المسيحيون العرب.. أهمية الحضور وتدبير الاختلافات

المؤتمر العالمي الثالث لرابطة الكنائس الإنجيلية بالشرق الأوسط، الذي انعقد في لبنان مؤخرا تحت عنوان “الإنجيليون والحضور المسيحي في المشرق”، يلقي الضوء على التحديات والمخاطر التي تواجه مسيحيي الشرق، وبإمكانه أن يقترح الحلول التي تبدأ بضرورة نبذ الخلاف داخل الكنائس المسيحية، لمواجهة ما يتعرض له المسيحيون من اعتداءات على أيدي الجماعات التكفيرية.
الخميس 2016/12/01
وحدة الصف المسيحي مطلب الجميع

القاهرة – تحقيق التقارب والتنسيق بين الكنائس الإنجيلية في الشرق، خاصة في مصر وسوريا ولبنان والأردن، يمكن أن يساهم بشكل كبير في تحقيق الوحدة المسيحية الشاملة، ويقوي دور المسيحيين في مواجهة التحديات وتحقيق السلام، خاصة بعد اللقاء التاريخي والمهم الذي عقد في السويد مؤخرا، بحضور البابا فرنسيس وعدد من القيادات الإنجيلية والكاثوليكية في العالم، وقد تمّ التوقيع فيه على وثيقة المصالحة بين الكنيستين الكاثوليكية واللوثرية.

وكان استقبال الرئيس اللبناني ميشيل عون، بقصر بعبدا، لعدد من قيادات رابطة الكنائس الإنجيلية بالشرق الأوسط، برئاسة القس أندريه زكى رئيس الرابطة، ورئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، قد أثار تساؤلا حول الدور الذي سوف يسهم به انتخاب رئيس جديد للبنان في دعم هذا الوجود المسيحي، وعن دور رابطة الكنائس الإنجيلية في ذلك.

واعتبر كمال زاخر الباحث القبطي، أن الانقسام الديني كان أحد أكبر التحديات التي واجهت المسيحيين في المشرق، حيث أن هناك العديد من الطوائف والمذاهب المسيحية، وفي داخل كل طائفة مذاهب متنافسة وغير موحدة، وقد أضعف هذا الانقسام وحدة المسيحيين وأثّر سلبا على دورهم في المجتمع.

وأشار زاخر إلى أن رابطة الكنائس الإنجيلية في الشرق الأوسط، والتي نشأت في عام 1974، تعد نموذجا لتحقيق الوحدة المسيحية بين الإنجيليين في المشرق العربي، وتستهدف العمل المشترك من أجل دعم الاستقرار والسلام في المنطقة، في ظل التحديات التي تواجهها خاصة الحرب في سوريا، وقال إن استقبال الرئيس اللبناني لرابطة الكنائس الإنجيلية، كان رسالة واضحة، وهي الرغبة في التعايش بين الجميع.

التنظيمات المتشددة تسعى إلى طمس الهوية المسيحية والقضاء على التنوع الديني والعرقي، الذي يتمتع به المجتمع السوري

المسيحيون في بلدان الشرق الأوسط جزء من نسيج المجتمع عبر العصور التي تمتد لأكثر من ألفي عام، وقد كانت لهم إسهامات في كافة المجالات، وفي مصر يشكل المسيحيون حوالي 10 بالمئة من السكان، وتبلغ النسبة في سوريا بين 6 و8 بالمئة، أما في لبنان فيمثلون الأغلبية تقريبا، وهناك وجود مسيحي في العراق والأردن، وتتنوع وتتعدد الطوائف المسيحية، بين كاثوليك وأرثوذكس وإنجيليين، وهناك العشرات من الكنائس والمذاهب لدى هذه الطوائف الثلاث الكبرى.

وفي السنوات الأخيرة، واجه المسيحيون في المشرق العربي، العديد من المشكلات والتحديات السياسية والأمنية، دفعت الكثيرين منهم إلى الهجرة والنزوح إلى خارج المنطقة، كما واجه المسيحيون تحديات دينية ترتبط بالانقسام والتعدد المذهبي.

وأشار الباحث سامح فوزي، في حديثه لـ”العرب”، إلى أن مسيحيي الشرق واجهوا مصاعب ضخمة، خاصة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، وظهور التنظيمات الجهادية التكفيرية التي استهدفت حياتهم وكنائسهم وممتلكاتهم، وقد تعرض عدد كبير منهم للاغتيال والقتل، ودُمرت العشرات من الكنائس التاريخية، خاصة في سوريا بعد اندلاع الثورة وتحولها إلى حرب أهلية ووجود المئات من التنظيمات المسلحة.

