المسلم المهاجر إلى الغرب: ضرورة العبور بالوعي من الحرب إلى السلام

المهاجر الذي يضيق ذرعا بالحروب والكوارث في بلاده المسلمة، فيتخذ قرار الهجرة فرارا من الاستبداد أو من التطرف أو منهما معا. يصل إلى أوروبا حاملا أمتعته، وقيمه وأخلاقه ومعاييره التي استبطنها من بيئته على مدار عقود، يعيش، حتما، حالة من الاغتراب والضياع لا بسبب اختلاف المكان واللغة، بل لتمسكه بأفكاره المحلية، وإصراره على العيش وفقها أو محاولة فرضها على المجتمع المضيف. المهاجر العربي المسلم إلى أوروبا إما أن يعيش في مجتمع هاجر إليه بوعي جديد مستعد للتعايش معه، أو أنه ينقل أفكارا فرّ منها في الشرق ليعيد إنتاجها في الغرب، وعندها تكون عائقا أمام التعايش ويتحوّل المهاجر إلى خطر على أوروبا.
الخميس 2016/04/14
كيف لهذه الضيافة أن تنجح

ما أهمية التفكير بتقسيم العراق ومخططات الشرق الأوسط الجديد إذا كان الإنسان الفرد نفسه في محنة وجودية ثقافية؟ ما أهمية الاجتياحات الكبرى التي تقودها الدول العظمى إذا كان الإنسان الفرد في الشرق عاجزا عن فهم العالم والعصر؟ كيف نتعايش كأمم وشعوب مع الآخر إذا كان الفرد المهاجر بعد ربع قرن في الخارج عاجزا عن التعايش؟

كيف نتسامح مع الثقافات ونحن لا نتسامح مع أنفسنا وإخوتنا وحبيباتنا؟ كيف يعمّ السلام في البلاد والعائلة نفسها في حالة تطاحن؟ بل الفرد نفسه يعيش عواصف وعذابا نفسيا. إن دور المثقف في العراق لم يكن مهما يوما كما هو مهم اليوم. ولا بد من استحضار الأرواح العظيمة في معركة كبيرة كهذه، استحضار النبي وبوذا وكارل ماركس وفريدريك نيتشه وكل المصلحين والمحررين الكبار.

إن عبورك الحدود إلى ألمانيا هو أقصر الطرق إلى العالم الجديد، ولكنه لا يعني أنك قد وصلت. يجب أن تعبر بوعيك من الحرب إلى السلام، من النشيد إلى الأغنية، من الغيب إلى الشهادة، ومن الغموض إلى نور العقل. عقل الجسد، أي القبول والتسليم للحقيقة في الحياة.

لو كنا سعوديين مثلا لكان من المعقول أن نقول إن للغرب ثقافته ونحن لنا ثقافتنا. المشكلة نحن مجتمع هجرة. ألا يتطلب ذلك الحديث قليلا عن هذا الموضوع الخطير؟ الإسلام السياسي يتذابح في العراق والشعب يهاجر إلى أوروبا تاركا بلاده.

المعركة بين مدينة النجف ومدينة الموصل هي معركة بين الكبت والكبت، فما هي حرية المرأة في المدينتين المحافظتين؟ هما مدينتان دينيتان لهما المجد، بينما مدينة ساحلية منفتحة كالبصرة لا قيمة لها سياسيا فهي مدينة متحررة وكذلك العاصمة بغداد. السلطة للمدن المتشددة كالنجف وكربلاء والفلوجة والموصل، وبينها يجلس المثقف حائرا.

صديقي النجفي حسين الخطيب يقول “احنه بالنجف عدنه العشگ (العشق) ممنوع وعدنه كل الناس شرطة”. ونوري المالكي يقول مؤخرا هناك مؤامرة لانتزاع السلطة من المشروع الإسلامي الشيعي. وداعش تريد القضاء على كربلاء “المنجسة” و”النجف الأشرك” والشعب يشعر بالهلع ويستمر بالهجرة. حتى في مدينة كردية مثل أربيل انتقلت كآبة التشدد، فهي تنام الساعة السادسة مساء، ويختنون النساء في القرى.

نرفض التسامح مع بعضنا البعض فتنهار الدولة ونهاجر إلى أوروبا، ثم نرفض القيم الغربية ونتحول إلى خطر على أوروبا

القضية الأهم كيف تعيش في الغرب وأنت تعتقد بأن الأجنبي كافر؟ كيف لهذه الضيافة أن تنجح. تعتقد بأن الغربي ليس “شريفا” وعندك ملاحظات على زوجته وبناته وأخواته وأمه. والدولة لا ترد عليك، بل تتعاطف معك كضحية لصدمة الحضارات. يطلبون منك إيصال الأولاد إلى المدرسة فقط. ثم فجأة نسمع بالصدمات التي هي قضية طبيعية جدا بسبب عدم وجود رغبة بقبول الآخر.

الأطفال في المهجر يكتشفون الحقيقة مع الوقت ويشعرون بطمأنينة أكبر مع الأجانب. الولد يقول لماذا أمي ليست بهذا التوازن الذي عليه السيدة البيضاء؟ لماذا أبي ليس كهذا الرجل العقلاني والد صديقي الأشقر؟ هناك مشكلة تمتد إلى الجيل الثاني والثالث في الهجرة. نحن نريد أن نهاجر وأن نبقى على ثقافتنا. رجل عراقي أصبح مدمن مخدرات لأن ابنته اتخذت عشيقا في أميركا وأنجبت منه، وآخر لبناني قتل ولده لأنه من المثليين.

الذي أقصده وبإخلاص أن القيم جميلة في عالمها. القيم الإسلامية جميلة في السعودية وتركيا والشارقة مثلا، والقيم الغربية جميلة في كندا وفرنسا ولندن. حتى الهجرة يجب أن تكون ثقافية كأن يكون هناك رجل معجب بالإسلام فيترك باريس ويذهب للعيش في إسطنبول أو مكة، أو هناك رجل معجب بالقيم الغربية فيذهب للعيش في الغرب ويندمج معها. المشكلة هي في هجرات الحروب حين يحمل الإنسان قيما تختلف عن قيم المجتمع ويعيش حالة اغتراب بسبب الجوع والحروب في بلده.

نحن نتكلم عن أزمات أكبر من مقتدى الصدر والعدناني والحكيم، بل هؤلاء هم سبب ما نعيشه من كوارث. وإلا ما معنى أن يقول السيد عمار الحكيم بأن أزمة الحكم الشيعي هي أزمة هوية؟ ويرد عليه المالكي بوجود مؤامرة على المشروع الإسلامي الشيعي؟ هؤلاء مصرون على الكارثة وتشريد الناس، وآن الأوان لأن تتحمل الدول العربية مسؤوليتها تجاه بغداد والعراق عموما. العراق بلد عربي مهم واستراتيجي، وينبغي إلغاء التقسيم السياسي الطائفي فيه لأن هذه النار ستحرق الجميع.

ما هي الهجرة في النهاية؟ نحن نرفض القيم العصرية والمدنية في بلادنا، نرفض التسامح مع بعضنا البعض فتنهار الدولة بالحروب الأهلية ونهاجر إلى أوروبا، ثم هناك نرفض القيم الغربية ونتحول إلى خطر على أوروبا. لهذا بدأ العالم يعيد المهاجرين ويضغط باتجاه تثبيت الشعوب في أرضها. نحن ربما وبسبب انهيار الدولة العراقية منذ الاحتلال لم نعد نمتلك عقلا، إلا أن الدول العربية تمتلك هذا العقل وعليها إيجاد حلول للمأساة العراقية.

13