المشاعر السلبية عدوى نفسية تنتقل بالمشاركة الوجدانية

الأربعاء 2014/07/09
لا يوجد ما يبرر استسلامنا لمشاعر الآخرين لتصبح مع مرور الوقت مشاعرنا الذاتية

نراهم حولنا في كل مكان، هؤلاء الذين لا يجدون أي أمل في نصف الكأس الممتلئة ويلقون بظلال رمادية على كل ما تقع عليه أعينهم، المصابون بداء التذمر المزمن الذي يدفعهم دائماً إلى الشكوى وانتقاد الآخرين وعدم تقبل الواقع وصعوبة التعامل مع الآخرين وإلقاء اللوم عليهم دائما في حالة حصول أي طارئ.

هذه التشكيلة المعقدة من السمات الشخصية التي يوصف بها عادة الأشخاص السلبيون، تتكاثر بدورها إلى تصنيفات أخرى فرعية وهي تعمل بإصرار على أن تحول حياة صاحبها والمقربين منه إلى جحيم لا يطاق.

يرى بعض علماء نفس السلوك، أن الوقائع الظاهرة لسلوك هؤلاء السلبيين تجعلهم كثيري الشبه بـ “مصاصي الدماء” الذين يتغذون على الآخرين فيمتصون طاقتهم الإيجابية، ويعيثون فسادا في مقدرات حياتهم اليومية فتنتقل عدوى سوداويتهم بالتدريج إلى (الآخرين) مع تكرار الوقوع في شرك المشاعر السلبية وقوة تأثيرها. ولذلك، ينصح متخصصون بضرورة استخدام “استراتيجيات” معينة وبناء حواجز ومسافات محددة لتجنب الاحتكاك بمثل هؤلاء أو على الأقل وضع حد لتأثيراتهم السلبية في حياتنا.

وتؤكد الدكتورة شيري بورك كارتر، وهي عالمة نفس أميركية، أنه لا يوجد ما يبرر استسلامنا لمشاعر ومشاكل الآخرين لتصبح مع مرور الوقت مشاعرنا ومشاكلنا الذاتية. وترى الدكتورة كارتر صاحبة مؤلفات متخصصة في التوتر والإجهاد النفسي الذي تواجهه المرأة في حياتها، بسبب تأثرها سلبا بعلاقاتها مع الآخرين، أن مقابلة هؤلاء الأشخاص في المرة الأولى قد لا تفصح عن طبيعة شخصياتهم، إلا أنه وبمرور الوقت وتعدد اللقاءات فإن مشاعر معينة قد تنتابنا، مشاعر قد توصف بالتوتر والشد العضلي، الضيق، الإرهاق، الصداع وربما الحزن.

هذه المؤشرات هي التي تخبرنا بوجود شخص سلبي إلى جانبنا، ولهذا تنصح كارتر بضرورة الابتعاد عنهم مباشرة إذا كانوا غرباء أو وضع حواجز معينة للقاء بهم إذا كانوا أقرباء من مستوى معين، إذ لا يمكننا بسهولة قطع العلاقات الاجتماعية مع المقربين وبصورة مفاجئة. كما تنصحنا بعدم الانزلاق في هوة التعقيد ومحاولة لعب دور الناصح والمنقذ، إذ أن كل محاولاتنا لحل مشاكل هؤلاء السلبيين قد تذهب أدراج الرياح، لأنهم ببساطة سيبحثون عن بدائل ليغذوا سلبيتهم على الدوام.

يميل البعض إلى مشاركة الآخرين مشاعرهم السلبية بدعوى التعاطف وهم بذلك يسمحون لهذه المشاعر تدريجيا بتملكهم

وفي السياق ذاته، أكد فريق من علماء النفس في جامعة سينت لويس في ولاية ميسوري الأميركية، أن التوتر النفسي يشبه العدوى التي يمكن أن نلتقطها من الغرباء، حيث أظهرت أبحاثهم الرائدة هذه أن الاجهاد والضغط النفسي يكونان معديان في بعض الحالات، كما يمكن أن يؤديا بالأفراد إلى تبني سلوك بطولي في بعض المواقف.

