"المشاية" رحلة البحث عن زوال الكرب في كربلاء

يقطع الشيعة في العراق المئات من الكيلومترات على أقدام في رحلة شاقة إلى مرقد الإمام الحسين بحثا عن الخلاص من هموم الدنيا والأمراض، هي رحلة أمل بأن يشفى المريض ويعود الغائب، ولا تخلو هذه السفرات الطويلة من التضامن والمؤازرة بين الناس، كما يستغل السياسيون فرصة تجمع الناس ليبيضوا سمعتهم ويزيدوا من شهرتهم بأن يقدموا الطعام والماء لهم في مضافات على الطرقات المؤدية إلى كربلاء، كما يستغل المتطرفون ودعاة الطائفية هذه المناسبة للقيام بالتفجيرات والعمليات الإرهابية.
الأربعاء 2017/11/08
التشابيه من ذاكرة التاريخ

بغداد- في بغداد، وضواحيها وسط مزابل العاصمة الضخمة، وروائحها الكريهة، وكتلها الكونكريتية، التي وضعت كمصدات للسيارات المفخخة تسير جموع الزائرين، أو ما يسمى بالمشّاية، ممن يتجهون صوب كربلاء.

وقد استخدمت الحكومة العراقية منذ العام 2005 المصدات الكونكريتية لعزل المناطق الشيعية عن السنية داخل العاصمة لمنع الاحتكاك بين الطائفتين. واستخدمتها أيضا كوسيلة تعيق حركة السيارات، وجعلها خاضعة للتفتيش والمراقبة بالسكانر والكشف الحراري، والكلاب البوليسية.

ومنذ يومين تم قطع طريق محمد القاسم السريع، الذي يعتبر المسار الحيوي للنقل داخل بغداد، والمحافظات الجنوبية والشمالية، لحماية الزائرين “المشَّاية” أثناء سيرهم صوب كربلاء.

ويتسبب قطع الطريق السريعة في وصول الحالات الطارئة إلى المستشفيات في العاصمة كالحالات المرضية والولادات، إلى جانب تعطيل مصالح أكثر من مليونين من سكان بغداد.

وتمر مختلف المواكب تتقدمها مجموعات “التشابيه” وهم ممثلون ارتدوا الأزياء القديمة التي تعود إلى القرن الهجري الأول، لتمثيل عودة السبايا من دمشق بعد واقعة الطف، التي حدثت في العام 61 هجري بين جيش الدولة الأموية، والحسين وأصحابه، وانتهت باستشهاد الحسين ومجموعة من آل بيته وأصحابه. وتعمد هذه الجموع إلى تمثيل عودة السبايا من دمشق لزيارة ضريح الحسين حفيد الرسول الكريم في كربلاء.

طلب الشفاء والمغفرة

طعام الثواب

انتشرت على طول طريق “المشاية” منصّات مؤقتة لتوزيع لفات الطعام والشاي والماء، واستغلت الأحزاب الدينية المناسبة الدينية عند الشيعة، لتأكيد وجودها من خلال راياتها ويافطاتها.

وكي تلفت أنظار شريحة واسعة من الشيعة لبعض شخصياتها، التي تناوبت على حكم البلاد طوال الأربع عشرة سنة الماضية من خلال البرلمان والوزارات، ورئاسة الحكومة، لكنها لم تنجح إلا في زيادة تردي أوضاع البلاد.

يسير الرجال والنساء والأطفال في طوابير طويلة يغطيهم السواد، والرايات المرسوم عليها وجوه، وكتابات تمجد ثورة الحسين واستشهاده، وعلى وجوههم تقرأ بؤس الحياة، وفقر ما يعيشونه.

أرامل فقدن الأزواج في الحروب الكثيرة، ورجال فقدوا أطرافهم يزحفون على أسفلت الشارع، طلبا للثواب من الله ومغفرة الذنوب.

أطفال يعانون من أمراض خطيرة فقد أهلهم الأمل في شفائهم بسبب تخلف الخدمات الصحية في البلاد، وبسبب هروب معظم الأطباء الأخصائيين من البلاد خوفا من التهديد بالخطف أو القتل على الهوية أو القتل بدافع الانتقام لموت أحد الأقرباء في عملية جراحية أو لاعتقاد خاطئ بأنّ الطبيب له يد في وفاة المريض. يسير هؤلاء الأطفال ونظراتهم زائغة في الأفق في مقدمة المواكب طلبا للشفاء من الله ببركات الحسين الشهيد.

أهل المدن التي تمر بها مواكب المشاية، لا يسير أغلبهم مع المشاية، لكنهم يستغلون المناسبة لجمع أكبر عدد من لفات الطعام وعلب الماء المجانية من المنصات.

