المشروع الأميركي لإعادة تقسيم المنطقة بالاتكاء على الإخوان

الاثنين 2015/01/12
ثورة 30 يونيو أجهضت مخططات الأميركان مع حلفائهم الإسلاميين

القاهرة- ارتفعت مكانة الإسلام السياسي في المنطقة العربية، منذ مجيء إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما إلى السلطة قبل ست سنوات بداية 2009، ويرى مراقبون، أن تيار الإسلام السياسي سوف يتأثر إلى حد كبير بسبب سياسة الولايات المتحدة الإقليمية خلال العام الجاري، والتي ستختلف عما كانت عليه في السابق، خاصةً أن ثورات الربيع العربي وسقوط جماعة الإخوان المسلمين في مصر، قد ألقت بعوائق سياسية وشعبية أدت إلى تعثُّر وتضاؤل نفوذ واشنطن في المنطقة.

عدة وقائع ميدانية ملموسة تدعم مسمّى “الإسلام السياسي” كحقيقة ميدانية فرضت على العرب منذ مدة، لتتمكن من السلطة وذلك بانتهاز أول فرصة تاريخية تتوفر لها، وينطبق ذلك على الأحزاب الإسلامية السائدة والحركات السياسية الإسلامية في العالم العربي، مثل “جماعة الإخوان المسلمين” في مصر والأردن، و”حركة حماس” في فلسطين، و”حزب الله” في لبنان و”حزب النهضة” في تونس، و”الوفاق” في البحرين.

والأمر ينطبق أيضا من ناحية الانتماء إلى فضاء الإسلام السياسي على الحركات الأصولية المسلحة مثل “تنظيم القاعدة” و”الدولة الإسلامية” و”جبهة النصرة” و”أنصار الشريعة” و”الحوثيين”، فما يجمع بين كل هذه الحركات والأحزاب الإسلامية هو الوصول إلى السلطة باستعمال الدين، أي “الإسلام السياسي”، وذلك ما يتطابق مع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة ومع إعادة رسم خارطتها الجيوسياسية.

الأميركان لا يقومون بإنشاء تحالفات بمحض الصدفة أو لمسألة ظرفية بل إن تحالفهم مع الإسلاميين طويل الأمد

وتلتقي تأكيدات التقارير الصحفية على مسألة التحالف “الغريب” بين الولايات المتحدة الأميركية والإسلاميين، وأن الأميركان لا يقومون بإنشاء تحالفات بمحض الصدفة أو لمسألة ظرفية، بل إن تعويلهم بشكل عام على الإسلاميين يبقى على المدى البعيد، وهو ما لا يتوافق مع حالة ثورة يونيو في مصر التي أعادت كل الحسابات إلى نقطة الصفر.

وفي هذا الإطار، يرى حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن سياسة الولايات المتحدة لن تتغيّر تجاه جماعات الإسلام السياسي، وتحديدا جماعة الإخوان المسلمين، “بسبب وجود مصالح مشتركة تجمع واشنطن بالإخوان في المنطقة العربية”. فالمشروع الأميركي لإعادة تقسيم المنطقة كان متكئاً على الإخوان بعد ثورات الربيع العربي، “ولكن المفاجأة التي لم تتوقّعها واشنطن، هو السخط الشعبي في القاهرة ضد حكم الرئيس المعزول محمد مرسي”.

وتوقّع نافعة وعديد الخبراء في المجال الاستراتيجي أن تحاول أميركا فتح قنوات جديدة مع الرئيس عبدالفتاح السيسي، لإمكانية استيعاب الإخوان مرة أخرى في الحياة السياسية، خاصة أن الرئيس المصري ندّد بعنف الجماعة بعد عزل مرسي، وتعهد بأن الحركة لن يكون لها تواجد طوال فترة رئاسته، ما يعني أن الاتجاه السائد في مصر سيكون مسلطا، بشكل رئيسي في هذه المرحلة على الأقل، ضد جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص، والإسلام السياسي بشكل عام.