وفي محاولة منهم لمعرفة مدى إمكانية تعرض الناس إلى “التوتر السلبي” بمجرد مجاورتهم لغرباء واقعين تحت تأثيره بالفعل، طلبوا من مجموعة من عينة مشاركين التطوع لإلقاء خطبة ما على الملأ، في حين طلبوا من مجموعة أخرى الاكتفاء بالإنصات للخطباء، ثم قام الباحثون بقياس نسبة “الكورتيزول” ومستويات أنزيم اللعاب المرتبط بمشاعر التوتر، لكلا الفريقين، الخطباء والمستمعين.

وأظهرت النتائج أن مقياس مستوى التوتر والإجهاد النفسي لمجموعة الأفراد الذين اقتصر دورهم على الاستماع للآخرين، كان في وضع متقارب مع مستوى التوتر لدى المجموعة الثانية التي خضعت لتوتر وإجهاد فعليين بموجب استجابتها لطلب فريق الباحثين ومواجهة الجمهور بخطب ارتجالية، كما أكدت نتائج الدراسة أن نوع الجنس لم يكن له تأثير يذكر في مستوى التوتر الذي تم قياسه في كلا الفريقين.

وفي السياق ذاته، ذكر المشرفون على التجربة بأن عوامل محددة يمكنها أن تزيد فرص انتقال عدوى التوتر والضغط النفسي إلى الآخرين وأهمها؛ نبرة صوت الآخر وتعبيرات وجهه، إضافة إلى وضعية جسده وربما رائحته.

ويرى الدكتور توني بوكانان، الأستاذ المشارك في قسم علم النفس في جامعة سينت لويس، أن بعض الناس يمكنهم (التقاط) مشاعر التوتر والإجهاد النفسي بصورة مباشرة، بمجرد الجلوس ومشاهدة أشخاص آخرين يتعرضون لمواقف حقيقية تستدعي مثل هذه المشاعر الانفعالية النفسية العنيفة، مشيراً إلى أن هذه النتائج كانت بمثابة المفاجأة لفريق البحث.

في المقابل، يتطوع بعض الأشخاص للعب دور المهدئ والمطمئن لانفعالات الآخرين كما يعربون عن استعدادهم الدائم للمساعدة، حيث يخضعهم غضب الآخرين إلى الاستسلام للمواقف الانفعالية والتراجع عن القيام بأي رد فعل، لتجنب الوقوع تحت تأثير هذه الانفعالات والمشاعر السلبية التي يتم (التقاطها) من الآخرين كالعدوى. يرى الدكتور رولاند ريجييو، أستاذ علم النفس التنظيمي والعلاقات في كلية كلاريمونت ماكينا، أن أسبابا نفسية عدة قد توجه بعض الأفراد للقيام بهذه الأدوار، منها عدم تقبلهم للمشاعر السلبية التي يرّوجها الآخرون كالغضب والحزن الشديد غير المبرر ورغبتهم في مساعدة الآخرين على تخطيها، كذلك تعمل هذه المحفزات على إحداث (عدوى عاطفية)، حيث يميل البعض إلى مشاركة الآخرين مشاعرهم السلبية بدعوى التعاطف، وهم بذلك يسمحون لهذه المشاعر - تدريجياً- بتملكهم، فيصبحون هم أيضا أسرى لها وبالتالي، يصبحون تواقين إلى التخلص منها وتخطيها بأسرع وأسهل الطرق. ولهذا، فنحن في الغالب مدفوعون بالرغبة في استرضاء الآخرين وترويض نوبات غضبهم وحزنهم وببساطة أكثر، نحن مدفوعون لاشعوريا بالرغبة في التخلص من المشاعر السلبية بأي ثمن، حتى إذا كان هذا الثمن زيادة التوتر الانفعالي والإجهاد ونمو مشاعر سلبية ذاتية أكثر حدة من تلك التي التقطناها من خلال تجارب الآخرين.

20