المسلمون عرفوا مائدة عامرة وأتقنوا آدابها

الاثنين 2015/02/16
العامة أيضا كانت لهم أطعمتهم الخاصة

كثرت المؤلفات في فنون الطعام وآداب المائدة في التاريخ الإسلامي، وتعددت المصادر في ذكر صنوفها ورسمت ملامح عصر النهضة الإسلامية وكيف كان العرب يأكلون ويشربون في تفاوت اجتماعي وطبقي كان شائعا في ذلك الزمان.

تعددت صنوف المائدة في تاريخ الشرق وتنوعت أوجه الخدمة وأساليبها مع تطور الأزمان.

وشهدت حركات التجارة والترحال نقل ملامح المائدة الفارسية والأعجمية، خاصة في العصرين الأموي والعباسي اللذين شهدا تطورا كبيرا في أنواع الأطعمة والمشروبات، كما تعددت فيهما أساليب تقديمها بتعدد الطبقات في المجتمع.

وأصبح الطعام له أدواته، وطُرق إعداده وآدابه في التراث العربي، في جميع العصور التالية حيث شهد الطعام في العصر الأموي تحولًا كبيرًا في أصناف المأكولات عما ساد في صدر الإسلام أو إبان العصر الجاهلي، فقد كانت تقام في هذا العصر الحفلات والسمر والنزهات، وبرز شعراء يتجاوبون مع مقتضيات الحياة ويصفون الولائم والموائد العامرة، ويتغنون بالمآكل والثرائد، وينظمون القصائد والمقطوعات في تعداد أنواع الأطعمة وضروب الفاكهة والحلويات، كما كانت موائد الوزراء الأمويين خير ما يمثل الترف المطبخي في ذلك العصر.

واستخدم العرب حينئذ الفُوط والملاعق المصنوعة من الخشب، كما كانت تُجلب من بلاد الصين ملاعق من الفخار. وكان الناس في ذلك العهد يجلسون على الكراسي أمام موائد الطعام التي يكسوها مَفرَش من القماش، وكانت للأكل مع الخلفاء والأمراء آداب مُقررة، فلا ينبغي أن يتبسط الشخص في الطعام مثلًا لأن الأكل مع عِليَة القوم كان للشرف وليس للشبع، مع ما في التبساط من جرأة وسوء الآدب، ويذكر المسعودي أنّ الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان كان يُكثر من الطعام حتى قيل إنه كان يأكل خمس مرّات في اليوم.

أما في العصر العباسي، فقد كان تقديم الطعام لدى الخاصة مختلفًا عن العامة، فالعادة عند العامة هي اتباع التقاليد العربية من وضع الطعام أمام الآكلين وترك حرية الاختيار لهم وفق ما يوضع من أطباق متنوعة، أما الخاصة في العصر العباسي فقد اتبعوا نظامًا مختلفًا يُترك بمقتضاه للآكلين حرية طلب ما تشتهيه الأنفس، فيُجهز لكل آكل ما يطلب، وإن تعددت وتنوعت الرغبات.

وبينما كان من عادة العامة وخاصة الزُهّاد منهم نهش اللحم، ولعق الدهن من الأصابع، أو الإكثار من الملح، أو شرب الحساء عن طريق رفع الإناء إلى الفم (لم تكن الشوكة قد عُرِفَت بعدُ)، إلاّ أنّ استخدام الملاعق كان مُحببًا لدى الخاصة وكانت الملاعق تصنع من الزجاج أو النحاس كما كانت تصنع أحيانًا من الذهب أو الفضة، ويحكى أنه عندما كان يأكل الوزير المُهلبي كان يقف خادم عن يمينه وآخر عن يساره، وبحوزتهما مجموعة من الملاعق، وكان الوزير يأخذ غرفة بالملعقة من صحن معين، وبعد أن يفرغها في فمهِ يعطي الملعقة إلى الخادم الواقف عن يساره وهنا يناوله الخادم الواقف على يمينه ملعقة فارغة أخرى، وهكذا تسير عملية تبادل الملاعق حتى يفرغ الوزير من طعامه.

الأمويون استخدموا الفوط والملاعق المصنوعة من الخشب، كما كانت تجلب من بلاد الصين ملاعق من الفخار

وقد حفز هذا التطور المؤلفين العرب على تناول الطعام وأمور الطبيخ في كتبهم، وذكروا أسماء ووصفات الأكلات التي عرفها الناس كلّ حسب عصره، وأوضحوا فيها طرق عملها وفوائدها على المرء. فأحصى ابن النديم في كتابه “الفهرست” تسعة كتب ألفت في الطعام، والتي بلغت أوجها في العصر العباسي، حيث كان مؤلفوها من كبار الشخصيات المهمة في المجتمع العباسي، واستطاعوا من خلال وصفهم لفن الطهو وإعداد أطباق الطعام للعامة والخاصة على حد سواء، أن يتحدثوا فيها عن تقاليد المائدة وآدابها، ويُصوروا كثيرًا من مظاهر الحياة اليومية لهذا العصر الذهبي.

ومن أشهر الكتب التي أوردت الأطعمة بين دفتيها كتاب الكسباج لجحظة، والطبيخ لإبراهيم بن العباس الصولي، والطبيخ لإبراهيم بن المهدي، والطبيخ لأحمد بن الطبيب، والطبيخ للحارث بن بسخز، والطبيخ للطبيب الرازي، والطبيخ لعلي بن يحيى المُنجِّم، والطبيخ للمرضى لمخبره، والطبيخ للمرضى له أيضًا.

ولم تنضب المكتبة العربية وتقتصر فقط على كتب من عاصروا تطورات الأطعمة في ذلك الزمن، بل ظهرت مؤلفات حديثة خاصة بالطعام، منها كتاب خليل سركيس (1885م) “تذكرة الخواتين وأستاذ الطبّاخين”.

أما الباحث المغربي محمد شقرون فكتب في مقدمة تحقيقه لكتاب ابن رزين التجيبي الموسوم بـ “فضالة الخوان في طيبات الطعام والألوان” عن أهمية كتب الطعام كمصدر إنثوجرافي وفلكلوري قائلًا “إنّ هذا الفن قد حَظي بعناية بعض المؤلفين، ونال إعجاب قُرائهم، وعدد المستفيدين من إنتاجهم، فظهر ما ظهر من مؤلفات أصيلة علمية، وأخرى عَملية ثانوية، بينما اكتفت أخرى بالتكرار والاجترار، وإضافة التجربة أو إعادتها بتقليصها أو بتحريفها، فكان عصر الازدهار، ثم لحقه عصر الانحطاط الذي خَسِرَت فيه المكتبة العربية كل إنتاج قويم يرمي إلى صيانة الأبدان والأذهان عن طريق تحديد الأغذية وكيفية استعمالها وطرق استهلاكها، وتبيين مضارها ومنافعها، مما نجده في كثير من المؤلفات الخاصة، وغيرها من كتب الأدب والفهارس والتراجم والرحلات والحسِبَة والشِعر، خصوصًا كتب الطب التي ربطت موضوع التمريض والمعالجة بموضوع التغذية والأشربة حيث كان التزاوج بينهما واضحًا والتماسك قارًّا.

وأضاف "أقول إن أول ما يجب أن يتجنب محاولة الطبخ في المواضع الوخيمة الذميمة. وأن لا يطبخ في قدر الفخار مرتين. وقد حض بعض الأطباء على ذلك. وذكر أن الطبخ في أواني الذهب والفضة لو أمكن، وأباحه الشرع، أفضل، وذكر أواني الفخار والحنتَم ونهَى عن الطبخ في أواني النحاس".

12