المسلمون في الغرب بين مناقضين لمصالح هويتهم ومحاربين لخطاب اليمين

الثلاثاء 2016/03/01
معاداة للمسلمين في الغرب

أظهرت الأحداث في السنوات الأخيرة في أميركا أو دول الاتحاد الأوروبي اختلافا جذريا في تقييم الواقع الذي أصبح عليه المئات من العرب والمسلمين في تلك الدول بين الجيل الأول والجيل الثاني للهجرة وباقي الأجيال التي تلتهما. فالمجموعات الأولى التي هاجرت من المناطق العربية خاصة نحو دول كفرنسا وألمانيا وإيطاليا والولايات المتحدة الأميركية لها وجهة نظر خاصة بها في ما يتعلق بتنامي الخطاب اليميني المتطرف ضد تواجد العرب والمسلمين في الدول الغربية، أما الجيل الثالث والرابع فله نظرة خاصة تتجاوب مع صعوبات الواقع أكثر.

فقد لاحظ البعض من المراقبين في الفترة الأخيرة وجود عدد كبير من المسلمين يساندون دونالد ترامب في دعوته إلى عدم السماح بدخول المسلمين إلى الولايات المتحدة خوفا من أن يكونوا إرهابيين، كما أكدت وسائل إعلام فرنسية أن عددا كبيرا من الفرنسيين المسلمين ذوي الأصول العربية يساندون مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية المعروف بمعاداته للمهاجرين والمسلمين.

هذا الاختلاف في وجهات النظر فتح الباب أمام البحث عن أسبابه واستجلاء تطور هذا الموقف وما ستؤول إليه نتائجه. فقد كانت الخصائص المميزة للدول الغربية في الفترة الممتدة بين أواخر الستينات ونهاية الثمانينات من القرن الماضي مختلفة عن الواقع الذي بدأت تعيشه أوروبا مع أزمة التسعينات الاقتصادية والتي تضاعفت منذ سنة 2008 مع الأزمة العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة.

الطبيعة الصناعية والإنتاجية للمجتمع الغربي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى حدود نهاية الحرب الباردة كانت مستقطبة لليد العاملة من مناطق عديدة في العالم، خاصة الكفاءات العربية التي بدأت تتخرج كدفعات أولى من الجامعات بعد الاستقلال. فكان الذهاب إلى أوروبا أو أميركا أمرا واعدا نظرا لحاجة تلك الدول إلى العمال.

ظهرت بذلك التجمعات العمالية الكبرى والأحياء السكنية الخاصة والقوانين التي تنظم العمل ومتطلباته والتقاعد والمنح والجراية وغيرها، الأمر الذي مكن العرب والمسلمين من فضاءات وامتيازات تيسر عليهم الحياة باندماج كامل مع المجتمع الأوروبي والغربي عموما، لذلك فإن للجيل الأول والثاني من الهجرة مواقف تنتصر إلى العودة إلى تلك الفترة من الازدهار والاستقرار في ذات الحين.

الخطاب العنصري ضد المسلمين مرفوض ومقاربات الهوية التي تستهدف المسلمين هي مقاربات داعشية

أما عن الأجيال التي تلت تلك الحقبة الصناعية الجديدة، فإن الأمر مختلف تماما. فقد عرفت أوروبا اضطرابات اقتصادية عديدة منذ أواخر التسعينات أدت إلى تراجع نسب الطلب على اليد العاملة الأجنبية والتي يمثل العرب والمسلمون النسبة الأكبر منها، هذا بالإضافة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي أعادت حسابات العالم الغربي بشكل عام وأدت إلى تغيرات عميقة داخليا وخارجيا غيرت مجرى الاقتصادات والإجراءات الأمنية والصيغ السياسية في تلك الدول، فضلا عن غزو أفغانستان واحتلال العراق وتغيير الخارطة الجيوسياسية في أكثر من منطقة في العالم.

هذه التغيرات الداخلية والدولية التي أفرزتها عوامل متداخلة، أثرت بشكل مباشر على واقع الجاليات العربية والمسلمة في الدول الغربية. وقد تناسب ذلك مع ظهور تقسيمات جديدة للمهاجرين، من بينها الأجيال الأولى (المحظوظة) وأبناء تلك الأجيال، والقادمون الجدد والعابرون وغيرهم من الأصناف التي كتبت عنها المدونة السوسيولوجية الفرنسية بالأساس.

