المشاحيف في الأهوار مراكب العودة إلى جنة عدن

المنطقة تنتعش بالسياحة البيئية وباتت تستقبل أسبوعيا 6 آلاف سائح من محافظات مختلفة ومن خارج العراق.
الخميس 2019/05/23
أهوار العراق تستعيد الحياة

غيّبت الحرائق العراق كمزار سياحي يفد إليه الزوار من مختلف بقاع العالم للاطلاع على حضارة بلاد الرافدين واكتشاف المعمار والآثار، وأغلق المغرمون بالسياحة الثقافية كتابا يحمل بين طياته تاريخ آلاف السنين، لكن سكان الأهوار الذي يعد أكبر المسطحات المائية الداخلية في العالم،  يسعون إلى فتح أبواب العراق من جديد أمام الزوار لاكتشاف أنماط عيش بسيط في عالم مختلف عمّا تشهده الحياة المعاصرة اليوم في رحلة على زوارق خشبية واستراحة في مضافات من القصب.

الجبايش (العراق) - عادت الحياة مجددا إلى أهوار العراق المدرجة على قائمة التراث العالمي، وباتت هذه المنطقة تعوّل على السياحة البيئية لتصبح “جنة عدن” بلاد الرافدين مقصد المولعين برحلات القوارب وسط الطبيعة.

أمام منزل عائم مصنوع من القصب وأوراق النخيل، تفوح رائحة خفيفة لدخان حفلة شواء سمك المسكوف الذي يشتهر به العراق.

وعلى المياه، تنساب قوارب “المشاحيف” الخشبية التي تحمل أزواجا أو مجموعات أصدقاء في نزهة على إيقاعات ومواويل أصحاب المراكب التراثية.

يقول حبيب الجوراني العراقي المغترب منذ عقود في الولايات المتحدة، “لم أكن أتصور أن هناك مناظر خلابة وجميلة مماثلة في العراق” الذي تغطي الصحراء نصف مساحته تقريبا. ويضيف، “غالبية العالم يجهل واقع العراق ويتصور أنه أخطر مكان ولا يوجد فيه غير القتل والإرهاب (…)، لكن في الواقع هناك أماكن بيئية ساحرة” في هذا البلد الذي أدرجت خمسة من مواقعه على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

ويعبر أبومحمد (45 عاما) صاحب زورق عن سعادته بقدوم فوج من السياح في عطلة آخر الأسبوع الماضي وقد أتاه الرزق من هذا العدد الكبير من الزوار، حيث يقوم بنقلهم في جولات سياحية إلى منطقة الجبايش مقابل مبلغ لكل راكب ذهابا وإيابا وهو يصدح بصوته طربا بالمواويل التي يطلبها منه الزوار الذين كان أغلبهم من العراقيين.

وقال علي حسين أحد السياح القادمين في الفوج الأخير، “إنه جاء مع عائلته من مدينة الناصرية إلى قضاء الجبايش لكونه يتمتع بمناظر طبيعة خلابة ومسطحات مائية واسعة وهدوء الأجواء”، لافتا، إلى أن القضاء يضم نصب الشهداء الذي يتوسط الأهوار، ويعد من أهم المراكز الثقافية والسياحية في المحافظة، وبالتالي أصبح قبلة لتوافد السياح من داخل العراق وخارجه.

وأضاف، “أن الحياة والطبيعة وطريقة عيش سكان تلك المناطق تختلف بشكل كامل عن حياة الآخرين ببساطتها وأصالتها وتمسكها بإرث الأجداد”.

في العام 2016، أدرجت أهوار العراق التي تمتد بين نهري دجلة والفرات وتعد من أكبر المسطحات المائية الداخلية في العالم، على هذه القائمة بفضل تنوعها الحيوي وتاريخها الغني الذي يعود إلى العصور القديمة لبلاد الرافدين.

طريقة عيش السكان في الأهوار تختلف كثيرا عن حياة الآخرين
طريقة عيش السكان في الأهوار تختلف كثيرا عن حياة الآخرين

ظاهريا، يبدو أن شيئا لم يتغير منذ خمسة آلاف عام في تلك المساحة المائية والطبيعية المترامية الواقعة بين محافظات ميسان وذي قار والبصرة. وقد وجدت فيها، بحسب الأحاديث المتناقلة بين العراقيين، “جنة عدن” التي عاش فيها آدم وحواء.

يقول أحد سكان الأهوار مهدي الميالي (35 عاما)، إن “جذور الأهوار تعود إلى الحضارة السومرية والأكادية. ولا تزال تحمل صورة حياة السومريين، السكان الأصليين لأهوار جنوب العراق، من المياه ونبات القصب” التي تتغذى عليها الجواميس.

وصل منسوب المياه في الأهوار هذه السنة إلى 80 بالمئة بسبب الأمطار الغزيرة، وفقا للأمم المتحدة، مقارنة مع 27 بالمئة في خريف العام الماضي. وعاد السكان مجددا إلى  بيوت الضيافة القديمة والقوارب المدفوعة بمجداف واحد، وتربية الجواميس التي تنتج الحليب الغني بالدسم.

