"المسيرة" فيلم عربي يستعرض حلقة منسية من تاريخ فرنسا

الأربعاء 2014/01/29
فيلم المسيرة أبطاله نجوم من شباب العرب المهاجرين كجمال دبوز وحفصية حرزي

باريس -شريط “المسيرة” للمخرج البلجيكي من أصل مغربي نبيل بن يادير يتحدث عن معاناة الجالية العربية بفرنسا من الميز العنصري الذي كانوا يجابهونه منذ ثلاثين سنة خلت، فقرروا تنظيم مسيرة من مرسيليا إلى باريس مشيا على الأقدام تندّد بالعنصرية وتطالب بالمساواة في الحقوق والواجبات التي تقرّها شرائع البلاد.

المسيرة هي الحدث والشخصية المحورية للفيلم، وأبطاله نجوم من شباب العرب المهاجرين كجمال دبوز وحفصية حرزي وتوفيق جلاب إلى جانب لفيف من الممثلين الفرنسيين المناهضين للعنصرية، التقوا ليس لإحياء ذكرى ثلاثين عاما على حدوثها فحسب، وإنما أيضا لتذكير المجتمع الفرنسي كافة بحلقة منسية من تاريخه، وتذكير نخبته بما التزم به الساسة من عهد الرئيس الأسبق فرنسوا ميتران، دون أن يفوا بغير وعود قليلة، كتمكين المهاجرين من بطاقات إقامة بعشر سنوات، وجمع شمل العائلات، وأهم من ذلك كله التوسل بالفن السابع كميديا واسعة الانتشار قوية التأثير لمناهضة المدّ العنصري الذي طفا إلى السطح في الأعوام الأخيرة، بشكل يذكر بما كان عليه في مطلع الثمانينات، حيث عاد الحديث عن “الهوية الوطنية” و”جذور فرنسا المسيحية اليهودية” و”حقّ الدم” بدل “حق الأرض” في الحصول على الجنسية، بغية تجريد أبناء المهاجرين من مكتسباتهم.


انفلات عنصري


في جوّ مشحون بالكساد الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية، وتفاقم البطالة، وتضخّم الجباية، وتمرّد شرائح عريضة ضد إصلاحات حكومة اليسار الاشتراكي، وصعود اليمين المتطرف، انفلتت العنصرية من عقالها، وغادرت مخابئها إلى العلن، في شكل تصريحات تشنّع بأدنى جنحة يقترفها المهاجرون أو أبناؤهم وتحمّلهم وحدهم أسباب الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها فرنسا. ومن ثَمّ جاء شريط “المسيرة” ليعيد إلى الأذهان صورا من الواقع المرّ الذي عاشه ولا يزال يعيشه المهاجرون بعامة، والعرب بخاصة، ويكون لسان حال الأغلبية الصامتة، المغلوبة على أمرها، تشاهد في صمت تهجمات لا تملك حق الردّ عليها أو تفنيدها. وللتذكير، فإن فكرة السير نحو العاصمة تولدت بعد تعرّض شاب عربي يدعى تومي دجيّجة لإصابة برصاص البوليس حين حاول تخليص طفل عربي من كلب من كلاب الشرطة في فينيسيو إحدى ضواحي مدينة ليون.

فكرة السير نحو العاصمة تولدت بعد تعرض شاب عربي يدعى تومي دجيجة إلى إصابة برصاص البوليس

وكانت تلك الحادثة القطرة التي أفاضت الكأس، فقد كان شبّان الضواحي في تلك الفترة عرضة للتفتيش والمطاردة والحبس والقتل العمد (بواقع قتيل عربي كل ثلاثة أيام)، دون أن يجدوا في القضاء عدلا ينصفهم من التجاوزات، مما دفعهم إلى استعمال العنف دفاعا عن النفس. تومي دجيّجة، بالتشاور مع جمال عطاء الله وراهب من أسقفية ليون يدعى كريستيان دولورم، اختار مقاومة سلمية على طريقة غاندي ومارتن لوثر كينغ ومالكوم إكس. وفي صبيحة 15 أكتوبر 1983، انطلقت مجموعة صغيرة جدا باتجاه باريس، مشيا على الأقدام، مرورا ببعض المدن الفرنسية الكبرى كمرسيليا وأفينيون وسواهما. لم ينضم إليها في البداية إلا بضع مئات، ولكن يوم 14 نوفمبر من العام نفسه، جدّ حادث عنصري مريع هزّ فرنسا بكل مكوناتها، تمثل في إقدام ثلاثة مجندين على تعنيف شاب عربي يدعى الحبيب غمزي ورميه من القطار الرابط بين بوردو وفنتيميلا. شكّلت تلك الجريمة منعطفا حاسما على مستوى الوعي الجمعي، حيث أدرك الفرنسيون على اختلاف مشاربهم ما تمثله العنصرية من مخاطر على الأمن العام، وعلى مستوى المسيرة التي بدأ الناس يلتحقون بها فرادى وجماعات، فلما بلغت باريس يوم 3 ديسمبر، كانت تعدّ مئة ألف على الأقل، وكان في انتظارها آلاف أخرى، بعد أن صارت حدث الساعة.


تعايش سلمي


نبيل بن يادير كان وقتئذ طفلا لم يتجاوز عامه الثالث، ولم يسمع بمسيرة أبناء المهاجرين العرب إلا بعد أن اشتدّ عوده، خصوصا وهو يعيش في بلجيكا رفقة أبويه. لذلك استعان بكل الوثائق للإلمام بموضوعه، من أشرطة فيديو وتسجيلات صوتية وبرامج إذاعية وتلفزيونية وصحف ومجلات، مثلما عاد إلى عين المكان بحثا عن بيئة الانطلاق وفواعلها الأوائل، فالتقى بدجيّجة وعطاء الله اللذين أفاداه كثيرا في إعادة تشكيل المسيرة في ذهنه. واختار في النهاية أن ينأى بها عن التوثيق ليصوغ من تفاصيلها شريطا روائيا، وله في هذا المجال خبرة منذ شريط “البارونات”، رغم حداثة سنّه، ويصور أولئك الشباب في لحظات عزمهم وفتورهم، وفي أوقات اندفاعهم وتردّدهم، مثلما يصوّر العلاقات الإنسانية التي نشأت بين أصحاب الفكرة ومن التحق بهم في الطريق إلى باريس. يقول بن يادير: “لغاندي شريطه، ولمارتن لوثر كينغ شريطه، ولمالكوم إكس شريطه، والآن صار لمسيرة أبناء العرب المهاجرين أيضا شريطهم”. والجميع يلتقون في الدعوة إلى نبذ العنف والعنصرية، والعيش في سلام.

16