المشاكل والتحديات الإقليمية لتونس

الثلاثاء 2014/08/05

تونس بلد صغير على الحافة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، يقف على رأس شمال أفريقيا موقعا، ويقيم من خارطة العرب في مغربها. وتحتل تونس من الحضارة العربية الإسلامية عمقها الوسطي المنفتح. ومساحتها لا تتجاوز 164 ألف كلم مربع. ولها حدان بريان ودولتان جارتان هما ليبيا جنوبا، والجزائر غربا. وبالنظر إلى صغر الحجم الجغرافي لتونس، فإن ما تعانيه من مشاكل وتحديات يعد تهديدا جديا لأمنها واقتصادها وديمقراطيتها الناشئة وأحلام شعبها الثائر المندفع إلى المستقبل. وتتأتى لتونس مشاكل كبرى من حدودها البحرية والبرية.

تشكل الحدود البحرية مشكلتين كبيرتين لتونس، الأولى مشكلة التهريب والتجارة الموازية حيث أثبتت التقارير والتحقيقات الرسمية أن ميناء رادس في خليج تونس هو الوكر الرئيسي لهذه العمليات منذ زمن زين العابدين بن علي. والدليل على حجم هذه المشكلة هي زيارة رؤساء الحكومات التونسية المتعاقبة بعد الانتخابات، وآخرها كانت الزيارة المفاجئة التي أداها رئيس الحكومة مهدي جمعة للميناء. ومع أن هذه الزيارات تنتهي بتغييرات في الإدارة العامة والقيادات العليا للميناء، فإنّ السلطات التونسية لم تفلح إلى حد الآن في إيجاد الحل الجذري المناسب لها بسبب تنفذ خلايا الفساد في إدارات الميناء وفي أجهزته.

ويكلف التهريب تونس خسائر اقتصادية فادحة حيث يقدر الخبراء أن حوالي نصف السيولة المالية المتداولة في تونس لا تمر عبر القنوات الرسمية وإنما عبر التجارة الموازية. وهو ما يفرز تناقضا بين ظهور أثرياء جدد بعيدا عن رقابة الدولة وحساباتها الجبائية، وبين غرق الدولة في العجز والمديونيّة.

والمشكلة الثانية المتأتية من الحدود البحرية هي مشكل الهجرة السرية بسب قرب السواحل التونسية من السواحل الإيطالية. وقد عرفت هذه الظاهرة حجما مفزعا بعد الثورة بسبب الارتخاء الأمني الذي شهدته تونس، حيث بلغ عدد المهاجرين التونسيين إلى أوروبا رقما كبيرا، حيث وصل إلى أكثر من 20 ألفا. والأخطر اليوم هو تحول تونس إلى قبلة للمهاجرين غير الشرعيين من دول الجوار وحتى من دول أفريقية. وهو ما يؤكد تنفذ المافيا التي تدير هذه الظاهرة وتمرسها وتضاعف خطرها.

كما تعرضت أعداد أخرى من المهاجرين إلى الحشر في مراكز اعتقال غير إنسانية في جزر صقلية ولامبيدوزا في إيطاليا. وتعرضت أعداد أخرى ممن نجحوا في الوصول إلى أوروبا بشكل غير شرعي إلى التهجير القسري إلى تونس. والذين أفلتوا من قبضة الشرطة يعيشون حياة صعبة تفتقر للكرامة والمناخ السليم في المحطات البعيدة والبناءات المهجورة وتحت القناطر وفي الحقول البعيدة حيث يمكن الاختباء.

واستفحال ظاهرة الهجرة السريّة أو تهريب المواطنين إلى أوروبا يتسبب لتونس في خسائر فادحة في مستوى الطاقة الشبابية النشيطة والفاعلة. وهي دليل على أمرين. الأول هو أن هذه الظاهرة تصنف ضمن الجرائم المنظمة التي تديرها مافيات خطيرة تتجاوز خلاياها التنظيم المحلي لتبلغ التنسيق الإقليمي وربما الأوروبي. وما تتسبب فيه هذه الجريمة المنظمة من خسائر في الأرواح يتجاوز بأضعاف كثيرة الخسائر الناجمة عن الإرهاب التكفيري. وهو ما يجعل الهجرة السرية ظاهرة إرهابية بشكل ما باعتبارها تهدر حياة الناس وتتمرد على أنظمة الدولة وقوانينها.

