المشجعات الجزائريات يصفقن لمباريات كرة القدم خارج الملاعب

ملاعب الجزائر كانت مفتوحة لعشاق كرة القدم من النساء، لكنهن غبن منذ "العشرية السوداء" ولم يشجعهن انتشار العنف على الرجوع إلى المدرجات.
الأربعاء 2018/07/04
عشق الكرة ساكن في قلوب الجزائريات

الجزائر - في ما مضى، كانت النساء الجزائريات يقفن جنبا إلى جنب مع الرجال في مدرّجات ملاعب كرة القدم، لكن الحال لم يعد كذلك اليوم في ظلّ الخوف المتجدّد في العقود القليلة الماضية من تعرّضهن للاعتداء أو الشتم.

ويختصر أحد المشجّعين هذا الرأي الذي صار سائدا رغم أن لا شيء في القانون يمنع النساء من حضور المباريات، قائلا “ليس للنساء مكان في ملاعب كرة القدم”.

وهكذا، بعدما كانت النساء الجزائريات يرتدن الملاعب مثل الرجال في “الزمن الجميل” حين كان الاختلاط الاجتماعي هو القاعدة، صارت الملاعب اليوم حكرا على الرجال، بحسب ما تقول جهيدة، السيدة الستينية المتخصصة في التجميل.

ابتعدت هذه السيدة المحبة لكرة القدم عن الملاعب بعد ولادة طفليها، ثم جاءت سنوات العنف والاضطرابات بين العامين 1992 و2002، فأقصيت النساء تماما عن الفضاء العام.

واليوم لم تعد جهيدة تفكر في العودة إلى الملاعب، فهي تخاف أن يشتمها أحد أو أن يعتدي عليها في المدرجات التي تخلو من النساء.

ويقول سيّد علي، وهو شاب عاطل عن العمل في الثانية والعشرين من العمر، “إن أرادت النساء مشاهدة مباراة لكرة القدم، فعليهن أن يشاهدن فتيات يلعبن”.

وتعاني لاعبات كرة القدم في الجزائر من رفض المجتمع لهن لأنهن يتطفّلن على لعبة الرجال كما يقول المحافظون، وطالما تتعرض الشابات اللواتي يزاولن هذه الرياضة إلى الشتم ويسمعن عبارات مثل “عودي إلى المطبخ” أو “ابحثي لك عن زوج”، رغم أنهن أقنعن عائلاتهن بلعب كرة القدم.

الرجال يفتكون حق الفرجة والتشجيع
الرجال يفتكون حق الفرجة والتشجيع

ويُوافق سيد علي في رأيه جمع من الأصدقاء الملتفّين حوله أمام ملعب ناديه المفضّل “اتحاد الجزائر”.

ويضيف “نحن بحاجة إلى المرح”، ما يعني أن حضور النساء سيكون مزعجا ولا سيما عند تبادل الشتائم بين مشجّعي الفرق المتقابلة.

ويؤيّده كمال، وهو شاب في العشرين من العمر يناصر أيضا فريق الاتحاد، كما يشير لباسه الرياضي باللونين الأحمر والأسود.

ويقول “الملعب ليس مكانا للنساء.. لماذا يردن غزونا بينما لديهن مسلسلاتهن التلفزيونية؟”، مضيفا، “النساء في كل مكان.. فليتركن الملاعب لنا”.

وبعد سنوات من الانطواء عن المساحة العامة على إثر تصاعد المدّ الإسلامي المتشدد ثم سنوات العنف والاضطراب، تحاول الجزائريات العودة شيئا فشيئا إلى الأماكن العامة.

وصارت النساء موجودات في أماكن ظلّت منذ “السنوات السوداء” حكرا على الرجال منها المقاهي والمطاعم والمساحات في وسط العاصمة.

لكن الكثير من الرجال والشباب يرون أن ملعب كرة القدم هو “قلعة” ذكورية و”متنفّس″ للمشاكل التي يعانون منها، ولا سيما بالنسبة إلى العاطلين منهم عن العمل ومن لا تلوح أمامهم أي بارقة للمستقبل، بحسب ما تقول الباحثة الاجتماعية يمينة رحو من مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية بوهران.

