المسيحيون يخبئون كنائسهم داخل البيوت في إيران

الوضع الذي أصبح يعيشه أتباع الديانة المسيحية في المنطقة العربية الإسلامية، إثر صعود التنظيمات المتشددة، أثار أسئلة عميقة عن مستقبل هذا المكون الأصيل. وهي أسئلة تتخذ المزيد من الوجاهة بالاطلاع على وضعهم في إيران، خاصة بعد رفع العقوبات الغربية التي رافقها أمل لدى البعض بتحسن أوضاع حقوق الإنسان وتغير التعامل مع الأقليات، وهي انتظارات تظل محل شك لدى العارفين بجوهر النظام الإيراني.
الأربعاء 2016/03/02
لم تنفع شموع الأمل

طهران - منذ توقيع الاتفاق النووي الذي أبرمته إيران مع مجموعة الخمس زائد واحدا، انطلق النظام في التسويق لإيران الجديدة، وتخلى تبعا لذلك عن شعارات الشيطان الأكبر وقوى الاستكبار العالمي وغيرها، لكن بالإضافة إلى النتائج السياسية والاقتصادية المباشرة، فإن الأنظار تتجه أيضا إلى أثر الاتفاق على المستوى الاجتماعي في الداخل الإيراني، وخاصة استشراف طرق تعامل نظام الولي الفقيه مع المكون المسيحي في طهران.

وفي هذا الإطار من بحث مفاعيل الاتفاق النووي وتفحّص جديد الحديث عن “إيران الجديدة”، وأيضا تبيّن مستقبل وضع المسيحيين في إيران، وغيرهم من المكونات الدينية والعرقية، كان لقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني مع البابا فرنسيس يوم 26 يناير الماضي، مهما بوصفه لقاء “تاريخيا” (آخر زيارة لرئيس إيراني للفاتيكان تعود إلى العام 1999) لا لأبعاده السياسية المنتظرة بل لاختبار نوايا القيادة الإيرانية في تقديم ما يثبت أنها لا تقصي المكونات المقيمة بين ظهرانيها.

وتطرق اللقاء بين البابا وروحاني إلى العلاقات بين الكرسي الرسولي وإيران، ووضع الكنيسة المسيحية في البلاد، ونشاط الكرسي الرسولي لصالح تعزيز كرامة الإنسان والحرية الدينية. والرهان البابوي على تغير إيران قد لا يبدو وجيها، ويكفي للتيقن من ذلك التعرف على وضع الأقلية المسيحية في الدولة الدينية الأكثر انغلاقا في المنطقة.

تشير الإحصائيات الرسمية الإيرانية إلى أن عدد المسيحيين لا يتجاوز 90 ألف شخص. في حين تذهب المنظمة الخيرية الكاثوليكية (ميسيو) إلى تقديرهم بأضعاف ذلك. وترى المنظمة الحقوقية “الأبواب المفتوحة” أن عدد المسيحيين الإيرانيين يناهز 500 ألف شخص، يتوزعون بين الطوائف البروتستانتية والأرمنية، والآشورية، والكلدانية. أما الكنيسة الكاثوليكية، فتعتبر أن المنتمين إلى الكنيسة الرومانية الكاثوليكية فقط يبلغ عددهم 15 ألف مؤمن. ويبدو أن تفاوت الأرقام الخاصة بأعداد المسيحيين قد يشير إلى اختلاف في طرق ومناهج الإحصائيات، إلا أن الأرقام المختلفة تشي أيضا بوجود نية رسمية في التقليل من عددهم (بين 90 ألف مسيحي حسب المصادر الرسمية و500 ألف حسب مصادر حقوقية).