الأمر الثاني الذي يدل عليه استفحال هذه الظاهرة هو تفوقها وتقدمها على أجهزة الدولة التونسية من حيث تنظمها وتشابك خلاياها وارتباطاتها الخارجية. فتطور ظاهرة الهجرة السرية لم يجاره تطوير في المنظومة التشريعية والقانونية التي كان يجب أن تكفل كرامة المواطنين وحقوقهم في وطنهم، كما لم يجاره تطوير في أجهزة المراقبة وآلياتها لاسيما في المستوى الرقمي الفضائي حيث لم تنجح الأجهزة التونسية في منع إلا أعداد قليلة من القوارب، فيما نجحت أغلبها في التسلل قبل أن تتفطن إليها السلطات الإيطالية. وفقر المعدات وضعف الإمكانيات لم تتمكن تونس من تجاوزه نهائيا، رغم تواتر عمليات التنسيق والتشاور مع إيطاليا وفرنسا والاتحاد الأوروبي.

فالاتحاد الأوروبي يريد من تونس أن تكون الحارس الأول لشواطئه وسواحله بالمجان أو بأقل مقابل ممكن. إن الهجرة السرية في تونس مشكلة إقليمية معقدة أسبابها العميقة تعود إلى الحيف الاقتصادي والنهب الإمبريالي لثروات الشعب التونسي. فأوروبا تتحمل مسؤولية تاريخية في نشأة هذه الظاهرة المهينة لكرامة التونسيين واستفحالها، وليس لها أن تحمل تونس وحدها ثقل التصدي لها. وتبقى الحلول الأمنية حلولا عرضية فيما الأهم هي الحلول الاستراتيجية المتمثلة في الاستثمار العادل، وتمكين التونسيين من تنمية كريمة ومن نصيبهم الحقيقي في ثرواتهم وكف أيدي الشركات المتعددة الجنسيات عن الاقتصاد التونسي.

أما الحدود البرية فمشاكلها على تونس لا تقل تعقيدا بسبب الإرهاب والتهريب. صحيح أن في كلا الحدين ينشط الإرهاب والتهريب. ولابد من التمييز بين ليبيا والجزائر في هذا المستوى. وآلية التمييز هي الدولة وبسطها لسلطتها وفعالية أجهزتها. فالدولة الجزائرية قوية ومنيعة وتبسط سلطتها على كل شبر من ترابها ولا تتهاون في مراقبة حدودها ولا تتردد في التدخل لضرب الإرهابيين والمهربين.

ولذلك فإن التعامل بين الدولتين والحكومتين التونسية والجزائرية هو في أعلى مستويات التنسيق. وتجلى هذا التنسيق مؤخرا في مناسبتين، الأولى هي اجتماع دول جوار ليبيا في الحمامات بتونس يومي 14 و15 يوليو بدعوة من الجزائر، والثانية هي اللقاء الخاطف بين رئيس الحكومة التونسية مهدي جمعة ورئيس الحكومة الجزائرية عبدالملك سلال يوم 22 يوليو الماضي في منطقة حدودية للتنسيق الأمني والعسكري. كما تتحدث الأنباء الرسمية عن أن التنسيق الأمني والعسكري بين تونس والجزائر مفتوح في مستوى تبادل المعلومات والتحذيرات والتقارير.

أمّا الحد الليبي فهو الإعاقة الحقيقية لتونس بسبب غياب الدولة في ليبيا، وانفلات الوضع الأمني بشكل كامل وفوضى السلاح هناك وخطر التشكيلات والمجموعات الإرهابية المتطرفة. فالدولة الليبية، التي تسيطر عليها وعلى المؤتمر الوطني العام فيها تيارات إخوانية وسلفية متشددة، غير قادرة على إدارة شأنها الداخلي بشكل مدني يخضع للقانون والمؤسسات. فكيف ستتمكن من إبرام اتفاقيات مع جيرانها وتنفيذها؟ ولذلك يجد جيران ليبيا أنفسهم مجبرين على التنسيق فيما بينهم حول ليبيا للتوقي من المخاطر القادمة منها.

ويتمثل الخطر المتأتي من الحد الليبي لتونس في تصدير السلاح والإرهاب وإيواء إرهابيين وخطف دبلوماسيين ومواطنين تونسيين وتهريب كل شيء. كما يقيم 2 مليون ليبي في تونس. وهذا العدد مرشح للازدياد على ضوء تفجر المعارك الدامية في ليبيا موفى يوليو الماضي وفرار الليبيين والأجانب إلى تونس، التي صارت في أمس الحاجة إلى المساعدة الدولية لمواجهة هذه الأوضاع.


كاتب وباحث سياسي من تونس

8