ولكل صنف من هذه الأصناف موقف إزاء سياسيي الغرب، فالأجيال الأولى “تحنّ” إلى الماضي الذي كانت فيه امتيازات وظروف اقتصادية واجتماعية أكثر رفاهية، وهو ما يعكس مواقفها الآن المساندة للتيارات السياسية اليمينية التي تدعو إلى وقف دخول المزيد من المهاجرين وخاصة المسلمين، وما يميز خطابها أنه مفعم بفزع الهوية وحماية الثقافات المحلية من التحولات التي تسببها أعداد المسلمين في الغرب.

ولعل من أبرز رواد هذا الخطاب السياسية الفرنسية مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليميني، والمرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة الأميركية دونالد ترامب الذي دعا صراحة إلى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة لأسباب أمنية.

أما في الوجه المقابل، فنجد عددا من الطلبة والوافدين الجدد يعارضون الخطاب “العنصري” الذي بدأ يروج منذ سنوات ضد انتماءاتهم الأصلية العربية أو المسلمة، وتساندهم في ذلك شخصيات سياسية بارزة ومفكرون وصحافيون يدافعون عن الانفتاح والتعددية والحقوق الكونية للإنسان، وأهم تلك الشخصيات نجد هيلاري كلينتون المرشحة الديمقراطية المحتملة للرئاسة الأميركية وجون لوك ميلونشون السياسي اليساري الفرنسي.

المسلمون الموالون لليمين في الغرب أساسا من الجيل الأول والثاني للهجرة الذين دخلوا أوروبا وأميركا أثناء الطفرة الاقتصادية، وهم الآن ضد كثرة المسلمين في الغرب نظرا للصعوبات الاقتصادية.

نحن مسلمون ونساند ترامب ومارين لوبان

بعد أن أثار دونالد ترامب، أحد المرشحين الجمهوريين للانتخابات الرئاسية الأميركية، ضجة في أوساط المسلمين والحقوقيين في الولايات المتحدة والعالم بدعوته لعدم قبول دخول المسلمين إلى أميركا، رصدت العديد من التقارير الإعلامية والحقوقية ظاهرة مساندة بعض المسلمين لمثل هذه الدعوات التي تعد مناقضة لمصالحهم في الدول الغربية.

ولا يتعلق الأمر فقط بدونالد ترامب ودعواته العنصرية، فقد أكدت وسائل إعلام فرنسية مناصرة فرنسيين مسلمين من أصول عربية لمارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية، وهو حزب يميني معروف بتوجهاته الرافضة للأجانب وخاصة العرب في فرنسا.

“إنه سيعيد أميركا، أريد أن أرى أميركا التي عرفتها وليست التي دمرها الرئيس باراك أوباما والرئيس السابق جورج دبليو بوش”. بهذا التصريح بدأ الأميركي إلهامي إبراهيم رجل الـ62 عاما، وهو مصري الأصل، في شرح وجهة نظره تجاه دعمه للمرشح الجمهوري المعادي للمسلمين دونالد ترامب.

انتقل إلهامي إبراهيم، رجل الأعمال، إلى الولايات المتحدة سنة 1981 وحصل على جنسيتها بعد ذلك بعقدين، وقال إبراهيم إنه انزعج من التحولات التي طرأت على المجتمع في مصر، حيث يرى أن نسبة البطالة العالية والفقر دفعا الكثير من الشبان المصريين إلى التطرف الديني.

ويدعم إبراهيم وبشدة اقتراح ترامب المرشح الجمهوري المحتمل للرئاسة الأميركية بمنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة إلى أن تستطيع السلطات تحديد من منهم يشكل تهديدا، رغم أن حظرا كهذا قد يسبب له شخصيا متاعب إذا سافر للخارج.

