المسلمون يشاركون اليهود حجهم إلى الغريبة في جربة

في شهر مايو من كل عام يسترجع كل تونسي ولد في جزيرة جربة الواقعة جنوب شرقي تونس، ذكريات طفولته عندما كان شاهدا على قصة تعايش بين المسلمين واليهود خلال حج الغريبة، وهو حدث يعتبر اليوم غريبا فعلا نظرا لما يشهده العالم من تناحر بين الأقليات الدينية والطائفية.
الجمعة 2016/05/27
شموع التسامح ليست غريبة على جزيرة الأحلام

جربة (تونس) - جسر واحد يسمى “الطريق الرومانية” أو “القنطرة” وعبارة تسمى “البطاح” هذا كل ما يربط جزيرة جربة بباقي تونس لكن جزيرة الأحلام الهادئة الغارقة في عالمها الخاص تتحول في شهر مايو من كل سنة إلى مزار ديني وسياحي ونموذج فريد من نوعه في التعايش بين الأديان، يثير فضول واستغراب العالم ليكون حج الطائفة اليهودية في الجزيرة اسما على مسمى “الغريبة”.

الغريب في الأمر هو تلك الطقوس التي يؤديها اليهود التونسيون والسياح الذين يزورون جربة سنويا، ويشارك فيها أيضا أهل الجزيرة من المسلمين في بلدة “الحارة الكبيرة”.

وشهد معبد “الغريبة” وهو أحد أقدم المعابد اليهودية في العالم، الأربعاء، توافد السياح من جميع أنحاء العالم وخاصة اليهود الذين هاجروا من تونس قبل عقود، وتواكب هذا الحدث السنوي العديد من وسائل الإعلام العالمية بانتباه شديد.

وأشرفت على الافتتاح الرسمي لحج اليهود هذه السنة وزيرة السياحة والصناعات التقليدية، سلمى اللومي الرقيق، التي أكدت أن تونس كانت وستبقى بلد المحبة والتعايش بين الأديان والتسامح بين الحضارات، معتبرة أنّ نجاح هذه التظاهرة الدينية الهامة مؤشر قوي على نجاح الموسم السياحي الحالي ورسالة طمأنة للسياح الموجودين فى تونس أو الراغبين فى زيارتها.

وأدى اليهود في اليوم الأول من الحج صلواتهم وقرأوا التوراة، وكتبوا أمنيات على البيض، وأودعوها جوف مغارة صغيرة تقع في الغرفة الداخلية الصغيرة للكنيس، وهي غرفة لا يسمح بدخولها دون وضع “الكيبة” أو غطاء على الرأس.

وتجمع الزوار في اليوم الثاني لغناء أجمل الأغاني الشعبية التي تتميز بها الجزيرة على إيقاع “الدربوكة” ثم توجهوا إلى الكنيس مشيا على الأقدام لتنتهي رحلتهم بتقديم الهبات المالية إلى أحبار الكنيس. ثم دفع المحتفلون في المساء عربة عليها منارة منقوشة بالأدعية إلى خارج الكنيس في اتجاه الحارة الصغيرة ليعودوا بعدها مرددين الزغاريد وأغاني من الموروث الشعبي التونسي.

كما توافد الزوار في الصباح إلى المعبد لإقامة الصلوات وإشعال الشموع للحصول على بركة حاخاماته قبل ذبح الخراف والقرابين لإعداد الأكلات الشعبية المعروفة في تونس ليختتم الاحتفال باحتساء نبيذ “البوخا”، وهو نوع من الخمور المحلية، في ختام الحج.

الحج إلى (الغريبة) يعد مناسبة هامة جدا بالنسبة إلى الفتيات اليهوديات خاصة المقبلات على الزواج أو اللواتي يبحثن عن عريس، حيث تتجمل البنات ويتزين خلال الحج أملا في الفوز بفارس الأحلام من الشباب القادمين من مدن تونس أو من الخارج

ودأب بعض المسلمين “الجرابة” (سكان جربة) على مشاركة اليهود طقوس “الغريبة” خاصة في نهاية الحج رغبة منهم في معرفة المزيد عن تقاليد اليهود وطقوس احتفالاتهم، خصوصا أن سكان الجزيرة من المسلمين تعودوا على التعايش مع اليهود الذين يشاركونهم المدارس والتجارة وجميع المرافق العمومية دون أي تمييز.

وتتوجه العديد من الفتيات المسلمات في جربة إلى المعبد خلال الحج محملات بالبيض ليكتبن عليه أمانيهن قبل تركها في مكان مخصص أملا في تحققها باعتباره مكانا مباركا، وهو ما تقوم به الفتيات اليهوديات سنويا خلال الحج لتحقيق أحلامهن حسب الاعتقادات اليهودية.

وقال يوسي، وهو تاجر يهودي من جزيرة جربة، “إن تلك العادة التي يشارك فيها المسلمون أحيانا اليهود تؤكد حالة التعايش السلمي والتسامح بين التونسيين أيا كانت ديانتهم”.

وتابع “من كانت لديه أمنية يتعلق ولو بخيط أمل، لذلك من تتمنى أن تتزوج أو أن تنجب حتى من المسلمات تأتي إلى الغريبة وتكتب أمنيتها على بيضة وتتبرك بالمقام”.

ويعتبر الحج إلى ‘الغريبة’ مناسبة هامة جدا بالنسبة إلى الفتيات اليهوديات خاصة المقبلات على الزواج أو اللواتي يبحثن عن عريس، حيث تتجمل البنات ويتزين خلال الحج أملا في الفوز بفارس الأحلام من الشباب القادمين من مدن تونس أو من الخارج خلال يومين فقط.

ومعبد ‘الغريبة’ الذي توجد فيه واحدة من أقدم نسخ التوراة ليس مكانا للعبادة فقط في جربة بل هو أيضا نقطة تجمع لواحدة من أقدم الجاليات اليهودية في العالم.

ولا يؤدي اليهود التونسيون طقوسهم وتقاليدهم خلال أيام حج ‘الغريبة’ فقط بل أسبوعيا، حيث تعود سكان جربة على توقف تجارتهم ومصالحهم مع اليهود كل يوم سبت الذي يقام فيه ‘السبات’ وهو يوم راحة مقدس لا يؤدي فيه اليهود أي عمل كان”.

24