المشاغبات

الأحد 2017/05/14
لوحة: سعد يكن

اشترى بعشرين ريالا “قلى” (القلى: فول نابت) ساخنا من بائع متجول يقف أمام مدرسة للبنات. وبشكل مخروطي لفّ له البائع ما طلب في ورقة قطعها من دفتر إلى جوار مقلاة “القلى”، دفتر مستخدم تم الاستغناء عنه إلى جانبه عدة دفاتر يلتقطها البائع من أماكن رميها بعد أن يستغني عنها الطلبة نهاية العام الدراسي. تعمد صاحب العربة أن يجعل وجه الكتابة للداخل ليوهم المشترين أن أوراقه نظيفة. ناول المشتري ما طلب، والتفت ليلبّي طلب مشترٍ آخر.

انتبذ لنفسه مكاناَ يحتمي فيه من أشعة الشمس، وبمتعة هائلة راح يلقي حبوب “القلى” في جوفه مستمتعا بحرارتها وليونتها بين أسنانه. انتهى منها وهمَّ بإلقاء الورقة لولا شعوره أن هناك بعض حبات “القلى” في أسفلها. فتح الورقة ليجد فعلاً ثلات حبات من “القلى” في قاع مخروط الورقة. وقبل أن يلقي بالورقة في الشارع لفت نظره الألوان الزاهية فيها وبدأ يقرأ ما بجوفها:

المشاغبات

أمل محمد، لون الخط الأحمر.

هند علي، لون الخط أخضر.

مي عثمان، لون الخط أصفر.

سحر عبدالله، لون الخط أزرق.

دعاء خليل، لون الخط برتقالي.

بسمة يحيى، لون الخط بنفسجي.

أثارت انتباهه تلك الألوان الزاهية، الأسماء والألوان فتحتا شهيته ليتخيل الفصل الدراسي مسرحا ممتعا يجمع الست المشاغبات. أسند قامته لجدار الرصيف، وأطلق لخياله العنان: نزع عن كل مشاغبة البالطو الأخضر الترابي الذي ترتديه والذي فرضته وزارة التربية والتعليم، وألبسها بنطلون جينز أزرق و”T shirt” بلون خط اسمها، ورفع شعرها للأعلى كذيل الحصان، مثل كل الفتيات اللاتي يظهرن له في شاشات التلفاز. وفي ركن الفصل أطبق على أذنيه بيديه حتى لا يسمع كلامهن وصراخهن داخل الفصل. هو فقط يريد أن يمتع عينيه بجمال ودلال المشاغبات داخل الفصل. بقفز ولعب المشاغبات داخل الفصل. بضحك وصراخ المشاغبات داخل الفصل.

إطلاقه العنان لخياله جعل أجزاء كثيرة من جسده تنفر للأمام، وأثارت استغراب بعض المارة. أسرع بالجلوس على الرصيف حتى تَنفَضّ من مخيلته كل تلك الأحداث التي حرضتها ورقة أسماء المشاغبات.

كانت الورقة التي أحكم قبضته عليها قد تكرمشت وزادت أعطافها وابتلّت من العرق الذي راح يتصبّب من جسده، ردد في أعماقه: ماذا لو كانت المشاغبات في الشارع في كل مكان من حولي هل كنت سأبذل كل هذا الجهد في التخيل، أنا لا أتفاعل إلا مع الكلمات ومع التخيل. لعبة التخيل ليست دائما ممتعة بل هي لعبة مجهدة.

قام فجأة من على الرصيف كمن لدغته حية. قلب الورقة التي بين يديه، واصل قراءة ما تحت كلمة المشاغبات وأسمائهن. كانت مسألة رياضية تقول: أرض مستطيلة الشكل، مساحتها 27.625 كيلو مترا مربعا، فإذا كان عرضها 6.5 كيلومتر فما هو طولها؟

الحل

الحل غير موجود. همد، كمن ألقي عليه جردل ماء بارد بعد قراءة المسألة. عاد لصاحب عربة “القلى” وطلب منه هذه المرة “قلى” بأربعين ريالا كل عشرين ريال في ورقة.

كاتبة من اليمن

تنشر القصص بالتعاون مع "الجديد" الشهرية الثقافية اللندنية

15