واعتبر فوزي أن المسيحيين، كغيرهم من أطياف المجتمع السوري، انقسموا بين مؤيد لنظام بشار، وهم الأغلبية، باعتبار أن سقوط نظامه سوف يقودهم إلى المجهول، خاصة إذا وصلت إلى السلطة تنظيمات متشددة، فإنها ستسعى إلى طمس الهوية المسيحية والقضاء على التنوع الديني والعرقي، الذي يتمتع به المجتمع السوري، وبين أقلية انضمت إلى المعارضة المسلحة، احتجاجا على جرائم القتل التي ارتكبها الجيش السوري والمليشيات المتحالفة معه ضد المدنيين، ورفضوا المصالحة معه.

لكن مسيحيي مصر كانوا أفضل حالا من مسيحيي سوريا، فبعد اندلاع ثورة 30 يونيو عام 2013 وتولي الرئيس عبدالفتاح السيسي السلطة، تحسنت أوضاع المسيحيين كثيرا، واتخذت الدولة خطوات لتصحيح الأوضاع التي عانوا منها كثيرا، خاصة في ما يتعلق ببناء وترميم الكنائس، لكن ذلك لا يعني انتهاء كافة المشكلات المسيحية.

المسيحيون في بلدان الشرق الأوسط جزء من نسيج المجتمع عبر العصور التي تمتد لأكثر من ألفي عام، وقد كانت لهم إسهامات بارزة في كافة المجالات

وتؤثر الأوضاع السيئة والحرب الأهلية في سوريا بشكل كبير على أوضاع المسيحيين في لبنان، نظرا لما بين البلدين من علاقات وترابط قوي، حيث أدت الحرب السورية إلى نزوح عدد كبير من المسيحيين إلى لبنان، ما نتج عنه استقطاب داخل المجتمع اللبناني، بين مؤيد للنظام السوري وآخر مؤيد للمعارضة.

عانت الدول العربية لعقود في ظل أنظمة استبدادية، سعت دائما إلى توظيف الدين لصالح السياسة، ولعبت على أوتار التعدد العرقي والطائفي والمذهبي، وإشعال الصراع والتنافس في ما بين هذه الفئات، من أجل الحفاظ على سلطتها الاستبدادية.

البعض من تلك الأنظمة، لجأ إلى تقوية وإعلاء طائفة معينة وتهميش واضح ومهين لطوائف أخرى، مما أوجد حالة من الاحتقان المجتمعي والصراعات المذهبية، وفي بعض الدول استغلت الأنظمة التنوع الديني لتزكية نار الحرب الأهلية، كما حدث في تجربة الحرب الأهلية بلبنان.

قال نبيل عبدالفتاح الخبير في شؤون الأقباط، إن أبرز تحديين واجههما المسيحيون المشرقيون في العصر الحديث، هما الاستبداد والإرهاب الناتج عن الفكر التكفيري القائم على عدم الاعتراف بالآخر كما حدث في العراق، عندما أراد داعش إقامة ما يسمى بالخلافة الإسلامية، قام باستهداف “المختلف” معه من الطوائف الدينية الأخرى، كالمسيحيين والإيزيديين والآشوريين والكلدانيين وغيرهم، وقتل الكثيرين منهم، وحرق وتدمير كنائسهم وممتلكاتهم، وتهجيرهم من مدنهم وقراهم.

وبعد عزل جماعة الإخوان المسلمين من السلطة في مصر، قام الإخوان وحلفاؤهم بحرق وتدمير الكنائس المصرية، وفي سوريا كان المسيحيون ضحايا للصراع الدموي بين النظام والجماعات المسلحة، وفي لبنان أثّر الاستقطاب السياسي وحالة الفراغ على وضع المسيحيين. ولا يوجد مجتمع في العالم متجانسا، فكل المجتمعات فيها اختلافات عرقية ودينية وطائفية ومذهبية ولغوية، لكن المجتمعات المتقدمة نجحت في احتواء تلك الاختلافات، وتحقيق التعايش في ما بينها وتحويلها إلى عامل ثراء، عبر مبدأ إرساء دولة القانون والمواطنة، التي يتساوى فيها الجميع، بغض النظر عن اختلافاتهم العرقية.

ورأت نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن العالم العربي فشل في ذلك، فتحولت تلك الاختلافات إلى عامل صراع وصدام، ومن ثمّ فشل مفهوم التعايش بين الاختلافات، وهو ما أظهرته ثورات الربيع العربي، حيث سعى كل طرف إلى فرض رؤيته وسيطرته على بقية الفئات، وفق نظرية “المباراة الصفرية”، ولذلك دخلت تلك الدول في صراعات وأزمات وحروب أهلية مفتوحة بلا أيّ آفاق للحل.

وتشابكت تلك الاختلافات مع الاستقطابات الخارجية، حيث سعى البعض من الدول إلى دعم الجماعات المتحالفة معها دينيا وسياسيا، وأثّرت كل تلك التعقيدات والصراعات بشكل سلبي على الوجود المسيحي.

13