المشروع الإيراني في المنطقة: توسع فارسي بأياد غير فارسية

توضح عملية اعتقال ربان غالمبور، ممثل مكتب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، في أفغانستان في أواخر شهر أغسطس بتهمة “تجنيد مقاتلين من الشيعة الأفغان وإرسالهم إلى سوريا” كيف تقوم إيران بتجنيد الطوائف الشيعية من مختلف العالم الإسلامي في سياسة لا تختلف كثيرا عن السياسة التي تتبعها تنظيمات مثل تنظيم الدولة الإسلامية لتجنيد المقاتلين من الطائفيين المتشددين والمراهقين والفقراء.
السبت 2016/10/22
حزب الله وحده لم يعد يكفي

لندن – عندما عاد الخميني إلى إيران سنة 1979، على متن الخطوط الجوية الفرنسية إلى طهران محاطا بحماية جوية وأرضية غربية، بعد سقوط نظام الشاه محمد رضا بهلوي، توهم المتابعون داخل إيران وخارجها أن رجل الدين الإيراني، الذي عاش في المنفى قرابة 14 عاما، زاهد حقا في الحكم، وانطلى على داعميه من الأميركيين والفرنسيين ادعاؤه أن”المرشد الديني لا يرغب بالحكم” وأن أقصى ما يطمح إليه الخميني هو أن يكون المرشد الروحي للثورة الإيرانية.

وفعلا لم يحكم الخميني إيران بالطريقة التقليدية للحكم، أي لم يكن رئيسا للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل كان أكبر من ذلك. لقد نجح الخميني في أن يكون المرشد الأعلى للدولة الإيرانية، يتحكم فيها حيا وميّتا. وتبين بعد بضع سنوات أن لا فرق بين الشاه والخميني إلا في تسمية الحكم وأن هناك تشابها كبيرا على مستوى السياسات الكبرى للدولة الفارسية بل إن الخميني كان عازما على تحقيق ما فشل فيه آخر حكام آل بهلوي، وهو إعادة التمدد الفارسي في المنطقة.

وأطلق الخميني على هذا المشروع فكرة تصدير الثورة. وظل الإيرانيون يعملون في صمت على تطبيق مبدأ تصدير الثورة، مختبئين خلف ضوضاء البرنامج النووي وشعارات الموت لإسرائيل وأميركا؛ وأنشأوا في الأثناء الجمعيات الخيرية والمراكز الثقافية، ثم وبعد أن استقوى النظام، مستفيدا من السيطرة على الداخل والمداخيل المتأتية من تدفق أموال الخمس، دخل مرحلة مد الأذرع العسكرية في الخارج عبر إنشاء حزب الله، ودعم حركة حماس.

جاءت الفرصة المناسبة لرفع راية الثورة الخمينية مع التغييرات التي طرأت على المنطقة بعد اندلاع ثورة الربيع العربي، وبالتحديد بعد تحول الأزمة في سوريا من انتفاضة شعبية سلمية مطالبة بالإصلاح ثم تغيير النظام إلى صراع مسلح، دخلت فيه إيران بكل ثقلها ضمن سياسة تبدو في ظاهرها داعمة لنظام بشار الأسد، لكنها في باطنها تطمح لاستكمال مشروع التمدد الذي بدأ بشكل جزئي مع حزب الله في لبنان، ثم حقق خطوات كبيرة وتاريخية إثر الاحتلال الأميركي للعراق في سنة 2003، والذي أعقبه تدخل إيران بشكل مباشر في هذا البلد الذي خاض ضده الخمينيون حربا دامية.

ويؤكد سوران خدري، الباحث في الشأن الإيراني، أن الإيرانيين، وحسب ظروف معينة، يستخدمون القوة لإنجاز وتحقيق طموحاتهم في المنطقة، فمثلا قبل الربيع العربي كان دور حزب الله منحصرا في سياسة داخلية لبنانية وآلة ضغط في سياسة خارجية إيرانية. ولكن بعد الثورة السورية، تغير هذا الدور وأصبح حزب الله يضطلع بدور إقليمي.

