأعمال التي عرضت في رمضان الماضي.

القيمة الفنية وطريقة المعالجة ونوعية القضايا التي يطرحها أي مسلسل هي الثيمة الضامنة للنجاح وليس توقيت العرض

تتعدد أسباب النجاح الكبير الذي حققته الدراما غير الموسمية، ويمثل التنوع الكبير الذي تضمنته، مقارنة بنظيرتها التي عرضت في رمضان، تفوقا لافتا، على دراما رمضان التي غلب عليها طابع الأكشن والقضايا البوليسية، والتي كانت سببا في تحقيق جماهيرية غير متوقعة لبعض الفنانين.

وشهد هذا التنوع أسلوبا مختلفا في طرح الأفكار وتنفيذها، وفي مقدمة تلك الأعمال مسلسل “الشارع اللي (الذي) ورانا”، ولعبت بطولته الفنانة التونسية درة، والفنان فاروق الفيشاوي، وطرح قضايا متباينة في إطار تشويقي، وخاطب العالم الآخر للأرواح البشرية، ونجح مخرجه مجدي الهواري في عرض تقنيات خاصة بأسلوب الغرافيك

لتقديم بعض الخدع البصرية تزامنا مع مضمون العمل. وحصد المسلسل اهتماما وصدى جماهيريا واسعين، بعد عرض الحلقات الأولى منه، لا سيما من فئة الشباب، الذين وضعوه في مقارنة مع بعض الأعمال الأجنبية من عناصر التصوير والخدع ذاتها، بخلاف أنه العمل الدرامي المصري الأول الذي ناقش مسألة الحياة بعد الموت، أو في العالم الآخر.

دراما اجتماعية جريئة

حفل العام 2018 بجملة من الأعمال التي أثارت جدلا جماهيريا كبيرا، من بينها مسلسل “سابع جار” في الجزء الثاني منه، والذي استكمل نجاح الجزء الأول في جرأته على مناقشة قضايا اجتماعية من دون خجل، كشفت الكثير من العورات التي يحاول البعض مداراتها، وهو ما منحه انتشارا يفوق ما تحققه بعض الأعمال خلال عرضها في شهر رمضان.

وفي هذا العمل صممت مخرجات المسلسل الثلاث، آيتن أمين ونادين خان وهبة يسري، على مناقشة قضايا وعلاقات الأبناء داخل الأسرة المصرية في الوقت الحالي بشكل أكثر عصرية، وبسبب ما تضمنه العمل من تناول لموضوعات جريئة تخص وضع الفتاة وعلاقاتها الخاصة بالآخر، تعرض إلى عاصفة كبيرة من الهجوم الرافضة للحجج التي تدافع عن العمل باعتباره رؤية واقعية لمشكلات الحياة المعاصرة.

كما أن مسلسل “أنا شهيرة.. أنا الخائن” والمأخوذ عن الرواية الشهيرة التي تحمل الاسم ذاته للكاتبة نور عبدالمجيد، نال قدرا كبيرا من الهجوم بعد نهاية الجزء الأول الصادمة، والتي جعلت بطلته (الفنانة ياسمين رئيس) تلجأ إلى خيانة زوجها ثأرا من خيانته لها، ما دفع فئة من الجمهور إلى انتقاد العمل، ووصفه بأنه رد فعل مبالغ فيه، يستحيل أن تقوم به المرأة المصرية.

"الشارع اللي ورانا" ناقش مسألة الحياة بعد الموت
"الشارع اللي ورانا" ناقش مسألة الحياة بعد الموت

ورغم الصخب الذي أحدثته هذه النوعية من الأعمال، إلاّ أنها تبقى صاحبة النصيب الأعظم في التأثير والتفاعل الجماهيري، ما دحض فكرة أن الأعمال الجيدة تعرض خلال شهر رمضان فقط، وجعل البعض من الفنانين والفنانات يقبلون عرض مسلسلاتهم على امتداد أشهر العام، من دون التمسك برمضان، والذي مرجّح أن يفقد بريقه الموسم المقبل، بعد تحديد عدد من الأعمال الدرامية المخصصة له، قد لا يتجاوز الـ13 عملا.