ويبدو أن الملعب، في نظرهم، هو المكان الوحيد الذي يمكنهم فيه التعبير عن الغضب والاحتقان دون أي ضابط، في مجتمع فيه الكثير من الضوابط والممنوعات والقليل من وسائل الترفيه.

وتتمتع كرة القدم بشعبية واسعة في صفوف النساء الجزائريات، ويدلّ على ذلك خروج الكثير منهنّ احتفالا بفوز فريق بلدهنّ مع العائلة أو في مجموعات.

وفي مونديال البرازيل 2014 نافست الجزائريات المشجعات من مختلف أنحاء العالم على إبداء زينتهن وتألقن في ظهورهن بطريقة فريدة وهن يشجعن “محاربي الصحراء” وكسبن رهان المدرجات وشبكات التواصل الاجتماعي، حيث تحوّلت هذه المنصات إلى فضاء لعرض صورهن وطريقة تشجيعهن لـ”الخضر”.

ولبست الجزائريات أقمصة المنتخب وزين وجوههن باللون الأبيض والأخضر ونجمة وهلال حمراوين وضربن الطبول رغم غيابهن لسنوات عن الأحداث الكروية والملاعب بشكل خاص، نظرا لما تعرفه البطولة من أحداث عنيفة.

 الملعب قلعة الرجال ومتنفسهم من هموم الحياة
 الملعب قلعة الرجال ومتنفسهم من هموم الحياة

وتحضر النساء دون أي مشكلة مباريات كرة اليد وكرة السلة وغيرها، لكن حضور مباراة كرة قدم هو بمثابة “انتحار” بحسب سامية إبراهيمي البالغة من العمر 25 عاما.

فالمدرجات تتحوّل في لحظة إلى ميدان معركة وتراشق بشتى أنواع المقذوفات، أما أطراف المدرّجات فتكون مسرحا لمواجهات بين المناصرين وقوات الأمن.

ونددت رئيسة جمعية ترقية الرياضة النسوية دنيا حجاب بغياب الإرادة السياسية لتغيير هذا الوضع.

وأشارت إلى أن المسؤولين السياسيين ومنظّمي كرة القدم يجلسون في المنصة الشرفيّة لكن لا يصطحبون نساءهم، علما وأن من شأن ذلك أن يصبح مثالا يحتذى به.

وفي انتظار ذلك، تتابع النساء كرة القدم على التلفزيون، مثل لامية التي تتسمّر مع زوجها إلياس أمام الشاشة وقت المباريات.

وتقول لامية “لا يمكن أن نذهب كعائلة إلى الملعب.. كيف أشرح لابني أن رجالا يسبون

أمه بأقبح العبارات؟”. وتقول الشابة سامية، إنها تحب الرياضة بجميع اختصاصاتها، وخاصة كرة القدم، ورغم أنها حضرت في مباريات لرياضات أخرى ومنافسات في الألعاب الفردية لكنها مازالت تتمنى حضور مباريات كرة القدم في الملعب “وكم كنت أتوق لحضور مباراة على المباشر أي في الملعب، إلا أنني أعلم أن ذلك صعب جدا إن لم يكن مستحيلا”، مشيرة إلى “أنها تكتفي بالمتابعة عبر التلفزيون والراديو”.

وعن الأسباب التي تحول دون دخول الفتاة الملاعب، تقول “أعتقد أن السبب الرئيسي هو نظرة المجتمع إزاء هذا التصرف، فالناس لا يرحمون الفتاة التي تدخل الملاعب لحضور هذه المباراة أو تلك، ذلك أن الملاعب كانت ولا تزال، في نظرهم، حكرا على الرجال.

كما أن ظاهرة عنف الملاعب التي ازدادت في الآونة الأخيرة كفيلة بأن تجعل الفتاة تتخلى تماما عن فكرة متابعة زيارة الملاعب، وإلا فإنها ستخاطر بحياتها”.

20