المشتريات الحكومية ملعب الفساد الأوسع في العراق

الاثنين 2015/05/04

على مدى 12 عاما استأثرت أخبار الفساد في الصفقات والمشاريع الحكومية الكبيرة بعناوين الأخبار، لكنها رغم فداحتها ووقاحتها، لا تمثل سوى القمة الطافية من جبل الفساد، الذي يمتد إلى كافة أنحاء خارطة النشاطات الحكومية.

الصفقات الخارجية الكبرى التي رافقتها فضائح كبرى، لا يتجاوز عددها العشرات، والمبالغ التي تمت سرقتها فيها، لا تعادل سوى جزء ضئيل من مئات الآلاف من الصفقات المتوسطة والصغيرة، التي أبرمتها الوزارات والمؤسسات الحكومية طوال 12 عاما، تحت عنوان المشتريات الحكومية.

يكفي أن نشير إلى أن ما أنفقه العراق على تلك المشتريات في العام الماضي فقط، بلغ أكثر من 51 مليار دولار، حسب بيانات البنك الدولي، أي ما يعادل نصف موازنة العام الحالي، وأكثر من 22 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتعد تلك المشتريات الملعب الأوسع للفساد المالي في العراق، حيث تستند إلى إجراءات بالية يسهل التلاعب بها من قبل لجان المشتريات التي تتنافس عليها القوى السياسية في كل دوائر الدولة.

ويتندر العراقيون على أن أول إجراء يتخذه أي وزير أو مسؤول يتولى منصبا في قمة مؤسسة عراقية، هو تغيير موظفي ولجان المشتريات بحجة تطهير المؤسسة من الفساد الذي يهيمن عليها، وهو في الواقع يحاول الهيمنة على مفاتيح الإنفاق ومنح العقود ليلحقها به.

وتستند لجان المشتريات في منح العقود إلى إجراءات بالية ومتطلبات تعجيزية يسهل التلاعب بها لتنطبق فقط على من تريد اللجان أن تذهب العقود إليهم.

وينتهي الأمر عادة في نهاية المطاف إلى منح العقود لمن يريده صاحب النفوذ، حتى لو كان العرض الذي تقدم به يفوق عدة مرات قيمة العروض المنافسة، ويمكن أن تجد اللجان عذرا لسبب اختيارها، مثل مخالفة شرط تعجيزي أو تحديد منشأ مختلف عن منشأ العقود المنافسة.

قبل سنوات اطلعت عن قرب على محاولة مسؤول حكومي كبير في أحد مصانع الدولة الحصول على إحدى المواد الأولية بالسعر المعروف عالميا، بعد أن اكتشف أن الشركة تشتري تلك المادة بأضعاف سعرها العالمي.

وتمكن من إقناع شركة أجنبية بتقديم عرض لا يمكن منافسته من قبل الموردين الآخرين، بعد أن اكتشف أن جميع العروض الأخرى تأتي من جهة واحدة، بسبب صياغة العروض ووقوعها في نفس الأخطاء الإملائية واللغوية.

ولكن المسؤول عجز في نهاية الأمر عن ترجيح كفة العرض منخفض التكلفة بسبب الشروط التعجيزية، التي تمكنت في نهاية الأمر من فرض أعلى العروض سعرا، والذي يكلف المؤسسة أضعاف السعر العالمي لتلك المادة الأولية، إضافة إلى خشيته من اتهامه بالفساد بسبب انحيازه للعرض الأفضل.

قصص لجان المشتريات العبقرية شائعة بين العراقيين، وقد تابعوا في الأسابيع الماضية بعض الملفات التي كشفتها قناة البغداية عن عقود تذهب لشركات مرتبطة بالوزراء وكبار مسؤولي المؤسسات التي تمنح تلك العقود.

وحسب البنك الدولي فإن إدارة الاستثمارات العامة في العراق تقتضي تدريب الموظفين المدنيين على إجراءات المشتريات، وتتطلب وضع نظام يتسم بالكفاءة لإبرام العقود الحكومية.

وقد أكد في الشهر الماضي أن المشتريات الحكومية تمثل أحد أكبر أبواب إهدار أموال الموازنة، وأنها خلقت نظاما يتسم بغياب الكفاءة وتفشي الفساد والتأخير.

ورسم صورة قاتمة لمستقبل البلاد حين قال إن تفشي الفساد في إسناد العقود الحكومية يضعف نظرة المستثمرين لمناخ الأعمال في العراق ويضر بفرص زيادة الاستثمارات الأجنبية مستقبلا.

هناك بعض بصيص أمل إذا ما تحقق ما أعلنه البنك الدولي من أنه دشن بالتعاون مع الجامعات العراقية الحكومية، برنامجا مبتكرا لإعداد موظفي المشتريات المهنيين لإدارة المشتريات بكفاءة ونزاهة، لكن ذلك لا يضمن وصول أؤلئك الموظفين إلى مراكز القرار دون إقصائهم أو إفسادهم.

ويبدو من المستبعد أن تتمكن صرخة البنك الدولي من تغيير معادلة الفساد الراسخة، التي امتدت جذورها في أنحاء البلاد في ظل طبقة سياسية غير معنية سوى بسرقة أقصى ما تستطيع من موارد البلاد.

11