المشاركة العربية في الدراما المصرية توفر الجاذبية والجرأة

لجوء المنتجين المصريين بكثافة في الآونة الأخيرة إلى تشريك النجوم العرب في الدراما المصرية، لا يعود فقط إلى انخفاض أجور هؤلاء الفنانين، مقارنة بالمصريين، ولا إلى الرغبة في توسيع حجم المشاهدة بما يدر ربحا أكبر، وإنما أيضا لتمتع هؤلاء النجوم بكفاءات راقية تثري الدراما المصرية، إضافة إلى الرغبة الجامحة في أن تظل القاهرة رائدة على الصعيد الفني عبر جذب هؤلاء النجوم.
الخميس 2016/10/27
عودة قوية للدراما الرومانسية

بعد سنوات الربيع العربي لم تعد الدراما التلفزيونية المصرية قاصرة على نجم بعينه، كما كان سابقا، وقلت بشكل كبير الأعمال التي يسيطر فيها النجم الأوحد على العمل بكامله، حيث تزايدت المشاركات العربية في السنوات الأخيرة نتيجة للتغيرات على مستوى المضمون والإخراج والإنتاج والنجوم.

وتقف العديد من الأسباب وراء هذا التعاون المشترك والذي ظهر بقوة على سبيل المثال في المسلسل المصري “أهل كايرو”، الذي شاركت فيه السورية كندة علوش برفقة الفنان المصري خالد الصاوي في العام 2010، ثم توالت المشاركات المصرية-العربية في العام ذاته بوجود الكثير من الأعمال التي جمعت بين هويات مختلفة ومنها مسلسل “العار”، الذي قامت ببطولته التونسية درة زروق مع النجم مصطفى شعبان، و”عاوزة أتجوز” بطولة هند صبري وسوسن بدر، و”كابتن عفت”، بمشاركة السوري عابد فهد في البطولة أمام ليلى علوي، و”عابد كرمان” للسوري تيم الحسن والفنانة شيرين، و”قصة حب” للفنان جمال سليمان وبسمة، و”الجماعة” للفنان الأردني إياد نصار ونخبة من الفنانين المصريين.

تبادل عكسي

كانت إطلالات النجوم العرب في الأعمال المصرية في سنوات العقد الأول من الألفية الجديدة قليلة، لكن في السنوات التالية لم يقتصر الأمر على وجود العرب في المسلسلات المصرية، وإنما في مشاركة عدد كبير من الفنانين المصريين في أعمال عربية، وتحديدا اللبنانية منها، مثل مسلسل “مدرسة الحب” و”تحت السيطرة”، وهو ما نظر إليه المراقبون على أنه خير نموذج للتعاون الثقافي والفني بين بلدين عربيين.

"تحت السيطرة" بطولة مصرية تونسية

وأكد متابعون لحركة الدراما المصرية لـ”العرب”، أن مشاركة الفنان العربي في الفن المصري عموما، كالسينما والمسرح والدراما التلفزيونية والغناء بل والرقص، ليست شيئا جديدا وإن كانت قد خفتت قليلا في البعض من الأوقات.

وأوضحوا أن الحرص المصري على اجتذاب المبدعين العرب، في المجالات كافة، كان دائما جزءا من سعي القائمين على الفنون في مصر، إلى أن يكون الفن أحد أوجه القوة الثقافية الناعمة، الأمر الذي عادت الدولة إلى إدراكه من جديد.

وبالتأكيد، لا يمكن إغفال الجانب التجاري البحت، في السعي إلى جذب النجوم العرب للدراما المصرية، حيث أن هذا النجم مثلا غالبا ما يكون أجره أقل من أجور النجوم المصريين التي بلغت في السنوات الأخيرة أرقاما فلكية، حتى أن البعض منهم تجاوز أجره في المسلسل الواحد 30 مليون جنيه (أكثر من 300 ألف دولار).

وأثمر التعاون المصري العربي الكثير من الإيجابيات أبرزها الصورة الجمالية التي كانت دائما موضوع حديث الجمهور بعد مشاهدة الأعمال العربية، وهو ما دفع الكثير من المخرجين المصريين إلى الاهتمام بتقديم جودة أعلى لصورة أعمالهم التي باتت تقترب من لغة السينما، علاوة على العودة إلى تقديم المواضيع الرومانسية التي كانت قد اختفت من المسلسلات المصرية لفترة طويلة، إضافة إلى الجرأة في أسلوب تناول القصص المطروحة نتيجة المنافسة الكبيرة بين النجوم.

وعلى الجانب الآخر، حمل هذا التعاون المشترك فرصة أعظم للمشاهد العربي بشكل عام، للتعرف على اللهجات العربية المختلفة والاقتراب منها، كما أنه عوّض البعض من الدول مثل سوريا (التي كانت من قبل حديث الدراما العربية) عن غياب نجومها بسبب الأحداث التي عصفت بها في أعقاب اندلاع الثورة السورية التي انطلقت في فبراير 2011، حيث لم تعد فكرة الهجوم على المشاركات العربية في المسلسلات المصرية راسخة كما كان الأمر في ما مضى.

وامتلأت الساحة الدرامية العربية بالكثير من هذه الأعمال الإنتاجية المشتركة في السنوات الأخيرة من بينها مسلسلات “موجة حارة”، “جريمة شغف”، “أفراح القبة”، “تحت السيطرة”، “علاقات خاصة”، “اتهام”، “مدرسة الحب”، “طريقي”، “سيرة حب” وغيرها الكثير.

