المشاهدون يتساءلون: أين الجاسوسية في مسلسل "الزيبق" المصري

احتلت دراما الجاسوسية النصيب الأعظم من المشاهدة على مرّ السنوات التي أنتجت فيها مسلسلات في هذا الغرض، ليكون التفاعل الجماهيري معها كبيرا وحميميا أيضا، ومع عرض الحلقات الأولى من المسلسل المصري “الزيبق” الذي لعب دور البطولة فيه الفنان كريم عبدالعزيز وشريف منير انجذبت إليه أنظار المشاهدين، إلاّ أن ذلك ما لبث أن فقد بريقه بعد مرور نصف الأحداث، ولم ير المشاهد فلم ير إلاّ تطويلا مملا، ولم يفهم ما هي بالضبط القضية الرئيسية للمسلسل؟
الخميس 2017/08/03
تفاصيل جانبية بلا جاذبية

القاهرة- العمل على قضايا الجاسوسية في الدراما ليس أمرا سهلا ويتطلب بذل جهد كبير من المؤلفين وقراءة متأنية وواعية للتاريخ، حتى يمكن نسج عمل مقنع يراعي التفاصيل الدقيقة للظرف السياسي والمرحلة التي يعالجها المسلسل، ومن ثم يتفاعل المشاهد مع العمل، خصوصا وأن أعمال الجاسوسية بالطبع تكون دائما محملة بسياق ذي خصوصية وحساسية كبيرتين، كونها لا تخرج إلاّ من وقائع حقيقية من جهاز المخابرات العامة في أغلبها.

أسئلة عالقة

هذه الخصوصية الشديدة افتقدها المسلسل المصري “الزيبق” الذي عرض في رمضان المنقضي، حيث غلب عليه التطرق إلى الأمور العائلية للبطل “عمر” الذي لعب دوره كريم عبدالعزيز، وكان لزاما على المؤلف وليد يوسف التعمق سياسيا أكثر في مرحلة التسعينات من القرن الماضي (تدور الأحداث في عام 1998)، لا أن يكون الضوء مسلطا فقط على مشاكل البطل العائلية.

على سبيل المثال، وعلى الرغم من استطراد المؤلف في مشاهد “كامل” شقيق “عمر”، والذي عاد من العراق محملا بالأموال ويتميز بالبخل الشديد، لم يسرد لنا الكاتب أي معلومات عن المعاناة التي لقيها هذا العائد من الخارج، وكيف جمع أمواله تلك التي جعلته يظهر بهذا البخل، كما لم يشر إلى فكرة الاغتراب عن الوطن فلم نشعر بالحنين من أي عبارة يرويها، بل إن عودة هذا الشقيق من العراق لم يعرف المشاهد سببها؟

أداء كريم عبدالعزيز كان مميزا، وتجربة وائل عبدالله الأولى في الإخراج التلفزيوني ناجحة ومحمد شاهين تفوق بامتياز

كذلك فإن “الخال”، الذي جسد دوره الفنان طلعت زكريا، لم نعرف بالضبط لماذا بقي حتى سن متأخرة دون عمل أو زواج، وهل من بين الأسباب الأزمات الاقتصادية والمجتمعية التي عاشتها مصر وبدأت مع تنفيذ سياسة الانفتاح الاقتصادي التي كانت ذروتها خلال حقبة الثمانينات من القرن الماضي؟

كان كل ما رأيناه تقربه الشديد من ابن أخته “كامل” العائد من الخارج طمعا في كسب فرصة عمل معه، وحتى الشخوص الذين ظهروا في الحارة الشعبية لم تتبلور شخصياتهم بالقدر الكافي، كما لم يوضح لنا المؤلف أسباب انفصال بطل المسلسل عن زوجته.

المسلسل يستغرق في تفاصيل الحياة الشخصية للبطل الموازي ضابط المخابرات خالد صبري، الذي لعب دوره الفنان شريف منير، وبدا طوال الوقت متأزما وسط عائلته بسبب عدم قدرة زوجته على الإنجاب، ما جعل الجانب الشخصي في حياة هذا الضابط -الذي يعامل زوجته برقة وعذوبة طوال الوقت- يطغى على دوره الأهم كضابط يعمل في أخطر أجهزة الدولة.

