المسيحيون المصريون.. ضحايا إرهاب يختبر حزم الدولة

شروع عائلات مصرية مسيحية في النزوح من محافظة شمال سيناء، شمال شرقي مصر، على خلفية تكرر الاعتداءات الإرهابية الموجهة ضدهم يطرح قضية متعددة الأبعاد؛ فهو من ناحية يضع خيارات الدولة في مواجهة الإرهاب موضع شك واختبار، ويطرح أيضا أن التنظيمات الإرهابية في استهدافها للمواطنين المصريين تهدد المجتمع في عمق تعدده وتنوعه، ويعيد إلى الأذهان المثالين العراقي والسوري في ما يتعلق باستهداف تنظيم داعش للمسيحيين والإيزيديين والأشوريين وغيرهم. نزوح العائلات القبطية من سيناء سؤال في المواطنة المصرية، واختبار لقدرة الدولة على حماية المواطنين والتصدي للإرهاب في آن، وهو أيضا قضية تطرح إشكالا في مدى تحمل المجتمع المدني المصري لمسؤولياته في مثل هذه اللحظات السياسية الحرجة.
الاثنين 2017/02/27
حادثة العريش.. اختبار المواطنة

الانتهاكات التي يتعرض لها المسيحيون المصريون في الوقت الراهن، أعادت إلى الأضواء من جديد، الجدل الذي كان قد خبا منذ مجيء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الحكم، حول مستقبل العلاقة بين الدولة المصرية وأقباطها، وبينما رأى البعض من المراقبين أن تلك العلاقة تتعرض حاليا لامتحان عسير، ذهب آخرون إلى أن الأقباط سوف يفوتون الفرصة، هذه المرة أيضا، على الإرهاب، كي لا يكسب أرضا جديدة في حربه الضارية ضد الدولة المصرية.

وفي حلقة جديدة من حلقات استهداف الأقباط في مصر، هاجمت التنظيمات الإرهابية العديد من المواطنين الأقباط بمدينة العريش في سيناء، وقتلت أكثر من سبعة منهم خلال الأيام الأخيرة، وأدت تلك الحوادث إلى هروب أسر قبطية زاد عددها على 100 أسرة، من العريش إلى مدينة الإسماعيلية التي تقع على قناة السويس، ما مثّل تطورا خطيرا، يحمل في طياته الكثير من الدلالات والتداعيات.

الكنيسة الأرثوذكسية- في بيان لها- أدانت هذه الحوادث بشدة، واعتبرتها أعمالا إرهابية خسيسة، تستهدف ضرب الوحدة الوطنية المصرية، كما أدانتها الكنيسة الإنجيلية، وتصاعدت ردود الفعل المجتمعية الغاضبة من عمليات تهجير المسيحيين من العريش، وضعف رد فعل الدولة تجاهها. متابعون للحالة المصرية، اعتبروا أن هذه الأحداث سوف تؤثر سلبا على العلاقات بين الدولة والأقباط، بما يدفعها نحو التوتر بعد التحسن الكبير الذي كانت قد شهدته خلال العامين الماضيين، والمكتسبات الكبيرة التي حققها الأقباط في عهد الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

تحول نوعي في صراع التنظيمات الإرهابية مع الدولة المصرية، حيث أصبح المسيحيون "هدفا رخوا" عند هذه التنظيمات

الحلقة الرخوة

وفي هذا الصدد، شدد الباحث المصري الدكتور سمير عليش، على أن تكرار حوادث استهداف الأقباط، كما حدث في الكنيسة البطرسية بالعباسية (وسط القاهرة)، في ديسمبر الماضي، وأحداث العنف الطائفي في البعض من قرى الصعيد المصري، وكذلك حوادث العريش الأخيرة، ليس من المستبعد أن تهز ثقة الأقباط في المسلمين ونظام الحكم، وتزيد من مشاعر الخوف لديهم على خلفية غياب الحماية الكاملة لهم.

عليش، ذهب إلى حد القول إن مثل تلك الحوادث، قد تدفع البعض من الأقباط، خاصة أقباط المهجر، إلى الحديث مرة أخرى عن التدخل الخارجي لحماية الأقباط، واتهام الدولة المصرية بعدم القدرة على حمايتهم، وهو ما قد يحمل تداعيات خطيرة على العلاقة بين الجانبين.