ورأى طارق الشناوي، الناقد السينمائي المصري، أن زيادة المشاركات العربية في الدراما المصرية لا تتعلق من قريب أو بعيد بالأمور السياسية والثورات، لكنها ترتبط بانتقال القانون “من الأرض إلى السماء”، (يقصد الفضائيات العربية).

وقال شارحا وجهة نظره “قديما كانت السيطرة للتلفزيون المصري في تسويق أعماله داخل لبنان فقط، لكن قانون الفضائيات غيّر من عملية التسويق التي فتحت الباب نحو السوق العربية بشكل أكبر”.

طارق الشناوي: قانون الفضائيات غير من عملية التسويق وجعلها منفتحة على السوق العربية

وأضاف الشناوي في تصريحاته لـ”العرب”، أن مسلسلا مثل “الصديقان”، الذي شارك في بطولته الفنان السوري جمال سليمان والمصري باسم السمرة، والذي روى العلاقة بين الرئيس الراحل جمال عبدالناصر والمشير عبدالحكيم عامر، بالرغم مما أحاط به من مشكلات متعلقة بلهجة بطله السوري (سليمان)، إلا أن المسؤول عن التسويق للمسلسل، لم تهمه الإجادة في نطق اللهجة، بقدر ما كان يهمه بالأساس الحضور القوي في الفضائيات العربية، وبالتالي كانت الأغراض التسويقية شاغله الأعظم.

وأشار نقاد آخرون إلى أنه كلما زادت المشاركات في الدراما التلفزيونية زاد التنافس، وزادت درجة الإجادة، كما أنه أصبح هناك الكثير من الجرأة في تقديم البعض من الأدوار. ونوّه هؤلاء إلى أن هذا حدث بالفعل في البعض من الأعمال التي عرضت على نجمات مصريات فرفضنها مثل فيلم “مذكرات مراهقة”، الذي شاركت في بطولته النجمة التونسية هند صبري، فارتفعت نجوميتها بعد هذا العمل، لتحاكي أكثر من فنانة مصرية.

الجمال وحده لا يكفي

سألت “العرب” عددا من النقاد المصريين عما إذا كان الحرص على وجود الفنانين من الجنسيات العربية في الدراما المصرية يرجع إلى حب الجمهور لنجمة -أو نجم- لأنهما من أصحاب الجمال أو الطلعة الحسنة أو الجاذبية؟ فأجابوا بأن الجمال وحده لا يكفي.

ودلل طارق الشناوي على ذلك، بنموذج ملكة جمال الكون اللبنانية الشهيرة جورجينا رزق، عندما قدمت فيلم “الملكة وأنا”، مع النجم المصري الراحل محرم فؤاد، إلا أن الفيلم سقط سقوطا ذريعا وهو ما يؤكد أن الجمال ليس بديلا عن موهبة الفنان.

وأكد الناقد نادر عدلي لـ”العرب”، أن الحضور العربي في الدراما المصرية يعود إلى سببين، الأول يتعلق بقلة حجم الإنتاج السوري مؤخرا، والثاني رغبة الشعوب العربية في مشاهدة أكثر من نجم، باعتبار أن وجود مشاركة إنتاجية وتسويقية واحدة بمبالغ مالية ضخمة، يعد دلالة على الإنتاج الضخم. يضاف إلى ذلك أن ابتعاد الفنانات المصريات عن تقديم البعض من الأدوار الجريئة، منح فرصة أعظم للنجمات التونسيات والسوريات واللبنانيات والمغربيات، وضمِن لهن مكانا بارزا في الدراما المصرية، وهو ما فطنت له البعض من النجمات المصريات مؤخرا، فأصبحن يتحلين بالمزيد من الجرأة. كما أن التخلص من ظروف تصاعد التيار الديني، الذي استهدف الفنانات بالنقد والتجريح في وقت من الأوقات، وتعامل الدول العربية مع أزمة “التكفير” بمرونة في الفترة الأخيرة، ويقظة الرقابة العربية بشكل أكثر وعيا، كل هذا مثّل دافعا للنجمات المصريات للانخراط في الأعمال الجريئة بجانب زميلاتهن العربيات.

وأوضح عدلي، أن صناعة الدراما والسينما، بدأت تنتبه لهذه المشاركات، بحثا عن المزيد من الربح، واستفادت الصناعة من الفكرة التي نشأت عليها مدينة هوليوود الأميركية للسينما، والتي تتميز بتنوعها، من خلال إشراكها لمختلف الجنسيات الموجودة على الأرض الأميركية في الأعمال السينمائية، وهو ما قدم دعامة للصناعة ذاتها.

وقال البعض من المنتجين، إن وجود الفنان العربي في المسلسل يمنح الكثير من الجاذبية للعمل الفني، خاصة إذا كان هذا الفنان لا يشارك بمفرده وإنما ضمن كوكبة من الفنانين يجعلون من العمل الدرامي ملحمة كبيرة موحدة، وأشاروا إلى أن الكثير من الفنيين، وليسوا النجوم وحدهم، يتمتعون بقدرات تقنية فائقة في التصوير والإضاءة والديكور والموسيقى التصويرية والملابس، ما يضيف بالتأكيد لجودة الدراما المصرية الكثير.

16