المشردون يلتحفون البرد ويترقبون العطف في طرقات الجزائر

السبت 2015/01/31
الأشخاص المشردون يعانون قلة النوم ويشعرون بالخوف والقلق

الجزائر - تعود مع كل فصل شتاء قضية إنسانية بالدرجة الأولى، وإحدى مهام ومسؤوليات الدولة، والمتمثلة في حماية المئات من الجزائريين الذين رمتهم الأقدار ليعيشوا دون مأوى، ويقضون لياليهم داخل زوايا ضيقة، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، إلا من بعض الأسمال البالية أو قطع الورق المقوى “كرتون” أملا في أن تحميهم من صقيع برد قارس وهطول أمطار متواصلة، أو التفاتة إنسانية من جمعية خيرية أو أفراد، يقدمون لهم وجبة ساخنة تعيد الدفء لأمعائهم الخاوية.

طرح عجز العديد من مؤسسات الدولة عن تقديم خدماتها اللازمة للمواطنين العاديين، في فك العزلة وتوفير الغاز والمؤونة للكثير من المواطنين في القرى والمناطق المعزولة، إثر التقلبات الجوية الأخيرة في الجزائر، التي نزلت معها درجة الحرارة إلى ما دون الصفر ليلا، مسائل كثيرة حول دور تلك المؤسسات في التكفل بالفئات الهشة من المجتمع، سيما المشردين والمضطربين عقليا الذين قضى بعضهم في موجة البرد الشديد.

ورغم جهود الجمعيات الخيرية والأفراد في حماية هؤلاء من خطر التجمد، إلا أنها تبقى غير كافية، بالنظر لغياب بطاقة حقيقية لتلك الفئة المنتشرة في الساحات العمومية ومحطات النقل وقرب المقار الحكومية ودور العبادة، ولعل ما فاقم الأمر هو إصابة البعض منهم بأمراض عقلية، ولا يمكن التحكم في حركتهم أو سلوكياتهم وتنقلاتهم.

لكن مع ذلك تبقى مسؤولية المجتمع والدولة قائمة تجاه هؤلاء من أجل حمايتهم، فإذا كان الرعب قد دب في أوساط الجزائريين نتيجة انتشار أنفلونزا قاتلة أودت بحياة 20 شخصا في العاصمة ومحافظة تيزي وزو، فإن الاهتمام يستوجب أن ينصب على هؤلاء للتكفل بهم، وتوفير فرص الحماية والإطعام لهم قبل أن يقضوا بسبب التقلبات الجوية.

وفي هذا الصدد ذكر بيان للرابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، حصلت “العرب” على نسخة منه، أن ” عشرات المشردين يعانون من أمراض عقلية في شوارع مدينة الشلف “300 كلم إلى الغرب من العاصمة”، وصاروا فرائس سهلة أمام التقلبات الجوية التي حولت حياة المشردين والمعدمين إلى جحيم، بعد تأخر الجهات المسؤولة بشكل مباشر أو غير مباشر عن مد يد العون إليهم، وتركهم عرضة لتأثيرات البرد والأمطار”.

من أهم العوامل التي جعلت المشردين يتخذون الشوارع مأوى لهم فقدان العلاقات العائلية والاجتماعية

وينسحب الأمر على المئات وربما الآلاف الذين ينتشرون في العاصمة ومختلف المدن الكبرى، ومن مختلف الأعمار والفئات “رجال، نساء، أطفال صغار، شيوخ وعجائز” تعودوا على نمط معين من الحياة، لكن يبقى فصل الشتاء عدوهم اللدود لأنه يفرض عليهم ظروفا أكثر قساوة وألما، وقد تتحول زاوية غير مبللة أو قطعة ورق مقوى إلى نوع من الرفاهية بالنسبة لهؤلاء مقارنة بمن لم يحظ بمثل هذه الفرصة.

ويرى بيان المكتب الولائي للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان بمحافظة الشلف “أنه من أهم العوامل والأسباب التي جعلت المشردين يتخذون الشوارع مأوى لهم فقدان العلاقات العائلية والاجتماعية والبطالة وأزمة السكن والفقر، بالإضافة إلى الاضطرابات النفسانية”.

وتقول الهيئة الحقوقية أن “جولة ميدانية بعد العاشرة ليلا، لتسليط الضوء على معاناة هؤلاء الأشخاص، كفيلة بالكشف عن حجم الهوة الكبيرة بين فئات اجتماعية محظوظة بسبب استفادتها من فرص الاغتراف من مزايا التوزيع غير العادل للثروة، وتفرد القلة القليلة بثروة الريع في منطقتهم”.

وتضيف الهيئة “من بين الملاحظات التي وقف عليها المكتب الولائي للرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان لمحافظة الشلف، لدى الأشخاص المشردين، معاناتهم من قلة النوم وشعورهم بالخوف والقلق، بالإضافة إلى أجسامهم النحيلة نتيجة سوء التغذية، وانعدام النظافة وثيابهم البالية التي تكاد تستر عوراتهم، ومعاناتهم من عدة أمراض نتيجة عدم استفادتهم من أي رعاية صحية”.

وفي هذا الصدد تقدم المكتب ببعض الاقتراحات والتوصيات لفائدة هذه المحافظة، وذلك من أجل التكفل بهذه الفئة الهشة، وقد شملت بالخصوص تشكيل لجنة ولائية لمختلف المديريات التنفيذية بالتنسيق مع المجتمع المدني لمتابعة ميدانية وتوفير جميع الإمكانيات البشرية والمادية الضرورية وإعداد برنامج شامل للتكفل بالأشخاص دون مأوى.

21