لكن القس إنجيلوس حنا، يخالف هذا الرأي، ويرى أن الأقباط ضحوا كثيرا من أجل مصر، وهم على استعداد لتقديم المزيد، حيث دفعوا ثمن ذلك في حرق كنائسهم وممتلكاتهم، كما حدث إبان حكم الإخوان وبعد عزل الرئيس محمد مرسي، واستشهد إنجيلوس بكلام البابا تواضروس الثاني بابا الأقباط في مصر، حين قال إن “وطنا بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن”.

واستبعد القس أن تؤثر تلك الأحداث الإرهابية على ثقة الأقباط في الدولة المصرية، لأنهم يعتبرون أن ما جرى لأقباط العريش جزء من مخطط إرهابي شامل، يستهدف تقويض الوحدة الوطنية، وإحداث الخلخلة في الاستقرار والتلاحم بين المصريين، وهم حريصون على تفويت الفرصة أمام نجاح تلك المخططات. في كل الأحوال، فإن الحفاظ على مستقبل العلاقة بين الأقباط والحكومة المصرية يتوقف بشكل كبير على رد فعل هذه الأخيرة، وتحركها إزاء عدم استهداف الأقباط في سيناء، وإعادة الأسر المهجرة بشكل سريع، واستئصال شأفة الإرهاب نهائيا.

مسلسل استهداف المسيحيين في سيناء وفي غيرها من المدن المصرية، من جانب التنظيمات الإرهابية المتطرفة، وعلى رأسها تنظيم داعش، ليس بجديد، حيث سبقت أحداث العريش الأخيرة عمليات إرهابية عديدة ضد الكنائس المصرية، وكان آخرها استهداف الكنيسة البطرسية في القاهرة، ما أدى إلى مقتل أكثر من 28 شخصا من الأطفال والنساء، وأعلن تنظيم داعش، عبر حليفه تنظيم “ولاية سيناء” أو تنظيم بيت المقدس سابقا، المسؤولية عن الحادث.

الأقباط: وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن

ونظر مراقبون في القاهرة، إلى أحداث العريش الأخيرة، على أنها تمثل تحولا نوعيا في صراع التنظيمات الإرهابية مع الدولة المصرية، حيث أصبح المسيحيون “هدفا رخوا” من جانب هذه التنظيمات في معركتها مع الدولة المصرية، وقالوا إن التكفيريين سوف يلعبون على هذا الوتر حتى آخر لحظة، لإرباك الدولة وأجهزتها، وإحراجها داخليا وخارجيا.

الدكتور وحيد عبدالمجيد، رئيس تحرير مجلة السياسة الدولية المصرية سابقا، أشار إلى أن أهداف التنظيمات الإرهابية من وراء استهداف الأقباط هي السعي لإقامة إمارة إسلامية في سيناء، وتطهيرها من أصحاب الأديان الأخرى، وهو فكر يعكس ما فعله تنظيم داعش في العراق، عندما استهدف المسيحيين والإيزيديين والأشوريين وغيرهم، وتهجيرهم من مدنهم وقراهم، بعد الاعتداء عليهم والاستيلاء على ممتلكاتهم.

وقال إن تلك التنظيمات، تهدف كذلك إلى معاقبة الأقباط والانتقام منهم، لوقوفهم إلى جانب الدولة المصرية في ثورة 30 يونيو 2013، وعزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، وبالتالي فهي تعمل الآن على كسر حلقة التحالف بين الأقباط والدولة، في ظل تحسن أوضاع المسيحيين المصريين بشكل كبير خلال عهد السيسي، واستعادة الكثير من حقوقهم، مثل صدور قانون بناء وترميم الكنائس، وتدعيم حقوق المواطنة.

وأكد على صعوبة تكرار نموذج تنظيم داعش في العراق أو في سوريا وإقامته في مصر، لأن الحكومة المصرية لن تسمح بتغلغل أو انتشار هذه التنظيمات الإرهابية، أو السماح لها بالسيطرة على جزء من سيناء، حيث سبق أن فشلت كل محاولات التنظيمات الإرهابية في تحقيق تلك الأهداف عن طريق استهداف الجنود المصريين من الجيش والشرطة، كما أنها أجهضت غالبية مخططات ما يسمى بـ”ولاية سيناء”، ونجح الجيش المصري في تحقيق اختراقات كبيرة في استئصال هذه الجماعات ودحر تهديداتها بشكل كبير.