وحول تصاعد الحركة السياحية يقول الميالي “انتعشت الأهوار بالسياحة البيئية، وباتت تستقبل أسبوعيا 6 آلاف سائح من محافظات مختلفة ومن خارج العراق ومن جنسيات عربية وأجنبية وحتى سفراء ومسؤولين حكوميين، وهو مؤشر اقتصادي جيد لحركة  السياحة في هذه المناطق في ظل تنامي عدد الشركات السياحية التي وصل عددها إلى 12 شركة سياحية فاعلة”. وبعد إدراج المنطقة على قائمة اليونسكو العام 2016، تزايدت السياحة البيئية حيث وصل العدد  إلى 18 ألف سائح في العام 2018، مقارنة بـ10 آلاف في 2016، بحسب أسعد القرغولي مدير سياحة ذي قار التي يعيش نحو نصف سكانها تحت خط الفقر.

ويأمل هؤلاء السياح رؤية الطيور المهاجرة، إضافة إلى أنواع عدة من الكلاب المائية (القضاعات)، وسلاحف الفرات التي تسمى محليا بـ”الرفش”.

ورغم ازدياد عدد السياح، لا تزال الأهوار تعاني من غياب البنية التحتية.

يوضح القرغولي، أن لا وجود “لبنى تحتية أو فنادق في مناطق الأهوار، وذلك يعود إلى التقشف في ميزانية الدولة سابقا بسبب الأوضاع الأمنية” خلال السنوات الأخيرة وخصوصا لتمويل الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية.

ويشير محافظ ذي قار يحيى الناصري إلى أن “خطط إدارة مناطق الأهوار تحتاج إلى مبالغ كبيرة تجاهلتها الموازنات السابقة بسبب الأزمة المالية والحرب على داعش، كما أن موازنة العام الحالي 2019 خلت من أي مبالغ من أجل تطوير البنى التحتية في تلك المناطق على الرغم من إعلان الحكومة المركزية قبل عامين عن تخصيص 80 مليار دينار لهذا الغرض لم يصل منها شيء للمحافظة لحد الآن”.

ودعا الناصري الحكومة الاتحادية إلى “ضرورة الاهتمام بهذه المحميات الطبيعية كونها مصدرا مهما للتوازن البيئي في جنوب العراق الذي يسجل ارتفاعا متصاعدا في درجات الحرارة”.

وفي الوقت الحالي، يقدم السكان المحليون جولات على متن القوارب بتكلفة تعادل 25 دولارا، أو غداء داخل “المضيف” التقليدي.

ومنذ أن أعلنت بغداد دحر تنظيم الدولة الإسلامية في نهاية العام 2017، يأمل السكان أن تخصص مبالغ مالية لمشاريع بنى تحتية.

السياحة البيئية في الأهوار أكثر استدامة من النفط والإنتاجات النفطية كونها ثروة وطنية مستدامة لا تنضب

ويطالب القرغولي ببناء “مدينة سياحية صديقة للبيئة تحتوي على منشآت صغيرة وفردية تتوزع داخل الأهوار”.

ويقول الخبير البيئي في “منظمة طبيعة العراق” جاسم الأسدي، إن “السياحة البيئية في الأهوار، أكثر استدامة من النفط والإنتاجات النفطية كونها ثروة وطنية مستدامة لا تنضب”.

وتشكل عائدات النفط حاليا نحو 90 بالمئة من ميزانية البلاد، لكن استغلال الذهب الأسود يهدد الحياة في الأهوار، وفقاً للأمم المتحدة التي تدعو بغداد باستمرار إلى جعلها محمية.

وفي بلد يعد من أكثر دول العالم حرا ويعاني من نقص مزمن في المياه، يعتبر الحفاظ على المناطق الرطبة أمرا حيويا.

ويعتمد العراق على مياه نهري دجلة والفرات اللذين ينبعان من تركيا، إضافة إلى روافد أخرى تأتي من إيران وسوريا. ومع كل سد يشيّد في تلك البلدان، تنخفض مناسيب المياه في العراق، وترتفع تاليا نسبة ملوحة مياه الأهوار.

وجفت مياه الأهوار في العامين 2009 و2010 بسبب قطع المياه وبناء السدود في تركيا وإيران، وكان أشدها جفافا العام 2015 حيث نفقت أكثر الجواميس، ما دفع غالبية سكان الأهوار إلى الهجرة إلى المدن والقرى الأخرى.

ورغم ذلك يتمسك سكان الأهوار، الذين تفاجأوا بعودة المياه إلى مناطقهم بأمل عودة حياتهم إلى طبيعتها بعد أربعة عقود.

ويؤمن أبناء المنطقة بأن ذلك كفيل بإبقاء الأهوار جنة عدن لجذب “المغامرين ومحبي الطبيعة”.

20