المسلمون يتذكرون خصال رسولهم الكريم بالأناشيد والابتهالات الصوفية

الاثنين 2015/01/05
تزينت شوارع مدينة سلا المغربية بالشموع وطقوس صوفية في ذكرى المولد النبوي

عواصم- الاحتفالات بالمولد النبوي في البلدان العربية الإسلامية، لم تخفت جذوتها منذ قرون رغم تقدم الحياة المعاصرة، ولا تقل مكانة ذكرى مولد خاتم الأنبياء محمد عليه الصلاة والسلام في المخيلة الشعبية لدى المسلمين عن سائر الأعياد الدينية.

احتفلت البلدان العربية الإسلامية السبت بذكرى المولد النبوي الشريف، حيث صدحت مساجد وزوايا مدنها بالأذكار والمدائح النبوية على الطريقة الصوفية.

وأوقدت مشاعل البخُور وتليت آيات القرآن الكريم، وأنشدت المدائح المتغنية بخصال الرسول الكريم وسيرته في ذكرى مولده في العديد من المساجد والزوايا في مختلف البلدان الإسلامية، وكانت الطرق الصوفية المتعددة أبرز ما ميز تلك الاحتفالات.

وفي المملكة المغربية احتفت المساجد بليلة ذكرى المولد النبوي، بتلاوة الأذكار وإنشاد المدائح، وعمت روائح البخور الزكية زوايا الحلقات الصوفية، فيما حرص الرجال والنساء على حد السواء، على ارتداء الألبسة التي يحضرونها قبل أسابيع من حلول هذه المناسبة، فترتدي النساء “القفاطين” المغربية المطرزة بالزخارفة التقليدية، بينما ينتعل الرجال “البلغات” (أحذية مغربية تقليدية مصنوعة من الجلد)، ويلبسون الجلاليب المغربية الأصيلة.

واستقطبت الزاوية التيجانية بمدينة فاس (شمال شرق)، وهي إحدى أهم الزوايا الصوفية في العالم الإسلامي وخاصة أفريقيا، الآلاف من مُريديها من مختلف أنحاء المغرب لإحياء ليلة المولد النبوي.

فيما أحيت الزاوية البودشيشية، إحدى أشهر الطرق الصوفية في المنطقة، عيد المولد النبوي في أجواء طقوسية لافتة، أما في مدينة سلا (قرب الرباط) فقد انطلق موكب “الشموع″ من ضريح زاوية مولاي عبدالله حسون، حيث حمل المُحتفلون شموعا مُلونة وضخمة وطافوا بها أسوار المدينة القديمة في عادة احتفالية تعود إلى مئات السنين.

الزي المغربي يحضر في الاحتفالات بذكرى المولد النبوي

وقال زبير التجاني مقدم (مسؤول) الطريقة التيجانية بمدينة فاس، إن “الطريقة التجانية تضم نحو 350 مليونا من الأتباع عبر العالم”،

لافتا إلى أن “احتفالات ذكرى المولد النبوي شهدت تجمع المئات من أتباع الطريقة التيجانية الصوفية، الذين قدموا من 12 بلدا”.

وهذه الجنسيات، حسب التجاني، “مالي، تونس، إندونيسيا، المغرب، الجزائر، نيجيريا، السنغال، موريتانيا، إيطاليا، فرنسا، أسبانيا، الغابون”. وتضم فاس، العاصمة الروحية للمغرب، مقام (ضريح) الشيخ أحمد التيجاني، مؤسس هذه الطريقة الصوفية في القرن الثامن عشر ميلادي.

وتزينت شوارع مدينة سلا العتيقة (قرب العاصمة الرباط) مساء السبت بالشموع واصطفت على جنبات الطرقات النسوة والصغار لمتابعة مرور موكب الشموع بإجلال، مرددين ابتهالات صوفية.

وأقام مريدو الزاوية الحسونية في سلا، احتفالهم الفريد من نوعه، إحياء لذكرى مولد الرسول، فكانت ليلة مضاءة بالشموع التي وضعت على هياكل خشبية مزخرفة حملها شبان يرتدون ملابس لا تقل صخبا عن ألوانها.

وفي مقدمة الموكب يصطف شيوخ الزوايا الصوفية ومريدوهم بلباس تقليدي، ومعهم فرق موسيقية تقليدية، تنقر الطبول والدفوف، مرفوقة بزغاريد النساء وعبارات الصلاة والسلام على النبي الكريم، فيما تتوالى على طول الموكب الفرق الموسيقية الروحية المنتمية إلى طرق صوفية عديدة في المغرب، كموسيقى “حمادشة” و”كناوة” و”عيساوة” وغيرها.