مرح البقاعي: طهران تغطي ســياستها في المنطقة بغطاء عقائدي يجيش العواطف المذهبية

مع توسع مشروع تصدير الثورة، بات الإيرانيون يحتاجون إلى عدد أكبر من الجنود والبيادق، وحزب الله وحده لا يساعد، خاصة أنه خسر في الحرب السورية الكثير من جنوده ومن شعبيته؛ كما أنه، وبشهادة الخبراء، لا يمكن للجيش الإيراني أن يخرج عن حدوده ولذلك يستبدلون قواتهم بقوات أجنبية مرتزقة، وفق المحلل السياسي السعودي غازي الحارثي.

ولأنه لم يكن ممكنا تجيند المقاتلين من بين أبناء الشعب الإيراني، توجه الإيرانيون إلى البلدان والمجتمعات التي عملوا في السنوات الماضية على التغلغل فيها؛ وقد جاء اعتقال الأمن الأفغاني لقربان غالمبور، ممثل مكتب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي، ليقدم دليلا جديدا على عمليات التجنيد التي تقوم بها إيران خارج حدودها لدعم الميليشيات التي تقاتل باسمها في العراق وسوريا واليمن، وتطمح لتوسيع رقعة تمددها إلى جنوب آسيا، وصولا إلى أفريقيا، حيث تبنت سياسات مماثلة، وأنشأت نسخة نيجيرية من حزب الله.

حملة تجنيد إيرانية

يجند الحرس الثوري الإيراني المئات من الشيعة الأفغان للقتال إلى جانب قوات الأسد في سوريا. وتوضح أبها شانكار، الباحثة المتخصصة في شؤون الإرهاب، في دراسة حول الصراع السعودي-الإيراني والتنافس الطائفي في جنوب آسيا، أن إيران تستقطب المجندين من خلال إغرائهم بوعود بالحصول على تصريح للإقامة في إيران وبراتب شهري تبلغ قيمته حوالي 500 دولار.

وأغلب الملتحقين هم من الشيعة الهزارة الذين يتكلمون اللغة الفارسية، وهم يمثلون 20 في المئة من سكان أفغانستان البالغ عددهم 30 مليون نسمة.

وينتشر الأفغان الذين تم تجنيدهم للقتال في الحرب السورية مع لواء الفاطميين، الذي أطلقه الحرس الثوري الإيراني في عام 2014. وتُقدر قوات الفاطميين بـ20 ألف مقاتل تعتبر مهمتهم الرئيسية القتال الى جانب نظام الأسد بحجة حماية المقدسات الشيعية في سوريا. وتفيد الأنباء بأنهم تلقوا تدريبا على يد حزب الله اللبناني.

وأنشأ الحرس الثوري الإيراني على نحو مماثل لواء الزينبيين ويضم شيعة باكستانيين يقاتلون في سوريا، والمعروف شعبيا باسم حزب الله باكستان، ويحمل الزينبيون شعارا مشابها لشعار حزب الله اللبناني وتدويناتهم على فيسبوك توجه التحية للمرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي.

في يونيو 2014 تطوع 30 ألفا من المسلمين من شيعة الهند للقتال ضد مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بحجة حماية المراقد الشيعية من الهجمات على هذه الأضرحة. ويختلف المتطوعون من طلاب إلى مهنيين مثل المصرفيين والأطباء والمهندسين.

وفي تصريح لموقع “عراقي نيوز"، قال سيد بلال، المتحدث باسم جماعة أنجومان الحيدري الشيعية ومقرها في الهند “نحن نبحث عن مليون متطوع لتشكيل سلسلة بشرية حول الأضرحة المقدسة في كربلاء والنجف”.

ويعمل هؤلاء وغيرهم على تنفيذ المشروع الإيراني، وينشطون، كما هو موضح، بشكل كبير في سوريا بالأساس، فيما يتولى الحوثيون أمر الحرب في اليمن، ويقود عراقيون شيعة، دربتهم إيران في سنوات سابقة، الميليشيات المسلحة في العراق، مدعومين بأطراف خارجية.

يرجع سوران خدري، المتخصص في الشأن الإيراني، المساعي الإيرانية إلى طموحات تاريخية لدى الإيرانيين في منطقة الشرق الأوسط خاصة العراق وسوريا ولبنان واليمن. ويقول خدري لـ”العرب”، “من أجل بسط الهيمنة التامة على المضايق الإستراتيجية يجب على إيران بسط سيطرتها علي تلك الدول”.