خبراء أمنيون استبعدوا القضاء تماما على جماعات الإرهاب في سيناء قريبا، وأن الأمر قد يستغرق البعض من الوقت، في ظل الطبيعة الجبلية المعقدة التي تختفي فيها تلك الجماعات، ومساحة سيناء الكبيرة، حيث تعتمد في أسلوبها على الكر والفر، وشن هجمات بين الحين والآخر على الجنود ومقرات الجيش والشرطة، وهي الآن تحاول استهداف المواطنين المسيحيين للضغط على الحكومة، وتأكيد أنها مازالت موجودة بقوة في سيناء، وقادرة على ضرب أي أهداف عسكرية أو مدنية.

استجابة ضعيفة

أظهرت عملية إجلاء ونقل الأسر المسيحية من العريش، حالة من الغموض والتباين في طريقة الاستجابة ومعالجة هذا الموقف الطارئ، ففي البداية لم تكن الدولة حاضرة في استقبال هؤلاء المهجرين وإيوائهم، لكن وزارة الشباب المصرية تحركت في ما بعد، وخصصت لهم نزل الشباب بمدينة الإسماعيلية، بينما كانت الكنيسة الإنجيلية في الإسماعيلية هي أول من استجاب سريعا، فاستقبلت هؤلاء النازحين، ووفرت لهم السكن والمأوى في مبانيها، وكان لافتا أيضا غياب أي تحرك ميداني من جانب الكنيسة الأرثوذكسية في البداية.

الباحث في الشأن القبطي، مايكل جورج، قال لـ“العرب”، إن الكنيسة الإنجيلية لديها إمكانيات مادية كبيرة، لذلك تفاعلت سريعا مع الأزمة عبر كنيستها في الإسماعيلية، واعتبر أن “الإنجيلية” تعاملت مع الموضوع كقضية إنسانية وليست سياسية، بينما غلبت الاعتبارات السياسية والتوازنات على رد فعل الكنيسة الأرثوذكسية، لأنها رأت أن من يتعامل مع تلك القضية هي الدولة المصرية وليست الكنائس، فهؤلاء الناس هم رعايا ومواطنون مصريون قبل أن يكونوا مسيحيين، واستهدافهم هو استهداف للوطن والمجتمع المصري كله، وليس استهدافا للكنيسة وحدها.

الحدث الأخير أبرز أهمية المواجهة الفكرية لخطاب التنظيمات الإرهابية، التي تقوم على نفي واستئصال الآخر باسم الدين

وفي الوقت الذي تفاعل فيه الأقباط مع إخوانهم، لم تظهر علامات تفاعل إيجابية من التنظيمات ذات التوجهات الإسلامية، مثل حزب النور، للتفاعل معهم في هذه المحنة، والكشف عن وجه إيجابي يعكس درجة المواطنة في مصر. كما أثار عدم صدور بيان رسمي مبكرا من جانب المسؤولين على ما حدث في العريش، ردود فعل مجتمعية غاضبة، حول تأخر رد فعل الحكومة على تلك الأحداث، التي يرون أنها تمثل تهديدا كبيرا لمفهوم المواطنة.

وعلى جانب آخر، رأت مصادر أمنية أن استهداف الأقباط في العريش، يعكس يأس وعجز هذه التنظيمات، لذلك لجأت إلى تلك المحاولة “البائسة” لاستهداف مواطنين عزل، بعد الهزائم الكبيرة التي تلقتها في السنوات الأخيرة على يد قوات الأمن المصرية، لذلك تحاول إحداث “فرقعة” إعلامية ولفت الأنظار إليها. وأشارت إلى أن إجلاء الأسر المسيحية عن العريش جاء لاعتبارات أمنية لحمايتهم والحفاظ على حياتهم، ونزع ورقة يمكن أن تكون منغصا لجهود الحكومة الأمنية، وسوف تتم إعادتهم إليها مرة أخرى، بعد أن تقوم القوات الأمنية بالانتقام والقبض على قتلة المواطنين الأقباط، واعتبرت أن هذا إجراء عادي، ولا ينبغي التضخيم فيه أو التهويل حوله، لأن معركة استئصال الإرهاب في سيناء جارية بلا هوادة من جانب الدولة المصرية.