ولم تكن الأجواء المغربية في ذكرى المولد النبوي الشريف بعيدة عن تلك التي أقامها التونسيون الذين اجتمعوا في زاوية “سيدي بوسعيد الباجي”، وهو “مقام صوفي”، معروف يقع في الضاحية الشمالية للعاصمة تونس، وسط أجواء من الروحانيات وترديد الأناشيد الصوفية.

وتجمع العشرات من الشيوخ والنساء والشباب، في محيط زاوية سيدي بوسعيد الباجي، للاستماع إلى الأناشيد الصوفية والمدائح والأذكار وقصة المولد النبوي الشريف.

وتم إشعال الشموع ووضع البخور في المقام من قبل بعض النسوة، بغرض “التبرك” به. كما تم توزيع بعض المرطبات والحلويات التونسية التقليدية على الضيوف.

وحسب المؤرخين تعود المقامات والطرق الصوفية في تونس إلى القرن الـ 12 ميلادي، وهي تنتشر في مختلف المدن التونسية كي تمنحها وفق المعتقد الشعبي “بركة أو يدفع عنها ضررا”.

وفي العاصمة المصرية، حيث مقر المشيخة العامة للطرق الصوفية، انطلق موكب صوفي من مسجد سيدي صالح الجعفري في وسط القاهرة عقب صلاة العصر، متجها نحو ميدان الحسين (وسط)، حيث احتشد الآلاف لترديد قصائد مديح في حب الرسول.

ومن المشاهد التي تتكرر في أغلب المحافظات المصرية مواكب الاحتفال أو ما يعرف بـ “دورة المولد”، التي يخرج فيها المحتفلون في حشود مرددين الأهازيج والمدائح، غير أن هناك بعض المحافظات تضيف إلى هذا المشهد، طابعا خاصا بها.

احتفالات شعبية بمناسبة المولد النبوي تميز المدن الإثيوبية

ففي أقصى الجنوب في محافظة الأقصر، استيقظ الأهالي فجرا، لانتظار شروق الشمس فوق أسطح منازلهم، اعتقادا منهم أنها “ترقص” في أول دقائق من ظهورها، فرحا بمولد النبي (صلى الله عليه وسلم).

وتزامن مع ذلك، مشهد “دورة المولد” التي امتدت لنحو 4 كيلو مترات بالقرب من معبد الكرنك الفرعوني، في طقوس شعبية ودينية ارتبطت بالمنطقة منذ مئات السنين.

واصطف الآلاف من أهالي الأقصر لمشاهدة “دورة المولد”، حيث يتنافس شباب العائلات والقبائل وأبناء المنطقة الواحدة في ظهور موكبهم بأفضل صوره، فيقومون بتزيين السيارات الكبيرة ويحملون عليها مكبرات صوت تبث الأغاني والمدائح النبـوية.

وتستعين بعض العائلات بمنشدين يتفردون بأناشيد المديح والذكر، يجلسون في المواكب برفقة فرقهم التي تعزف الموسيقى التراثية أعلى السيارات ويقدمون أغانيهم التي يعدونها خصيصا لهذا اليوم، ويقوم الأهالي بإلقاء حلوى المولد من النوافذ ومن أعلى الأسطح لتحية المحتفلين بالمولد.

وفي العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، نظم المجلس العالي الإسلامي حفلا ألقيت فيه الأناشيد الدينية والمدائح النبوية، التي تعرف محليا بـ “منظومة”.

وقال أحمد عبدالرحمن، رئيس المجلس العالي الإسلامي بأديس أبابا، خلال كلمته بالحفل إن “الاحتفال بالمولد النبوي، يعتبر من أهم ما يميز مسلمي إثيوبيا”، مؤكدا ضرورة “أن يكون اليوم، يوم تسامح وذكر وعودة إلى الله”.

وتأخذ مظاهر الاحتفال بذكرى المولد النبوي في إثيوبيا، شكل المهرجانات والاحتفالات الكبرى، حيث يحتشد المسلمون الإثيوبيون في المساجد للمشاركة في هذا اليوم، وهم يكبرون ويهللون، معبرين عن فرحتهم بميلاد النبي محمد خاتم المرسلين. ويعتبر هذا اليوم عطلة رسمية في الدولة التي يغلب على المسلمين فيها الانتماء إلى الجماعات الصوفية.

20