ويرى البعض من النقاد أن الدراما العائلية في العام 2018 كانت من المؤثرات المباشرة التي عززت استقطاب المشاهدين خارج الموسم الرمضاني، بعد أن شعروا بأنها تمس حياتهم وظروفهم المعيشية بدرجة عالية من الواقعية.

وصاحب الدراما الاجتماعية تنوع كبير في المحتوى المقدم، ما أعاد فكرة الترابط الأسري داخل العائلة بالشكل الذي كانت عليه في الماضي، ومن أبرز تلك الأعمال مسلسل “أبوالعروسة”، الذي لعب بطولته الفنان سيد رجب وسوسن بدر، ويتم التحضير لعرض الجزء الثاني منه مع بداية العام الجديد.

وهو عمل آخر يضاف إلى الأعمال التي رسخت أن الزخم الفني الحقيقي لا يرتبط بشهر واحد في العام، لكن القيمة الفنية وطريقة المعالجة ونوعية القضايا التي يتم طرحها هي الثيمة الضامنة للنجاح وليس توقيت العرض.

وقدم مسلسل “الأب الروحي”، وهو من بطولة مجموعة من الشباب، يقودهم الفنان المخضرم محمود حميدة وأحمد عبدالعزيز، نموذجا مختلفا عن الضخامة في الإنتاج والأفكار والدراما المجتمعية المتشابكة، وجسدها أيضا مسلسل “بيت السلايف” من بطولة بوسي وأحمد صلاح حسني ومنة فضالي، وقدم أيضا نوعا من الدراما القائمة على الصراع العائلي والنزاع بين أفراد الأسرة الواحدة بحثا عن المال والسلطة.

"نصيبي وقسمتك 2" كشف عن مكونات خفية في القضايا التي تتطرق إلى المرأة وعلاقتها بالرجل في حلقات متصلة منفصلة
"نصيبي وقسمتك 2" كشف عن مكونات خفية في القضايا التي تتطرق إلى المرأة وعلاقتها بالرجل في حلقات متصلة منفصلة

ودمجت هذه النوعية من الأعمال بين الصراعات الأسرية وتحديات العصر، متداخلة مع ظروف سياسية واقتصادية معقدة، مع قدر واضح من الاهتمام بقضايا المرأة، بمختلف طبقاتها ومستوياتها الاجتماعية والفكرية.

وجاء مسلسل “البيت الكبير” الذي لعب بطولته الفنان أحمد بدير والفنانة سوسن بدر، على رأس الأعمال التي جسدت إشكالية دور المرأة في المجتمع، وتدور أحداثه في منطقة الصعيد (جنوب مصر) وركز على قضية سيطرة الرجل على المرأة في قضايا الميراث.

وقدم مسلسل “للحب فرصة أخيرة”، والذي أعاد بطلته داليا البحيري إلى نمط الأدوار الدرامية بعد سنوات قضتها في تقديم الدراما الكوميدية، وجبة اجتماعية دسمة عن شكل الزوجات اللاتي يعانين من قسوة معاملة الزوج وينفصلن عنه ويحاولن بدء حياة جديدة. وكشف مسلسل “نصيبي وقسمتك” في الجزء الثاني منه، عن مكونات خفية في القضايا التي تتطرق إلى دور المرأة وعلاقتها بالرجل في حلقات متصلة منفصلة، حيث يتعرض لكم هائل من التناقضات في شكل العلاقات وصعوبة المواءمة بينها لشدة التداخل الذي يغلب عليها.

ورغم تعدد هذه الأعمال، لكن يبقى مسلسل “كأنه إمبارح” للفنانة رانيا يوسف وأحمد وفيق، صاحب الشعبية الأكبر بين المشاهدين، خصوصا أن أحد أبطاله هو الفنان محمد الشرنوبي الذي بات يتمتع بقاعدة جماهيرية كبيرة بين جمهور الشباب.

وتميز العمل بجودة القصة التي كتبتها السيناريست مريم نعوم، وتضمن الكثير من القضايا المتشابكة ينصب محورها الأساسي في فقدان أم لابنها ورحلة بحثها عنه وخلال ذلك تتكشف العديد من الحقائق والأسرار.