وتقوم نساء بأخذ ما يوزع من أطعمة وإخفائها في حقائب مملوءة بالأطعمة المجانية تحت عباءاتهن السوداء، رغم أن ما يوزع لا يعدو أن يكون سوى لفات طعام رخيصة الثمن، مملوءة بالخضروات، والمخللات، والبطاطا المقلية، والباذنجان، أو الفلافل كوجبات طعام لعائلاتهن الفقيرة.

فقد انتشر الفقر بين مختلف شرائح الشعب العراقي، وانتشرت البطالة، فالأجيال الشابة لا تجد أي فرصة في التوظيف أو العمل، لذلك يضطر الشاب العاطل إلى المشي في هذه المواكب الجرارة عبر المدن.

هذا ما أسرّ به أحد المشاة في هذه المواكب، ويدعى كرار (22 سنة) من مدينة بغداد الجديدة وينتمي إلى موكب الحسين الشهيد، “أمشي في هذا الموكب للسنة الرابعة، وأجد المتعة في ذلك كوني أشارك الناس في أحزانهم، وأنفس عن غضبي وحسرتي وقلة حيلتي تجاه حياتي، فلا أمل لي في الحصول على عمل بعد أن أكملت دراستي في معهد التكنولوجيا، وتخرجت خراط مكائن، ولكن لا الدولة مهتمة بتعييني، ولا القطاع الخاص يقبل أن يشغلني لأنني لا أملك الخبرة العملية اللازمة كما يقولون”.

على وجوههم تقرأ بؤس الحياة

ويتنهد الشاب كرار بحسرة عميقة مضيفا “البعض ممن أعرفهم أعطوا لنائبة معروفة دفترا (10 آلاف دولار)، وحصلوا على وظائف في الدولة، وبعضهم الآخر اشتغلوا في غير تخصصاتهم بالواسطة، وأنا أمشي إلى ضريح الحسين عسى أن يحل الله لي مشكلة التعيين وأحصل على وظيفة كبقية الشباب لأعيش حياتي وأساعد والدي الضرير”.

طلب المعجزة

تسير أم سجاد (50 سنة) مع الموكب ملفوفة بالسواد الذي يشبه قصتها الحزينة، لكن المرأة لم تفقد الأمل بعد، فقد فقدت ابنها سجاد (19 سنة) في مجزرة سبايكر الشهيرة سنة 2014 والتي أعدم فيها الدواعش أكثر من 1700 طالب من القوة الجوية العراقية من الطائفة الشيعية في محافظة صلاح الدين.

تقول الأم الثكلى عن مشيها في الأربعينية لـ”العرب”، “أنا ذاهبة لأرى ابني سجاد، هذه المرة الثالثة التي أمشي فيها لأبي عبدالله، وفي كل مرة أرى ولدي سجاد بين جموع المشَّاية، وأحاول أن ألحق به، ولكنه شاب يسير أسرع مني، ولا أستطيع أن ألحق به.. ولدي سجاد لم يمت، ولم يجلب أحد جثمانه، ولا أزال أعتقد أنّه نجا من المجزرة، وهو وحيدي، وليس عندي غيره، وأبوه توفى بعد عام على حادثة فقدان ابنه. كنت أعد العدة لتزويجه، لكنه الآن في مكان ما لا أعرفه، وببركات الزيارة سأراه وأعرف أين يقيم، وهذه السنة سألحق به ولن أتركه يضيع مني وسط الجموع مرة أخرى”.

الحاج محمد الحمراني (65 سنة) وقد بدا العجز والتعب عليه، وهو يحاول أن يضبط إيقاع مشيته العرجاء مع سير موكب الشباب، وعكازه ينتقل مع كل خطوة إلى الأمام، قال لـ”العرب”، “لدي عجز كلوي، وآلام في ركبتي، وأنا أسير إلى ضريح الإمام عسى الله يمنحني الشفاء. أنا أواسي رسول الله باستشهاد حفيده، وأسأل الله أن يخفف عني أمراضي وأوجاعي، وأسير طوال النهار طلبا لمعجزة الشفاء، لكنني أتوقف وقت الغداء في أقرب حسينية لأتناول الغداء، وأرتاح قليلا قبل أن أواصل المشي من جديد إلى أذان المغرب، فأتوقف في أحد مخيمات إيواء الزائرين، وأنام إلى صباح اليوم التالي، لأواصل المسير باتجاه كربلاء”.