وقد أكدت الأحداث أنه كلما ذهبت السلطات العربية في مسلك الضغط المفرط على الجماعات الإسلامية، كلما زادت وتيرة الأعمال الإرهابية التي تستهدف المدنيين ومصالح الدولة، وتستعملها القوى الغربية أيضا كورقة ضغط على الحكومات من أجل “الديمقراطية والتعددية” رغم معرفة الجميع بأن أغلب الحركات الإسلامية تكفّر الديمقراطية ولا تحتمل العيش ضمن الدولة.

وفي هذا السياق يؤكد حازم حسني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن التطرف هو نتيجة لعدم الكشف عن الحالة بشكل مسبق، قائلا: “إن التاريخ يخبرنا بأن الإقصاء والقمع غالباً ما يؤدي إلى التطرف، والعديد من أحزاب تيار الإسلام السياسي أخذت منحى التطرف السياسي بعد سقوط إخوان مصر، فأقصيت تماما”. وتابع: “لا شك أن إخوان مصر والنهضة في تونس ارتكبا أخطاء جسيمة لأنهما افتقرا تجربة الحكم”.

الغرب يستعمل ورقة الضغط من أجل الديمقراطية لفرض الإسلاميين في الواقع السياسي تأبيدا للصراع في المنطقة

ويؤكد حازم حسني أن العلاقة بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي، قد تشوبها بعض التغيُّرات في العام الجاري، لاسيما أن العوامل الرئيسية الدافعة لهذا التغيير، هو أن بعض الحركات الجهادية والقوى الإسلامية، ترى أن حرب أميركا على الإرهاب هي “حرب على الإسلام”، ورغم أن أوباما أدرك منذ صعوده إلى الحكم، أن الولايات المتحدة عليها أن تجد طرقاً لإشراك نحو 1.6 مليار مسلم في جميع أنحاء العالم في خارطة المجتمع الدولي، إلا أن سياسته الازدواجية وتردده المستمر في القرارات وطريقة إدارته للقضايا السياسية، ساهمت في توتر منطقة الشرق الأوسط وخلقت العديد من الفزاعات، رغم أن العالم العربي كان يرى في أوباما فرصة لابد من اقتناصها، وتحديداً بعد خطابه بجامعة القاهرة التاريخي في يونيو 2009، لإيجاد حل لبعض قضايا المنطقة العالقة، أبرزها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، “لكن ما يحدث حاليا من اضطرابات في العالم العربي، جعلت المسلمين أكثر تشككا من التزام واشنطن بالسير نحو الانخراط الصادق مع العالم الإسلامي” وهو ما أجّج نمو الحركات العنفية في سياق تقسيم جديد للمنطقة.

لكن في مقابل فرضية أن الولايات المتحدة حرصت على تصعيد تيار الإسلام السياسي بعينه إلى سدة الحكم العربي بعد الانتفاضات، وُجدت فرضية أخرى تقول إن الانتفاضات العربية التي بدأت في عام 2011، والمعروفة باسم الربيع العربي، ساندتها أميركا من أجل الحرية والإصلاح السياسي وتطبيق الديمقراطية، وكان الهدف الأميركي واضحا منذ البداية، أنها ستعمل مع الأحزاب السياسية الإسلامية، وخاصةً جماعة الإخوان المسلمين وأذرعها في العالم العربي، طالما سارت هذه الأحزاب نحو التغيير السلمي ومبادئ التعددية والانتخابات والديمقراطية، لكن هذه الأحزاب بدّلت مواقفها ولم تقوَ على تغيير عقيدتها نحو المرأة والديمقراطية وغيرها من القضايا.

ويرى مصطفى كامل السيد، الخبير في النظريات السياسية بمصر، أن الدعم الأميركي عزز من حظوظ الإسلام السياسي، وكان عاملا للتقارُب الأميركي مع الإسلام السياسي، ومع ذلك لم يدم أكثر من سنتين لأسباب مُتعددة، ويوضح أن الإسلاميين أنفسهم تبرأوا من واشنطن بعد تخليها عن إخوان مصر، و”عاد تيار الإسلام السياسي إلى الاعتقاد السابق، وهو أن حرب أميركا على الإرهاب هي حرب على الإسلام”.

ويؤكد السيد أن عام 2015 لن يبشّر بالخير للإسلام السياسي، حيث ستعمل واشنطن جاهدة على إعادة فتح تعاملاتها السياسية مع الأنظمة السياسية الجديدة، لاسيما في تونس ومصر.

13