ماركوس روده: الطوائف المسيحية تمارس شعائرها تحت مراقبة الشرطة

وتداولت “البروباغندا” الإيرانية مؤخرا وبشكل كبير تصريح المطران سيبوه سركيسيان رئيس أساقفة طهران للأرمن الأرثوذكس، (صدر في 14 فبراير بعد أيام قليلة من زيارة روحاني للفاتيكان) والذي قال فيه إنه “راعي أبرشية طهران منذ 17 عاما ولم نشعر يوما بأيّ اضطهاد أو تمييز بحقنا، فالأرمن والمسيحيون يمارسون طقوسهم الدينيّة بكلّ حرّية ويرفعون القداديس ويحتفلون بأعيادهم ولا يتعاطى أحد معهم أو يتعرّضون لأيّ تضييق، الكنائس موجودة وترتفع عليها الصلبان مثل كنائس لبنان وهي مضيئة وتشعّ بالأنوار”. وهذا التصريح قد يبدو صادقا باعتباره صادرا عن ممثل للمكون المسيحي في إيران، إلا أن مقارعته بواقع المسيحيين على الأرض، تفقده كل دلالة ومصداقية.

ماركوس روده، الخبير في الشؤون الإيرانية لدى منظمة “الأبواب المفتوحة”، وصف في حديث أدلى به لتلفزيون دوتشي ويله الألماني وضع المسيحيين الإيرانيين بـ”المأساوي جدا”. وأضاف أن وضع المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية “أسوأ بكثير”، بسبب تعرضهم “لمتابعة شديدة” من قبل السلطات الإيرانية، حيث يتم الزج بالكثير منهم في السجون، ويتعرضون للتعذيب أو للإعدام لأسباب واهية.

وبالنسبة إلى الطوائف المسيحية الأرمنية والآشورية، قال ماركوس إنها تمارس شعائرها وصلواتها تحت مراقبة الشرطة والمخابرات. وفضلا عن ذلك تمنع السلطات أداء تلك الشعائر باللغة الفارسية، وهذا يدخل في إطار منع السلطات الإيرانية لتداول كل أنواع الكتب المسيحية باللغة الفارسية تفاديا ومنعا للتبشير. وهذه الممارسات الرسمية (غير المعلنة) تؤدي، بحسب ماركوس، “إلى خنق الكنائس التقليدية” وإلى إجبار المسيحيين على التواري عن الأنظار أو “الاجتماع في كنائس منزلية صغيرة داخل البيوت والمنازل”.

وروى ماركوس روده قصة أحد المسيحيين الإيرانيين من طهران، حيث قال “تم جذب الرجل في الشارع إلى داخل سيارة أجرة، وقيل له يجب عليك الآن أن تتخلى عن المسيحية وتعود إلى الإسلام أو تموت. وضع مختطفو الرجل مسدسا على جبهته وضغطوا على الزناد. لكن المسدس لم يكن بداخله رصاص. وبعد عملية ‘الإعدام الوهمية في وضح النهار’، زُج به في أحد السجون في طهران، وتعرض للتعذيب. وفي الأخير دفع أقاربه الكثير من المال فدية من أجل إطلاق سراحه. وحاليا يعيش الرجل في ألمانيا لكن الخوف لا يفارقه من المخابرات الإيرانية”.

واعتبر ماتياس فوغت، الباحث في علوم الإسلام ومستشار شؤون الشرق الأوسط لدى منظمة التبشير الكاثوليكي (ميسيو)، أن حالة المسلمين الذين اعتنقوا المسيحية حرجة جدا. فبسبب التهديد بالسجن أو تنفيذ عقوبة الإعدام، يُمنع المسلمون من اعتناق المسيحية. وبحسب التصور الإيراني فحتى المسلمون الإيرانيون الذين اعتنقوا المسيحية يظلون مسلمين. كما لا يُسمح في إيران لأي مسلم بأن يدخل إلى كنيسة مسيحية.

وضع المسيحيين هو عيّنة من وضع حقوق الإنسان في إيران. وهو وضع وبقدر ما أثاره من انشغال لدى غالبية المهتمين بالأبعاد الحقوقية في العالم، إلا أنه يمثل دليلا على أن الرهان على تغير إيران هو رهان خاسر.

12