وكان للأعمال الكوميدية نصيب في ختام العام الذي شارف على الانتهاء من خلال مسلسل “سرايا حمدين” للفنان سامح حسين، والذي أعاده إلى الدراما التلفزيونية بعد غياب لسنوات.

تغير المزاج العام

يمكن وصف العام 2018 بأنه عام الانقلاب في شكل الدراما المصرية بامتياز، لأنه أعاد الزخم للعام كله، وخالف توقعات النقاد، ومن راهنوا على التمسك بأن موسم رمضان لا يزال الأهم والأكثر جذبا للجمهور والمعلنين.

ويرى خبراء أن هناك تأثيرات متعددة لعبت دورا في إنزال دراما رمضان من على عرشها، أبرزها التحولات التي ظهرت بوضوح في سلسلة من الإجراءات الحكومية، وفي مقدمتها تحديد أسعار شراء عرض المسلسلات بقيمة 70 مليون جنيه (4 ملايين دولار) للعمل الواحد وبإجمالي قيمة شراء من قبل القنوات الفضائية لا يتجاوز 230 مليون جنيه (13 مليون دولار) للقناة الواحدة، ما تسبب في خروج عدد من الأعمال من سباق العرض الرمضاني قبل انطلاقه بفترة قليلة، مثل مسلسلات “أرض النفاق” للفنان محمد هنيدي ومسلسل “لدينا أقوال أخرى” للفنانة يسرا، و”أهو دا اللي صار” للفنانة روبي ومحمد فراج، و”بركة” للفنان عمرو سعد، ليتم عرضها في أوقات أخرى.

"أبوالعروسة" عزز الترابط الأسري داخل العائلة
"أبوالعروسة" عزز الترابط الأسري داخل العائلة

ولا يمكن فصل تبعات سيطرة شركة “سينرجي” ورئيسها المنتج تامر مرسي على المشهد الدرامي المصري للعام الحالي، عما يحدث من تغيرات في الموسم الدرامي، حيث يخوض دراما رمضان المقبل بأعمال نصفها من إنتاجه الخاص.

ويرى نقاد أن الاحتكار الإنتاجي تسبب في ضعف الإنتاج الدرامي هذا العام، وخروج الكثير من المنتجين من المشهد، في مقدمتهم “العدل جروب”، وكانت شركتهم أحد الأعمدة الإنتاجية الهامة وتصدرت المشهد لعقود، وهو ما انعكس على خارطة العرض الدارمي، وبات الكثير من المنتجين يختارون عرض أعمالهم خارج موسم رمضان خوفا من تعرضها للخسارة.

وأصبحت الأعمال المشاركة في دراما رمضان المقبل محصورة في عدد محدود، قد يتزايد العدد بواقع خمسة مسلسلات مع بداية العام الجديد، بعد أن كانت تصل أعدادها إلى أكثر من أربعين عملا في الموسم الواحد.

وتتصدر قائمة إنتاج هذه الأعمال شركة “سينرجي”، التي تعاقدت بالفعل مع الفنانين أحمد فهمي ومي عزالدين ومحمد رمضان ومصطفى خاطر وياسمين صبري لتقديم بطولات في عدد من المسلسلات، خلافا للجزء الثالث من مسلسل “كلبش” الذي يلعب بطولته الفنان أمير كرارة، وسبق وأنتجت الشركة ذاتها جزأيه الأول والثاني، وعرضا في موسمي رمضان المنقضيين، من تأليف باهر دويدار وإخراج بيتر ميمي.

ورغم المميزات التي تحملها المسلسلات غير المرتبطة بالموسم الرمضاني وما تحققه من تفاعل جماهيري وتوفر فرصة للنجوم الشباب وجذب للإعلانات وراحة في العمل على المنتج بشكل عام، إلاّ أنها تحمل سلبيات مختلفة، أبرزها أنها تتيح الفرصة بشكل أكبر لاستيراد أنواع أخرى من المسلسلات المدبلجة من دول عدة، كي تستطيع القنوات الفضائية ملء الخارطة البرامجية لشاشاتها، وتدفع نحو الركود لدى العاملين بالصناعة، لأن هؤلاء اعتادوا العمل بكثافة في شهر رمضان.

16