المشترك الإخواني والسلفي في الأردن أوهام الخلافة وسراب الأصولية

الاثنين 2015/01/05
إخوان الأردن يمثلون خزانا بشريا وسلوكيا لتكاثر ظاهرة السلفية العنفية

عمان- التقاطعات الفكرية والسلوكية بين جماعة الإخوان المسلمين والسلفية الجهادية تشي بأبعاد مختلفة تمثل نقاط التقاء بين الجماعتين الإسلاميتين. في المستوى النظري، كان سيد قطب “الأب” المؤسس لتوجه العنف الذي تعتمده المجموعات الجهادية.

أما من الناحية العملية، فإن مسح مجموعات الإسلام السياسي أبرز أن التقاطعات في المشروع (حلم الخلافة) والسلوك السياسي (العنف) تتجلى بوضوح في الحركة الإسلامية الأردنية.

الصدام بين التيار السلفي والإخوان المسلمين في الأردن كان ولا يزال عنوانه البارز هو “التنافس على الفضاء”، أي التنافس على المجال الذي يقدم فيه هؤلاء الإسلاميون خطابهم للعموم.

فالسلفية تعول على حضورها الواسع في المساجد ومراكز الاشتباك والاتصال الشعبي، وخطابها الديني – السياسي المحتشد من خلال خطبائها ودعاتها. ولكن ومنذ حضورها المبكر في المجتمع الأردني، أعلنت الدعوة السلفية الحفاظ على خصومتها الصريحة مع جماعة الإخوان وأفكارهم، بما يقدمونه من خطاب فكري معارض للعمل السياسي والحزبية والعقائد الدينية للجماعات الأخرى.

وعلى الرغم من إعلان تنظيم “الدولة الإسلامية” موقفاً معادياً لجماعة الإخوان المسلمين، حدّ تكفير الرئيس المصري المعزول محمد مرسي، فإن التيار السلفي الجهادي الأردني رفض تكفير أفراد جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، وذراعها السياسي “حزب جبهة العمل الإسلامي”، إلا من أتى “بناقض من النواقض”، وفق القيادي في التيار أبي محمد الطحاوي.

جماعة الإخوان انطلقت من مشروع نهضوي إلا أنها سرعان ما قطعت مع ذلك المشروع، فأضحت أصولية وسلفية

إذا كانت جماعة الإخوان المسلمين قد نهلت بعض أفكارها من الحركة الإصلاحية الإسلامية، فإنها سرعان ما انتهت من محاولة التعبير عنها في مشروع سياسي حزبي إلى قطع مع منطلقاتها وأهدافها، بل وإلى إجهاضها كمشروع فكري في طور البناء لتفتح الطريق أمام مشروع جديد ذي طابع سياسي، فيما نضجت تلك القطيعة مع سيد قطب الذي شكل الأرضية الفكرية لكثير من الحركات السلفية المتطرفة، وعلى الرغم من اختلافها حول الأولوية الحركية للتطبيق، فإنها تشترك في الأخذ بالمنهج النصيّ والتكفيري وبمفهوم الحاكمية لله التي مزجت فيما بعد بفكرة “الولاء والبراء” على يد محمد سرور لدى جمعه بين التيارين: الوهابي والقطبي، وإعادة أسلمة المجتمع والدولة بأسلوب العنف، لكونها دار كفر وحرب لا تخضع لحاكمية الله، بغض النظر عن الدين الذي يعتنقه السكان.

وقد تسبب ذلك في انقسام داخل صفوف الإخوان، بين فريق يرفض المنهج التكفيري والمواجهة المسلحة، مقابل آخر يطالب بالانقضاض والانقلاب الجذري، مما أدى إلى تشكيل مجموعات تكفيرية تشرّبت هذه الأفكار (مثل التكفير والهجرة، والجماعة الإسلامية، وتنظيم الجهاد)، وولادة قراءات ومفاهيم جديدة تصل إلى تشريع إعلان الحرب ليس فقط على “الآخر” (بنسب متفاوتة)، وإنما أيضاً على مجتمع المسلمين وضدّ المخالفين لتفسيراتها، مع استحضار سوابق تاريخية صدرت فيها فتاوى تشرع القتال والجهاد في الداخل الإسلامي، وتوظيفها بما يجعل لها سلطة مرجعية حاسمة في إعلان مشروعية الحرب و”الجهاد” داخل المجتمعات الإسلامية المعاصرة، مما فتح الباب أمام صعود خطاب التكفير والعنف والانغلاق، وإنجاب بنى سياسية من داخلها أساءت استخدام فكرة الجهاد، وفتحت المجال السياسي والاجتماعي على الفتنة والحرب الأهلية، على الرغم من أن حركة الإخوان المسلمين لم تكن بمنأى عن شكوك اكتنفت التنظيم الخاص (السري) الذي تأسس العام 1938.

ثمة من يجد جوانب مشتركة بين التيارين، الإخواني والسلفي، تتمثل في الماضوية، أي عنصر العودة إلى الماضي والأصول أو السلف، وشمولية الرؤية للإسلام باعتباره ديناً ودنيا، إضافة إلى الدعوة النضالية التي تجد ترجمة لها في الدعوة للتغيير وأسلمة المجتمع والدولة، والعمل بالجهاد بكل أشكاله من أجل فرض تصورهم أو ما يسمونه بالحل الإسلامي، أي أن الإسلام مرجعية الفكر والعمل والطموح نحو إنشاء الدولة الإسلامية والسعي إلى تغيير المجتمع سلماً أو عنفاً في الاتجاه الأفضل بالنسبة إليها على جميع المستويات، غير أن الجزئية الأخيرة تشكل الفارقة للتمايز بينهما، الأمر الذي كان سبباً في حدوث الانشقاقات والخلافات داخل صفوف تلك الحركات.

حركة الإخوان المسلمين لم تكن بمنأى عن شكوك اكتنفت التنظيم الخاص (السري) الذي تأسس العام 1938

إذا كانت مجمل الحركات الإسلامية الأخرى تلتقي، وإن اختلفت “تكتيكيا”، حول “حلم” إقامة دولة إسلامية وتغيير هيكلية النظام السياسي ومؤسساته وإحداث تحول اجتماعي كبير، مما يمثل في نهاية الأمر عملاً مستمراً على تغيير النظام السياسي والدستور والأوضاع السياسية القائمة، وهو الذي عبّر عنه مراقب عام جماعة الإخوان همام سعيد بقوله: إن “الدولة الإسلامية قادمة في الأردن، وإن فجرها بدأ يلوح”، وذلك عند صعود تيار الإسلام السياسي إلى واجهة المشهد العربي الإقليمي إبان انطلاق حراك التغيير، إلا أن رؤية الفصائل، التي تتبنى خط السلفية الجهادية أو المنتمية للقاعدة كجبهة النصرة وتنظيم “الدولة الإسلامية”، تختلف عن أجندة الفصائل الإسلامية الأخرى في التكتيك والأولويات، فضلاً عن استلال جماعة الإخوان وسائل سياسية سلمية في تنفيذ “حلم” إقامة الدولة، شريطة وجود ممهدات لإقامتها، خلافا للسلفية الجهادية التي تتبنى العنف تنفيذا لما تنادي به.

خلاصة من بحث نادية سعد الدين “داعش وسؤال التمكين في الأردن وفلسطين”، ضمن الكتاب 92 (سبتمبر 2014) “داعش- التمويل – الإخوان” الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13