وقد كان هذا أحد الأسباب التي دفعت إبراهيم للاقتراب من ترامب بعد تجمع انتخابي في ميرتل بيتش بولاية ساوث كارولاينا، حيث ناداه وقال “أنا مسلم وأحبك”. ولا يجد إبراهيم مشكلة في دعوة ترامب “للعودة لتطبيق سياسات محاكاة الغرق بل وأسوأ منها” أثناء التحقيق مع من يشتبه أنهم إرهابيون. وقال إبراهيم “التعذيب يستخدم في مختلف أنحاء العالم، اليوم وغدا وأمس، على الأقل يتحدث ترامب عن هذا بشكل علني”. وأضاف إبراهيم أن أكثر ما يحبه في ترامب هو خلفيته كرجل أعمال. وقال إبراهيم عن ترامب إنه “سيعيد أميركا”، مضيفا “أريد أن أرى أميركا التي عرفتها وليست التي دمرها أوباما والرئيس السابق جورج دبليو بوش”، وأضاف أنه يريد رئيسا ينظر للمسلمين نفس نظرته.

مساندة اليمين في دول مثل فرنسا أو الولايات المتحدة أمر ضروري لتسترجع تلك الدول أنفاسها

وليس إلهامي إبراهيم فقط من ينظر إلى الزعماء السياسيين اليمينيين الرافضين للمسلمين بعين المساند، بل إن عددا من المسلمين في فرنسا أيضا يساندون حزب الجبهة الوطنية الذي تتزعمه مارين لوبان ابنة الزعيم اليميني المتطرف جون ماري لوبان.

“الكثير من زميلاتي وزملائي في الشرطة الفرنسية صوتوا لمارين لوبان دون أن يجرؤوا على قول ذلك، فهم من أصول عربية وخاصة من تونس والجزائر والمغرب”. بهذا القول أكدت مريم، الفرنسية المسلمة والتي تعمل في شرطة باريس، أنها تساند أفكار المحافظة مارين لوبان وقد صوتت لها في أكثر من مناسبة انتخابية لأن “لوبان تبحث عن مصلحة فرنسا والفرنسيين دون النظر إلى أديانهم”.

أما فريد السماحي، الفرنسي من أصل جزائري ويبلغ من العمر 59 عاما والذي جاء إلى فرنسا منذ سبعينات القرن الماضي في سن صغيرة ودرس وتخرج من جامعة باريس وتحصل على الجنسية الفرنسية، فقد أكد أنه على فرنسا “أخذ نفس الآن” واتباع سياسة حزب الجبهة الوطنية في التقليل من دخول العرب والمسلمين إلى فرنسا ومزاحمة الفرنسيين أنفسهم في بلادهم، “إذ يجب أن تكون نسب الدخول إلى فرنسا معقولة”، كما أكد أنه يساند مارين لوبان ومن قبلها أبيها جون ماري لوبان وقد أعطاهما صوته في الانتخابات الماضية. ويتأكد بذلك أن مهاجري الجيل الأول والثاني لهم حنين واضح للفترة الأولى التي جاؤوا فيها لأوروبا.

الخطاب اليميني في الغرب يستهدف المسلمين

بقطع النظر عن الأوصاف العديدة التي نعت بها عدد من السياسيين الأميركيين دونالد ترامب، إلا أن السواد الأعظم من المسلمين لا يتوانون عن كشف مخاوفهم وامتعاضهم من خطاب ترامب السياسي الذي وصفوه بأنه “عنصري وخطير”.

فبعد أن شبه الرئيسان المكسيكيان السابقان فيلبي كالديرون و فيسينت فوكس المرشح الجمهوري المحتمل للانتخابات الرئاسية دونالد ترامب بأنه “هتلر أميركا”، قالت المرشحة الديمقراطية المحتملة للانتخابات الرئاسية هيلاري كلينتون إن ترامب “عنصري إلى درجة أنه يفكر في بناء جدار عازل بين الولايات المتحدة والمكسيك”، وذكرت كلينتون أن عنصرية ترامب شملت أيضا المسلمين “وهذا مرفوض”، حسب قولها.

المسلمون في دول غربية: يعتبر الجيل الثالث والرابع من المهاجرين باعتبارهم أكثر الأجيال حساسية ضد الخطاب اليميني المتطرف، نظرا لوجودهم في ظرف أزمة عالمية بما جعلهم ضحايا التحريض السياسي ضدهم.