ربما يقال إن الدخول في حياة الشخوص العائلية أمر قصده مؤلف العمل لضمان تحقيق جاذبية أكبر لمسلسله، لأن المشاهد دائما يبحث عن هذه الجوانب في الأعمال الدرامية، لكن التطرق إليها على حساب فكرة العمل الرئيسية “الجاسوسية” -طوال عشر حلقات كاملة- أبعد المشاهدين عن فهم المسلسل، وهل هو دراما اجتماعية أم دراما عن الجاسوسية بالأساس؟

أما في ما يتعلق بفكرة “الجاسوسية” في المسلسل، وبعيدا عن مسألة تأخرها طوال الحلقات الأولى، فقد حملت تشابها كبيرا مع الكثير من الأعمال الأخرى السابقة التي قدمت في هذا الاتجاه، مثل “رأفت الهجان” الذي لعب بطولته الراحل محمود عبدالعزيز، و”دموع في عيون وقحة” للفنان عادل إمام.

شبيه بالأعمال السابقة

جاء التشابه في محاولة بطل “الزيبق” أن يكون خفيف الظل كما سبق أن فعل كل من عبدالعزيز وإمام، وارتباط البطل “عمر” بشقيقته “فاطمة” (التي لعبت دورها سهر الصايغ)، وهو نفس الارتباط بين الهجان وشقيقته عفاف شعيب في “رأفت الهجان”، كما كان هناك تشابه في الظروف الاجتماعية للأبطال الثلاثة، من حيث تردي أوضاعهم الاقتصادية، فجميعهم يعانون الفقر، وافتقد العمل إلى الإبداع والتجديد في تغيير نمط حيوات الأشخاص.

لا يمكن إنكار أن أداء كريم عبدالعزيز كان شديد التلقائية والقرب من المواطن البسيط، وقد يكون هذا الدور الأفضل في تاريخ مشواره التلفزيوني

وكان المأزق الأكبر في “الزيبق” أنه لم يستطع نقل إحساس الانتماء إلى الوطن إلى المشاهدين وفرض أهمية القضية الوطنية بقوة على مضمون الأحداث، الأمر الذي كان المشاهد العربي في أمس الحاجة إليه في الوقت الراهن مع شيوع حالة اليأس والتخبط الفكري التي تتزايد يوما بعد آخر.

ولم يكن اختيار فترة نهاية تسعينات القرن الماضي لتكون زمنا لأحداث المسلسل موفقا، لأن هذا الوقت لم يرتبط بالحديث عن عمليات تجسس إسرائيلية، بل دار الحديث آنذاك عن تصاعد ظاهرة الإرهاب وخطرها ونشأة تنظيم القاعدة، ومعروف دائما أن دراما الجاسوسية ارتبطت غالبا بظرف سياسي يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل وصراع العرب معها، كما حدث مثلا قبل حرب أكتوبر 1973 أو ما وقع بعدها.

ورغم ذلك، وبعيدا عن ضعف سيناريو “الزيبق” والأخطاء التي ظهرت في استخدام بعض التفاصيل المرئية التي لم تكن موجودة خلال هذه الفترة (نهاية التسعينات)، فإن الصورة التي صنعها منتجه ومخرجه وائل عبدالله في تجربته التلفزيونية الإخراجية الأولى بقيادة مدير التصوير مصطفى فهمي تميزت بالجودة العالية في الصور النهائية لمشاهد العمل.

ولا يمكن إنكار أن أداء كريم عبدالعزيز كان شديد التلقائية والقرب من المواطن البسيط، وقد يكون هذا الدور الأفضل في تاريخ مشواره التلفزيوني منذ تقديمه تجربته الأولى في مسلسل “امرأة من زمن الحب” الذي قدّم في تسعينات القرن الماضي مع النجمة سميرة أحمد.

الأمر نفسه ينطبق أيضا على “سالم” الجاسوس المصري المقيم في اليونان، ولعب دوره الفنان محمد شاهين، وجسد شخصية شاب يستبيح فعل أي شيء من أجل كسب المال بعد فشله في حياته بالقاهرة، ونجح شاهين في تقديم نفسه في صورة الانتهازي الطمّاع، وهو ما يتطابق مع شخصية سيء السمعة الذي يعمل جاسوسا ضد مصلحة وطنه.

16