المشاركة وليس الوصاية

الاثنين 2013/09/16

في ظروف دولة مثل مصر، بعد ثورة 25 يناير 2011، يتفق الجميع على أن هناك ضرورة ملحة لإتباع طريق الديمقراطية في بناء النظام السياسي، فقد قفز مؤشر المشاركة الشعبية من الصفر إلى عشرة على عشرة في لحظة من الزمن.

لكن البعض يرى أن تبني الديمقراطية أساسا للعمل السياسي- في هذه الفترة- ستنجم عنه مخاطر تهدد الديمقراطية ذاتها؛ فنسبة الأمية بين مواطني مصر مرتفعة، تتراوح- حسب أدق التقديرات- بين 25 بالمئة بين الذكور، وتصل إلى 40 بالمئة بين الإناث.

وكذلك نسبة أولئك الذين يعيشون تحت خط الفقر في البلاد- في غياب إحصاءات يمكن اعتمادها، وتفاوت التقديرات حسب اختلاف مصادرها- تقدر بنحو 40 بالمئة، وحال ما يصل إلى 40 بالمئة أخرى من المصريين ليس أفضل من ذلك بكثير.

ويرى هذا البعض- الذي يتخوف من الديمقراطية- أن اتباعها نهجا سياسيا تنتج عنه مخاطر كبيرة، ويضرب على ذلك مثلا بتفوق القوى المنتمية لتيار الإسلام السياسي- وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة- على القوى الوطنية الأخرى في الانتخابات، والاستفتاءات التي جرت على مدى العامين الأخيرين.

ويرى أصحاب هذا الرأي، ضرورة وضع معايير للمشاركة في التصويت في الانتخابات والاستفتاءات، تتضمن أن يكون الناخب على درجة معينة من التعليم، حتى لا يتعرض للتضليل. أو أن تكون حياة الناخب فوق مستوى مادي معين، حتى لا يضعف أمام أية إغراءات مادية لشراء صوته الانتخابي.

وكما يتضح- في سياق طرح القضية- فإن المتخوفين من انحراف الديمقراطية إلى «فاشية دينية»- وهم يمثلون أقلية بين خصوم تيار الإسلام السياسي- يريدون معالجة الأعراض الظاهرة، من أجل حرمان قوى الإسلام السياسي من رصيد انتخابي، نجحت في حشده كلما احتاجت إليه.

لكنهم، من وجهة نظر مقابلة، يفرضون أنفسهم أوصياء على الممارسة السياسية في مصر، ويتناسون المسؤولية المركبة عن هذه الظاهرة، التي تتضمن أن نظام مبارك، على مدى ثلاثين عاما، اقترف جريمة تجريف المجتمع المصري؛ من خلال إهمال الخدمات الأساسية، ومن أهمها التعليم والصحة، وتركهما مجال اختصاص للجماعات الأهلية الخيرية، فمددت تنظيمات الإسلام السياسي نشاطها لتسد ما استطاعت من الفجوة، وتوظيف ذلك سياسيا.

كما أن نظام مبارك أيضا هو الذي روج لهذه التنظيمات لدى الدول الغربية، عندما تسامح مع تواجدها ونشاطها عمليا، ولاحقها بين آن وآخر لتأكيد رقابته لها وهيمنته على الأمور في البلاد، واستخدمها فزاعة لتخويف الغرب من أن الإسلاميين هم البديل الوحيد لنظامه، حتى لا يسقطوا نظامه من حساباتهم، فتنبه الغرب للتعرف عليهم.

وعمل مبارك- في الوقت نفسه- على اجتثاث أي نبتة لقوة سياسية غير إسلامية. وكلها جرائم خطيرة، لم يلتفت أحد في سلطة ما بعد الثورة لمحاسبة المسؤول عنها.

النقطة المهمة هنا، هي أن هذا الطرح يأتي في أعقاب الموجة الثورية الثانية في 30 يونيو الماضي، وعزل الرئيس الإخواني الفاشل محمد مرسي، بفرض قطع طريق السلطة على الإخوان وحفائهم، ويترافق مع دعوات أخرى تطالب بنص دستوري، يمنع تكوين أحزاب سياسية من منطلقات دينية.

وربما تكون الدعوات لمنع الأحزاب الدينية أكثر منطقية في ظروف مصر، فالمصريون- مسلمون ومسيحيون- متدينون بالفطرة، ولا يحتاجون لأنصاف الفقهاء غير المؤهلين، لكن المشكلة تكمن في نقطتين؛

الأولى: هي انحسار دور مؤسسة الأزهر الإسلامية وتراجع هيبتها ومكانتها، مما ترك فراغا ملأه مفتو السلفيين والإخوان، وهذا يتطلب معالجة عاجلة، فقد بدأ الوصول إلى السلطة تمهيدا للقفز على مؤسسة الأزهر.

والثانية: هي فشل رموز جبهة الإنقاذ وغيرهم في اكتساب ثقة المواطنين. ومن ثم يبدو أصحاب التحفظات على الديمقراطية وفرض معايير ممارستها، وكأنهم يحاولون التغطية على فشلهم، بدلا من اقتناص فرصة ثانية لمعاودة المنافسة على السلطة، ببناء جسور ثقة مع مواطنيهم.

ومن النقاط المشجعة، في هذا السياق، رفض قطاعات من الفقراء والذين لم يحظوا بالتعليم، محاولات الاستقطاب المتجددة من جانب الإخوان وفصائل الإسلام السياسي الأخرى. فهم يفضلون الإجراءات الإدارية باستخدام السلطة، بسبب كسلهم عن العمل السياسي الشعبي، والالتحام بمواطينهم على الأرض، ويسيئون للموجة الثورية الثانية، ويعرضون أنفسهم للاتهام بأنهم «فلول» مبارك. والأفضل لهم أن يخوضوا معركتهم في الشارع، ويفندوا حجج «التأسلم» والاتجار بالدين لاغتنام السلطة.

ففوائد استخدام «فيسبوك» لها حدود، ولا تنفع مع جميع الناس. وعليهم الإسراع بالمبادرة، فالوقت قصير والفرصة ربما لا تتكرر. والمشاركة، وليس الوصاية، هي شعار المرحلة ومفتاح النجاح، لكنها ليست سهلة.

__________

* إعلامي مصري

9