وقد أكد المسلمون في دول عديدة أن تصريحات ترامب، ولئن صدرت في الولايات المتحدة الأميركية، إلا أنها تمس من سمعتهم في دول أخرى، وقد قام عدد من البريطانيين المسلمين بإطلاق عريضة لإدراج دونالد ترامب في قائمة الممنوعين من الدخول إلى بلدهم. ورغم عدم الحاجة إلى أكثر من 100 ألف توقيع، فاق مجموع الموقعين على العريضة 427 ألفا. وحسب القانون البريطاني فإن البرلمان مجبر على الاجتماع لمناقشة أي عريضة يفوق عدد موقعيها 100 ألف.

كما أدان مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية تصريحات ترامب، وقال المدير التنفيذي للمجلس نهاد عوض إن تصريحاته تأتي ضمن حملة التخويف والتحريض التي ينتهجها عدد من المرشحين ضمن حملة أوسع معادية للإسلام والمسلمين في الولايات المتحدة. وتابع أن هذا “التصريح شائن من شخص يرغب في تولي أعلى منصب في هذا البلد”، وخلص إلى أنه “تهور، وببساطة تصرف غير أميركي، ترامب يبدو كأنه زعيم لغوغاء وليس لأمة عظيمة مثل أمتنا”.

وقد وصل الأمر ببعض الدول العربية إلى معاقبة ترامب ماليا ومحاصرته، خاصة دولة الإمارات العربية المتحدة التي قالت إن مجموعة لاندمارك الإماراتية ستسحب منتجات ترامب من متاجرها. وكانت لاندمارك قد أبرمت اتفاقا حصريا مع شركة “ترامب هوم ماركس انترناشونال” لبيع منتجاتها التي تشمل الإضاءة والمرايا وصناديق المجوهرات في متاجر تابعة لها في الكويت والإمارات والسعودية وقطر.

وليست ردود الأفعال التي امتعضت من خطاب ترامب ضد المسلمين مقتصرة فقط على ما قاله دونالد ترامب، بل إن ردود الأفعال تقريبا ذاتها وجهت ضد اليمينية الفرنسية مارين لوبان التي تتعلق بها عدة قضايا في انتقاد المسلمين والمس بمشاعرهم والمجاهرة بخطاب عنصري ضدهم.

فقد مثلت زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبان أمام محكمة مدينة ليون بتهمة الكراهية العنصرية، لتشبيهها صلاة المسلمين في الشوارع بالاحتلال النازي. وقد كان رد عدد من المسلمين على ذلك بوصفه “قمة في العنصرية والخلط المتعمد بين النازية العنصرية الهتلرية وبين مسلمين يؤدون طقوسهم في دولة فيها قوانين تحفظ هذا الحق”، وذلك حسب مريم العش، وهي طالبة هندسة معمارية تونسية الأصل تحمل الجنسية الفرنسية والتي تحصلت عليها مؤخرا.

ويقول الصحافي الفرنسي من أصل مغربي جون جاك بوردان إن خطاب زعيمة حزب الجبهة الوطنية مارين لوبان يتطابق مع خطاب تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية، مضيفا أن “تعاطي الجبهة الوطنية مع الهوية بالمقاربة التي يعتمدها تنظيم الدولة الإسلامية يعد من المؤشرات الخطيرة التي تكشف انحدار الطبقة السياسية الفرنسية إلى مستوى تبادل عقليات وأيديولوجيات التطرف ورفض الآخر والانغلاق”.

وأكد الطالب محمدو يارا، الذي قدم من السنغال لمواصلة دراسته في اللغة الفرنسية، أن “المسلمين لا يكنون شعورا بالعداء للأوروبيين سواء في موطننا أو في موطنهم، والأمر لا يتجاوز فقط أن دعوات عنصرية تروم الوصول إلى السلطة عبر شيطنة المسلمين واستعمالهم سلما للصعود”، مضيفا أن “تلك الحملات تساندها وسائل إعلام عديدة تزيد الأمور تعقيدا لدى الرأي العام”.

12