ويرى أن “الصراع الإيراني هو صراع جيو-سياسي، ومن الخطأ حصره في نطاق العقيدة الطائفية، التي تعتبر وسيلة لتحقيق الأهداف الإيرانية”.

واستطاع النظام الإيراني كسب المزيد من الوقت لإنجاز مشروعه من خلال ازدواجية السياسة التي يتبعها داخليا؛ فلدى النظام الإيراني نوعان من المؤسسات؛ مؤسسات الدولة والمؤسسات الثورية.

وتتعامل دول المنطقة مع مؤسسات الدولة الظاهرة، فيما تعمل المؤسسات الثورية في الخفاء على تجييش الموالين.

وكانت الدول العربية تتعامل مع مؤسسات الدولة باعتبارها مؤسسات رسمية، وكانت العلاقات تصاغ على ضوء من يرأس هذه المؤسسات، خصوصا على مستوى رئاسة الجمهورية، وما تفرزه الانتخابات الرئاسية، من صعود أو تراجع للإصلاحيين والمعتدلين أو المحافظين، ولكن في الحقيقة تدخلات إيران والمشروع الفارسي من أهم ثوابت النظام لا يتغيران بذهاب أو وصول المحافظين أو المعتدلين إلى الرئاسة.

تنظر المحللة السورية مرح البقاعي إلى عقلية النظام الإيراني منطلقة من تحليل الذهنية الاجتماعية السائدة في إيران، وتقول البقاعي لـ”العرب”، “لطالما أدهشني المثل الشعبي الإيراني عن ‘الذبح بالقطنة’، والذي يشي بتركيبة سيكولوجية تحرّض على إنهاء أو تصفية الآخر (العدو) ببطء وحيلة شديدين ومن دون أن يرفّ للذبّاح جفن أو يرتجف له قلب.

أما أن يصير ذاك القول المتداول بين العامة نهجا سياسيا للدولة فهذا شأن آخر علينا أن نقف على حيثياته ونحلّل تداعياته على دول الجوار الإقليمي التي تمتد إليها الأذرع الإيرانية، وتعدّ العدة لتصفية كل من يعرقل مشروعها التوسعي حتى من كان حليفا حالما تنتهي صلاحياته”.

وتضيف البقاعي “تغطي طهران ســياستها في المنطقة بغطاء عقائدي ديني يجيّش العواطف والانفعالات المذهبية بهدف كسب التأييد للهدف المعلن من تدخّلها في دول الجوار، على غرار ما يجري في سوريا.

وقد دخلت إيران بحجة حماية المزارات الدينية والعتبات المقدّسة، من دون تحديد حمايتها ممن، ولمَ، في هذا التوقيت، بعد أن كانت منذ المئات من السنين قبلة أهل السنة ووجهة نذورهم وقرّة عقيدتهم قبل الشيعة، ولم تزل. وأذكرُ كيف كانت عائلتي الدمشقية تقدّم النذور والأضاحي للسيدة زينب في مقامها القدسي قرب دمشق”.

الهاجس التوسعي الإيراني في سوريا، التي تعتبر حجر الزاوية بعد العراق لرسم حدود الدولة الدينية الكبرى، كان قد تَكرّس منذ الثمانينات من خلال إرساليات ثقافية للتبشير المذهبي وأخرى للحجيج الديني، حسب تقدير البقاعي، التي تضيف قائلة “أما الحضور الأمني فأتى على هيئة تنسيق عسكري ومخابراتي أداته حزب الله في لبنان، حيث كانت دمشق الشريان الحيوي الذي يغذّيه بالمال والسلاح من إيران”.

غازي الحارثي: السعودية تحقق تقدما في الحرب ضد إيران خصوصا في اليمن

وتستشهد البقاعي بأهمية سوريا في المخطط الإيراني بتصريح لرجل الدين الإيراني مهدي طائب، قال فيه «لو خسرنا سوريا لن يمكن أن نحتفظ بطهران، لكن لو خسرنا إقليم خوزستان (الأحواز) فسنستعيده ما دمنا نحتفظ بسوريا». وتتساءل عما إذا كانت الدول العربية الجارة ستسمح بسقوط متوالية أحجار الدومينو بيد “الامبراطورية الفارسية” العائدة إلى الحياة برئة نووية.

