المشروع الغائب

الجمعة 2016/04/08

في لقاء لي مع ناشر جزائري مؤخرا حدثني بكثير من الإحباط عن توقف مشروع طبع ألف كتاب سنويا، الذي شرعت فيه وزارة الثقافة الجزائرية في السنوات الأخيرة، ويعلل المسؤولون المركزيون على الشأن الثقافي اللجوء إلى هذا الإجراء بانحدار أسعار النفط في الأسواق العالمية ودخول البلاد في مرحلة التقشف.

من المعروف أن طبع ألف كتاب سنويا لا يتطلب مبالغ خيالية خاصة وأن مثل هذا العدد قليل إذا أخذنا بعين الاعتبار تعداد سكان البلاد الذي يقترب من أربعين مليون نسمة. إن إلغاء هذا المشروع يعني أن قطاع الثقافة بصفة عامة في نظر هؤلاء ليس جزءا عضويا من الرفاه الروحي ومن الدورة الاقتصادية الحيوية المنتجة، علما أن الدول المتطورة تستثمر اقتصاديا في المجال الثقافي والفني مثلما تستثمر في القطاعات الاقتصادية المادية الأخرى. ويكفي أن نذكر هنا أن الأرباح التي تجنيها دار نشر بريطانية واحدة مثل بنجوين العملاقة من مبيعات الكتب محليا وعلى المستوى العالمي تفوق ميزانية وزارة الثقافة الجزائرية برمتها.

لا شك أن ربط الشأن الثقافي بشكل عام وصناعة الكتاب بشكل خاص بأزمة النفط هو دليل واضح على استفحال النظرة المادية للثقافة من طرف المسؤولين الجزائريين واعتبارهم إياها مثل البطاطا والعدس في الوقت الذي ينبغي إعطاء الأولوية للغذاء الثقافي الروحي.

وفي الواقع فإن قطاع الثقافة في الجزائر لم يحقق منذ الاستقلال إلى يومنا هذا أيّ تحوّل حقيقي، يفضي إلى خلق بيئة ثقافية راقية ومتطورة في مجتمعنا، يمكن أن يلعب دورا فاعلا يؤسس للحضور الثقافي والفكري والفني القوي والفاعل والمؤثر إقليميا وعربيا على الأقل.

إن السبب لا يعود قطعا إلى انعدام الكفاءات، والمواهب الراسخة والواعدة في ميادين المسرح، والسينما والفنون بكل أنواعها، والآداب، والفكر، وإدارة الشأن الثقافي وغير ذلك من الحقول، بل إن هذه الكفاءات موجودة ولكنها مبعدة أو لا يبحث عنها، ولكن المشكلة تكمن فعلا في غياب المشروع الثقافي الوطني الواضح، وكذلك غياب آليات التنفيذ الجاد والمستمر.

ودون أدنى ريب فإن وزارة الثقافة تتحمل جزئيا المسؤولية، ولكنها لا تقدر بمفردها أن تهندس للإقلاع الثقافي خاصة وأن معظم مسيري إدارتها المركزية هم مجرد موظفين أقحموا إقحاما في الشأن الثقافي، حيث أنه من النادر جدا أن تجد فيها مسؤولا بدرجة مستشار أو مدير مركزي أو مكلف بمهمة فيها تتوفر فيه أو فيها معايير المثقف، أو المفكر، أو المخطط الاستراتيجي الذي يملك التجربة المنتجة في مجال إدارة العمل الثقافي وفقا لتصور مهندس هندسة عصرية.

فالسائد في بلادنا غالبا، على مدار السنوات، هو فولكلور التنشيط الثقافي والفني الخاضع للمناسبات، وللعلاقات الشللية، أو لمزاج المسؤولين، أما الثقافة كخلق حضاري وكقوة ناعمة تجابه تحديات العصر، وكسلوك إبداعي يومي، وكإنتاج وتطوير لمضامين الهوية، ولقيم العقل فلا نعثر عليها كما لا نعثر على المنابر التي تفعّل الإمكانيات والطاقات باتجاهها.

كاتب من الجزائر

15