المسلمون والعنصرية مفردات الخطاب السياسي الأميركي

قضية التسامح بين أتباع الديانات والطوائف تعد في هذا الظرف الدولي المتحرك قضية مركزية داخل سياسات ونظم الحكم في العالم، فحتى الدول التي عرفت عبر التاريخ المعاصر بأنها دول راعية للحريات الفردية وحرية المعتقد والعبادة أصبحت اليوم في قلب الجدل حول الأقليات الدينية والتعايش. فمنذ أن صرح دونالد ترامب المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية بأنه سيمنع المسلمين مؤقتا من دخول أميركا، والجدل مستمر حول المسلمين الأميركيين الذين أصبحوا يؤثثون الخطاب السياسي الأميركي.
الخميس 2016/01/14
رسالة إلى ترامب

واشنطن- مثلت مسألة التسامح داخل المجتمع الأميركي مادة دسمة للخطاب السياسي في الولايات المتحدة ومحركا جديدا للجدل العام في البلاد، وذلك بعد سلسلة من التصريحات العنصرية الصادرة عن سياسيين مرشحين بقوة لتولي مناصب عليا في البلاد في الانتخابات القادمة، أهمها رئاسة البيت الأبيض.

فبعد ردود الأفعال حول خطاب دونالد ترامب المرشح الجمهوري للانتخابات الرئاسية الذي دعا فيه إلى منع المسلمين من دخول الولايات المتحدة بتعلة مكافحة الإرهاب، استغل الرئيس الأميركي الحالي باراك أوباما فرصة إلقائه خطابا أمام الكونغرس للتذكير بالخطاب المتطرف وانتقاده. واتهم أوباما منتقديه الذين أشار إلى أنهم يشجعون العنصرية “بإعطاء ميزة لتنظيم الدولة الإسلامية والتشجيع المباشر على استدراجهم للقيام بهجمات داخل أميركا”، وذلك في خطاب يهدف إلى طرح رؤية متفائلة لآخر عام له في المنصب. وقال أوباما الذي يلقي آخر خطاب له عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس قبل أن يترك منصبه العام المقبل “إن إهانة المسلمين أضرت بالولايات المتحدة وخانت هويتها”، في إشارة إلى أن المنظومة الدستورية والقانونية الأميركية تدين الخطاب العنصري وتجرمه.

وأضاف أوباما “عندما يهين الساسة المسلمين، هذا لا يجعلنا أكثر أمنا”، وهو ما أثار موجة تصفيق من الحاضرين في قاعة مجلس النواب، مؤكدا أن ما قام به ترامب ومن بعده عدد من السياسيين والمناصرين وقيادات في الرأي العام المحافظ الأميركي يعد خطرا على الأمن القومي، وقال في السياق “هذا خطأ كبير، وهذا يقلل من شأننا في عيون العالم، الخطاب العنصري بشكل عام يجعل من الصعب علينا أن نحقق أهدافنا”.

الخطاب العنصري ضد المسلمين يشجع التطرف ويستدرج الدولة الإسلامية لمهاجمة أميركا

ويتصدر رجل الأعمال دونالد ترامب مرشحي الحزب الجمهوري للفوز ببطاقة الترشح لانتخابات الرئاسة التي ستجرى في الثامن من نوفمبر ليخلف أوباما، ودعا ترامب إلى منع دخول المسلمين بشكل مؤقت إلى الولايات المتحدة وإلى بناء جدار على الحدود الأميركية مع المكسيك لمنع تدفق المهاجرين غير الشرعيين، وكلها أفكار يعارضها الديمقراطيون بشكل قاطع، وحتى بعض الجمهوريين أيضا، فقد استغلت حاكمة ولاية أميركية تنتمي إلى الحزب الجمهوري أضواء رد حزبها على خطاب حول حالة الاتحاد للرئيس باراك أوباما لتنأى بنفسها عن المرشحين الجمهوريين للرئاسة داعية إلى التسامح مع المهاجرين.

وفي تصريحات اعتبرها البعض توبيخا لدونالد ترامب المرشح الأوفر حظا لنيل ترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة، قالت نيكي هيلي حاكمة ولاية ساوث كارولاينا “خلال فترات القلق قد يكون السير خلف أكثر الأصوات غضبا أمرا مغريا”. وتابعت “لابد أن نقاوم هذا الإغراء، لا ينبغي أبدا أن يشعر أي شخص مستعد للعمل بجد وملتزم بقوانيننا ومحترم لتقاليدنا بأنه ليس موضع ترحيب في هذا البلد”.

ويشار إلى أن نيكي هيلي هي ابنة مهاجرين هنديين، وقد عانت كثيرا من التمييز العنصري ضدها داخل الحزب الجمهوري. وقوبلت تصريحات هيلي في مدينة كولومبيا بساوث كارولاينا بهجوم من بعض المحافظين، وكتبت آن كولتر وهي كاتبة مقالات محافظة على تويتر “على ترامب أن يقوم بترحيل نيكي هيلي”، الأمر الذي أثار ردود أفعال منددة بهذه العنصرية على مواقع التواصل الاجتماعي.

نيكي هيلي: لا ينبغي أن يشعر أحد ملتزم بقوانيننا بأنه منبوذ في دولة أميركا

وهيمنت قضية الهجرة على حملات دعاية الجمهوريين لانتخابات الرئاسة الأميركية التي من المقرر أن تجرى في الثامن من نوفمبر. وأثار ترامب جدلا بسبب تصريحاته اللاذعة حين قال إنه سيبني جدارا على الحدود مع المكسيك لمنع المهاجرين غير الشرعيين وسيجبر المكسيك على دفع تكلفته إذا فاز بالرئاسة.

وقال الرئيس الديمقراطي باراك أوباما إن منتقديه يعطون ميزة للدولة الإسلامية من خلال وصف قتال الجماعة المتشددة بحرب عالمية ثالثة حتى وهو يعترف بأن الجماعة وتنظيم القاعدة يمثلان تهديدا مباشرا للشعب الأميركي، مؤكدا أن مثل هذه التصريحات تعد “تضخيما لعدو صغير وجب القضاء عليه عسكريا وثقافيا واقتصاديا”، في إشارة إلى تحسين وضع المهاجرين بشكل سريع وفعال داخل المنظومة الاجتماعية الأميركية.

وفي سياق التفاعل مع خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي حث فيه المجتمع المدني الأميركي على الحفاظ على التماسك بين الأديان والطوائف التي تعيش في أميركا، أصدر مجلس “شيكو” للحوار بين الديانات، في مدينة شيكو بولاية كاليفورنيا، بيانا دعا فيه سكان المدينة إلى مد يد الصداقة والتضامن إلى الجالية المسلمة. وأكد رئيس المجلس، جيم هانسون، في هذا البيان أنه على أفراد مختلف الجاليات الدينية مساعدة بعضهم البعض في كل الظروف.

وقال في البيان إن “المجلس يطالب المواطنين بالانضمام إلى أعضائه من أجل مد يد الصداقة والتضامن إلى أفراد الجالية المسلمة التي تعيش في الولايات المتحدة الأميركية باعتبارهم مواطنين يرغبون في العيش بسلام”، وأضاف البيان “في هذه الظروف الصعبة، علينا ألا نشعر بالخوف من جيراننا”. كما أكد رئيس مجلس شيكو أن خطاب أوباما أمام الكونغرس يعد “إشارة قوية إلى أن الدولة الأميركية لن تتأثر بأي دعوات عنصرية ضد المسلمين على الإطلاق”.

13