المسافة التي يقطعها الزائرون من بغداد إلى كربلاء 105 كم، وتستغرق بالسيارة ساعة وعشر دقائق تقريبا، ولكن المشَّاية يقطعونها في يومين أو ثلاثة أيام، ويمرون بمدينة المحمودية، وبعد ذلك بمنطقة جرف الصخر، التي تعتبر من أخطر مناطق التوتر الطائفي بين السنة والشيعة، وتعرضت المواكب في تلك المناطق إلى عدة تفجيرات في السنوات الماضية راح ضحيتها العديد من الزوار الشيعة من العراقيين والإيرانيين، وبعد ذلك أصبحوا يمرون بالمسيب ليصلوا كربلاء.

والمشّاية القادمون من البصرة والمتجهون صوب كربلاء يقطعون أكثر من 500 كم، وتستغرق الرحلة بالسيارة أكثر من 5 ساعات ويقطعها المشَّاية خلال 10 أيام أو أكثر، وتمر بمدينة الناصرية، والسماوة، والحلة ثم كربلاء. وتعتبر هذه المناطق ذات غالبية شيعية، ولكن مخاطر كثيرة تهدد الزائرين بسبب الحدود الصحراوية، خصوصا في منطقة الناصرية، التي تعرضت مطاعم طريق المسافرين السريع فيها قبل شهور قليلة إلى عملية إرهابية راح ضحيتها المئات من القتلى والجرحى من المسافرين العراقيين والإيرانيين.

أموال السياسيين

جلد الذات في سفر الأمل

يقول الحاج مزبان خنجر صاحب مضافة الحمزة قرب الحلة “نحن نقوم بخدمة الزائرين، ونقدم لهم وجبتي طعام، الفطور والغداء، وكذلك نوفر لهم السكن في إحدى دور المتبرعين. ونقوم في المساء بجمع الزائرين والزائرات، الذين يرغبون في المبيت في ضيافتنا، فتبيت النساء في بيوت تخدمها نساء متطوعات لخدمة الزيارة الأربعينية، والرجال في بيوت أخرى يخدمها الرجال، وفي الصباح يقدم لهم الفطور ليواصلوا مشيهم باتجاه ضريح سيد الشهداء الحسين”.

يقول خنجر عمن يمول مضافته أو بيوت خدمة الزائرين التي يرعاها، “نحن رفضنا أي تمويل من أي سياسي أو من يعمل في حزب ما، وما ننفقه هو من مالنا الحلال في سبيل الله، ومواساة لرسول الله في مصاب حفيده الحسين، وهناك مضافات تمول من سياسيين وأحزاب دينية، لأجل غرض الدنيا والسمعة الطيبة، وطلبا للثواب، فالسياسي الفاسد، مهما بالغ في إكرامه للزائرين في هذه المناسبة فهو يعرف أنَّه ليس إلا منافقا، ولا يقبل منه عمله، لا الله ولا الناس، فالحلال بين والحرام بين والعاقبة للمتقين”.

يقول النقيب ساجت بخيت من قوات الشرطة الاتحادية، إنّه، وبمعيته مفرزة من الشرطة المحلية المنتشرة على طريق الناصرية-السماوة يقومون بحماية الزائرين، ومنع أي مخاطر عنهم، كما أنَّهم حددوا نقاطا لتجمع من يتيه من الزائرين كبارا أو أطفالا عن جماعاتهم، وحددوا أعمدة الكهرباء كنقاط دالة تم ترقيمها لمعرفة الموقع الصحيح لغرض جمع شمل التائهين.

وتحدث المعاون الطبي أمجد حاكم عن الوضع الصحي للزائرين، وما يتم تقديمه للمشاية من علاج في الحالات الطارئة، “أغلب من يراجع نقطتنا الصحية، التي أقمناها على الطريق، يأتي بسبب انخفاض الضغط جراء فقدان السوائل بسبب الإسهال أو التعرق الشديد الناجم عن حرارة الجو ومجهود المشي، أو عن ارتفاع ضغط الدم بالنسبة لكبار السن. وعالجنا حالات من التشنج العضلي في القدمين والساقين والرقبة. وأحلنا إلى المستشفيات في المدن القريبة كالناصرية أو البصرة الحالات المستعجلة التي تحتاج عمليات جراحية كالزائدة الدودية أو الذبحة الصدرية، والجلطات الدموية”.

ويضيف حاكم “الأدوية والعلاجات التي نقدمها بسيطة، وأغلبها مسكنات، فنحن فرقة للطوارئ أي فرقة تساعد المريض على تحمل إصابته، حتى يصل إلى المستشفى، ويشرف على علاجه طبيب، وجميع خدماتنا للناس مجانية”.

20