وما هو الدرس العربي المستخلص من الصمت الدولي حيال غزو جحافل الميليشيات المذهبية المتعدّدة الجنسيات غيرَ دولة عربية، وسيطرتها على مفاصل الحياة السياسية فيها، وتوجيهها بما يخدم تمدّد نفوذها.

مسؤولية عربية

يحمل المحللون الذين تحدثت معهم “العرب” الدول العربية جزءا هاما من مسؤولية التمدد الإيراني، حيث يعتبر المحلل السياسي اللبناني مصطفى فحص أن إيران رسمت نفوذها في المنطقة عبر استخدامها لكافة الأزمات التي تعاني منها شعوب ودول المنطقة ومنها الورقة الطائفية من خلال حالة الانقسام العامودي بين المكونات الطائفية في المنطقة منذ سنة 2003.

ويقول فحص لـ “العرب” إن توظيف إيران للمسألة الشيعية ساعدها في “تهديد استقرار المنطقة نتيجة لأخطاء عربية في التعامل مع الشيعة العرب خصوصا عندما بدأت الأزمة في العراق؛ وقد تمكنت إيران في ظل غياب سياسة احتواء عربية شاملة لكل مكونات المجتمع من فرض سيطرتها على الشيعة وحولتهم إلى أغلبية حاكمة في البلاد منعت قيام دولة مركزية قوية حتى لو كان على رأسها شيعي”.

وفي رأي المحلل السياسي السعودي، غازي الحارثي، التعامل مع إيران قضية قومية لم تفهمها بعض الدول العربية، محذّرا من أن إيران “ستصل يوما ما إلى عمق المنطقة العربية عسكريا وليس فكريا فقط كما وصلت اليوم إلى أقصى المغرب العربي، ما لم يتم التعامل مع تدخلاتها من منطلق مصلحة قومية مشتركة“.

ويؤكد الحارثي ضرورة تنسيق المواقف العربية لمواجهة التدخلات الإيرانية، ودول عربية مثل مصر والأردن يجب أن تلعب دورا في الدعم السياسي والعسكري؛ وقد بدأت السعودية، بعدما تبين لها الموقف الأميركي والروسي الداعم لإيران، تحقق تقدما في هذه الحرب، خصوصا في اليمن.

ويعتقد المحلل السياسي السعودي أن على الرياض أن تركز جهدها على ثلاثة جوانب رئيسية في مواجهة إيران:

* حسم الملف اليمني بالطريقة التي تضمن عدم قدرة إيران على معاودة التدخل بالشأن اليمني.

* دعم حركات الاحتجاج داخل إيران ضد نظام الولي الفقيه ولفت انتباه المنظمات الدولية الإنسانية والحقوقية إلى ما يتعرض إليه الشعب الإيراني من قمع شريطة عدم التعدي على القانون الدولي كما تفعل إيران.

* التركيز على كشف تورط إيران في الإرهاب الطائفي بالمنطقة والعمل على تجريم ميليشياتها المنتشرة في سوريا والعراق دوليا.

ويدعم خدري هذا التوجه موضحا أن “هناك حاليا صراع فصائل نضالية، والحرس الثوري الايراني في كردستان إيرن والأحواز وبلوشستان، ومساعدة هؤلاء الفصائل في جميع الجوانب تؤثر على مسار المشروع الإيراني في الخارج”.

ويرى خدري أن هناك صراعا إيرانيا سعوديا (واجهة للدول العربية) يتطور يوما بعد يوم، مشيرا إلى أن الدول العربية تعتمد على نظريات اللبرالية في سياستها الخارجية، بعكس النظام الإيراني الذي يتبنى سياسة خارجية قائمة على التدخل في شؤون دول المنطقة من خلال طوائف مذهبية وعرقية من أجل تأمين الأمن الداخلي الإيراني.

وإفشال المشروع الإيراني في المنطقة يتم من خلال محاربة إيران بنفس أسلحتها، وذلك بمساعدة الشعوب المضطهدة في الداخل ماديا وعسكريا وسياسيا، وهي الحجة التي بنى عليها النظام الإيراني مبدأ تصدير الثورة.

6