كما حذرت نفس المصادر من توظيف وسائل الإعلام الأجنبية لتلك الحادثة لإثارة الرأي العام، وإظهار حالة عدم الاستقرار في سيناء، وشددت على أن التنظيمات الإرهابية تقوم باستهداف المصريين جميعا، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، إضافة إلى استهداف الجنود، وأن ما حدث للأقباط يمس كل المصريين. وأوضحت أن هناك خطة أمنية جديدة تعتمد على إعادة انتشار القوات في شوارع وميادين العريش، ونشر الأكمنة قرب الكنائس وأماكن تجمعات الأقباط، مع تحذيرهم من الوجود في الشوارع بشكل فردي حتى لا يتعرضوا للاستهداف.

غير أنه في المقابل اعتبر الباحث القبطي، عماد توماس، أن ما جري للمسيحيين الأقباط في سيناء من قتل وتهجير، يفند روايات الدولة المصرية بالقضاء على ظاهرة الإرهاب نهائيا هناك. وقال لـ“العرب” إنه رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على الحملة المصرية لاستئصال التنظيمات المتطرفة، وصدور العديد من البيانات التي تؤكد تطهير سيناء ومدنها، سواء العريش أو الشيخ زويد أو رفح، إلا أننا نفاجأ، بين الحين والآخر، بوقوع عملية إرهابية جديدة، سواء تجاه الجنود أو تجاه المدنيين.

ودعا إلى ضرورة تطوير أدوات الحكومة المصرية لأساليب مواجهتها للإرهابيين في سيناء، ومنع تكرار تلك الحوادث مستقبلا، والعمل على حماية الأقباط هناك، وحماية ممتلكاتهم وإعادتهم مرة أخرى، لأن هذا هو البرهان القوي على عدم ضعف الدولة أمام الإرهابيين، وإجهاض أهدافهم في تفريغ سيناء من الأقباط. وشدد عماد توماس على أن عدم عودة الأقباط مرة أخرى إلى ديارهم، سوف يعني ببساطة، نجاح الإرهابيين في معركتهم ضد الدولة المصرية.

غياب المجتمع المدني

عدم عودة الأقباط إلى ديارهم يعني نجاح الإرهابيين في معركتهم

كان من أبرز مشاهد قضية تهجير الأقباط من مدينة العريش، الغياب التام والصمت المريب للمجتمع المدني، كما قالت الباحثة في شؤون المنظمات غير الحكومية، أماني قنديل، التي وصفت موقف منظمات المجتمع المدني مما جرى بالمتخاذل وغير المبرر، فباستثناء الكنيسة القبطية التي تحركت، سريعا، لمساعدة الأسر القبطية النازحة واستقبالها، لم نر أي منظمة مجتمع مدني أخرى تحركت بفاعلية مع الأحداث.

قنديل أشارت في تصريحات لـ”العرب”، إلى أن دور المجتمع المدني مهم في معركة مواجهة الإرهاب والتنظيمات التكفيرية في سيناء، وأن تهجير أسر بكاملها من مساكنها يمثل ضربة كبيرة لمبدأ المواطنة والوحدة الوطنية، ولذلك يجب على منظمات المجتمع المدني التحرك بقوة لتحدي الإرهابيين والقيام بزيارات لمدينة العريش وغيرها، لإعلان تضامنها مع هذه الأسر، ورفض ما حدث لهم، والمطالبة بإعادتهم سريعا ومساعدتهم على العيش بأمن وحرية.

أماني قنديل شددت على أهمية دور المجتمع المدني في نشر التوعية وثقافة التعايش بين المواطنين، واعتبرت أن معركة مواجهة الإرهاب في سيناء وفي غيرها ليست فقط مواجهة عسكرية تقوم بها الدولة المصرية، بل تبرز أهمية المواجهة الفكرية لخطاب التنظيمات الإرهابية، التي تقوم على نفي واستئصال الآخر باسم الدين وهو منها بريء.

وطالبت قنديل باستراتيجية متكاملة لمواجهة الإرهاب في سيناء وفي غيرها، تقوم على التكاتف بين الدولة والمجتمع المدني والأحزاب السياسية لإعلان تضامنها مع الأسر القبطية أولا، ولمواجهة الإرهاب بصورة شاملة ثانيا.

وتبدو الإجابة على سؤال ما هو مستقبل علاقة المسيحيين المصريين بدولتهم المصرية؟ لا يملكها أحد إلا الحكومة المصرية نفسها بأجهزتها المختلفة، وأي تأخير في تقديم الإجابة، من خلال إجراءات حازمة وملموسة في الساعات المقبلة، سيعني أن هناك خللا ما، إذ الكرة حاليا في ملعب “الدولة” ولا أحد سواها، إلا إذا كان للإرهابيين قول آخر.

13