المشروع القومي ليس وصفة سحرية لتوحيد الشعوب

تضخم المشروع بشكل مذهل، وحصل آبي أحمد على قوة معنوية مضاعفة ساعدته على تصفية جزء من حساباته مع خصومه، لكن النتيجة لم تأت كما يشتهي، وبدأ بركان العرقيات ينفجر تدريجيا.
الجمعة 2021/04/30
مناورة لتغيير وجه الدولة

نشأت أجيال كثيرة على أن الحاكم الذي يتبنى مشروعا قوميا يستطيع مواجهة التحديات بصلابة، ويضمن التفاف المواطنين حوله. ولا أعلم من أين جاء هذا الاعتقاد بالضبط، لكن في تقديري أن نجاح الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر في تشييد السد العالي بعد معركة سياسية كان يكفي لترويج الفكرة وتثبيت أركانها.

منذ ذلك الوقت، أصبحت مسألة المشروع القومي في المنطقتين العربية والأفريقية تشبه صك البراءة لبعض الحكام، بإمكانهم أن يرتكبوا تجاوزات دون حساب أو رقيب، فقد اكتسبوا من الفكرة شعبية تمكنهم من تخطي الصعاب ومواجهة التحديات، والحصول على مكاسب معنوية تفوق في تأثيرها الشرعيات الدستورية.

ربما يكون الانطباع الإيجابي الذي خلفه عبدالناصر بشأن السد العالي صحيحا، وأدى إلى تجاهل الكثير من الأخطاء التي ارتكبت في عهده لبعض الوقت، لأن أصداء المشروع وما حققه من فوائد سياسية وصلت إلى خارج مصر، كرمز للصمود والتحدي والإرادة ووصفة سحرية لتجاوز العقبات الداخلية، فضلا عن مزاياه التنموية.

وضعت القيادات الإثيوبية المتعاقبة النموذج المصري أمامها وهي تشرع في تنفيذ مشروع سد النهضة، أو الألفية سابقا، والتعامل معه على أنه وسيلة لتوحيد الشعوب الإثيوبية المتفرقة، والتمترس وراء قياداتها التي تعاني من أزمات معقدة، وتعلم أن تمرير المشروع لن يكون أمرا هينا، في ظل اتفاقيات تاريخية من جانب دولتي المصب، مصر والسودان، قيدت الدولة كثيرا للفكاك منها.

اتبع حكام إثيوبيا، منذ ملس زيناوي وحتى آبي أحمد، كل الحيل والمناورات لإقناع البلدين بالأمر الواقع، لكن كان رهانهم كبيرا على التأييد الشعبي للسد كمنقذ من الأزمات السياسية، ونافذة لتوليد الكهرباء وتصديرها وتوسيع الأطر التنموية، والأهم التغطية على التناقضات الداخلية، حيث عانت إثيوبيا من تناحرات عرقية طويلة.

أصبح جميع الحكام على يقين بأن سد النهضة الملاذ الوحيد لحل الكثير من الألغاز المحلية، بدليل أن أحدا منهم، كبيرا أم صغيرا، لم يحد عن الخط العام للإدارة السياسية والفنية، وكل من تحدثوا عن المشروع من المسؤولين والنخب والمواطنين كان كلامهم ينصبّ حول الجدوى القومية والأهمية الوحدوية، وجرى استخدام توصيفات قاسية لكل المعترضين والمتحفظين عليه بصورته الراهنة، والتشكيك في ولائهم الوطني.

تحول سد النهضة سريعا إلى أيقونة للدولة، وانتقل من مشروع تنموي إلى أداة للتغلب على المشكلات، وتصور رئيس الوزراء الحالي آبي أحمد أنه الورقة التي تمكنه من توحيد الصفوف وتغيير وجه الدولة من الشكل العرقي البغيض إلى القومي الجذاب.

اعتقد الرجل أن خلق هالة بهذا المعنى كفيلة بتثبيت أقدامه في السلطة بلا حساب، وتبنّي تصرفات سلبية مع غالبية الأقاليم، وبات واثقا من أن معركة سد النهضة سوف توفر له شبكة أمان داخلية تمكنه من التغلب على كل الصعوبات، وأضحى الاعتراض على تصوّراته وإجراءاته وممارساته يمس الهيبة الوطنية ويعرقل المشروع القومي.

لم يكن المبعوث الأميركي إلى القرن الأفريقي جيفري فيلتمان مبالغا عندما قال إن انفجار الحرب الأهلية في إثيوبيا سوف تكون أمامه الحرب الجارية في سوريا مثل لعب الأطفال، فالدولة تتكوّن من موزاييك عرقي خطير، يؤدي خروجه من القمقم إلى حروب طاحنة تتعدى تأثيراتها حدود إثيوبيا.

تحول سد النهضة إلى أيقونة وانتقل من مشروع تنموي إلى أداة للتغلب على المشكلات وتصور آبي أحمد أنه الورقة التي تمكنه من تغيير وجه الدولة من عرقي بغيض إلى قومي جذاب

تتشكل الدولة الإثيوبية من قوميات متعددة ولها امتدادات اجتماعية في الدول المجاورة، وهناك ثارات قبلية عميقة مكتومة، ومناطق متململة من الحكومات المركزية بعد أن جرى ضمها عنوة في أوقات سابقة، واهتدى المسؤولون إلى أن تبنّي مشروع قومي على غرار سد النهضة هو المدخل الذي يمنع انفجار المشكلات في وجوههم. والتقت الإرادة الداخلية مع رغبات خارجية بحثا عن مصالح متباينة.

بالغ آبي أحمد وحلفاؤه في الجدوى القومية للمشروع، وتعمد تحدي بيوت الخبرة والجهات التي تحفظت عليه، للدرجة التي تحدث فيها خبراء كثيرون عن وجود مشكلات فنية يمكن أن تؤثر على جسم السد بما يهدد كفاءته، ومع ذلك رفض الانصياع لكل النصائح وبدا أيّ تغيير بسيط في المواقف المعلنة يعد مساسا بهيبة الدولة.

ترسخت هذه النوعية من الانطباعات وذاع صيتها شعبيا، ووصلت الحكومة المركزية إلى أعلى الشجرة في رفض التعديلات المطلوبة أو توقيع اتفاق ملزم يحدد قواعد الملء والتشغيل، ولو أرادت النزول منها لما وجدت إلى ذلك سبيلا، واستمر العزف على الوتر القومي لأقصى درجة دون تغيير في التحركات المرسومة للمشروع، فقد اختمرت القناعة بأن كل تنازل، حتى لو كان بسيطا، سوف يفضي إلى اقتتال أهلي.

يقوم مشروع آبي أحمد السياسي على تحويل إثيوبيا من دولة فيدرالية ذات أقاليم تتمتع بحكم ذاتي إلى دولة مركزية لها حكومة واحدة تملك كل القرارات المصيرية، وقام بتحركات كثيرة في هذا الاتجاه، وعمل على تغيير الصورة السابقة التي ارتبطت بهيمنة إقليم تيغراي على مفاصل الحكم والجيش والشرطة، متسلحا بفكرة أن سد النهضة قادر على تجميع كل الشعوب من حوله.

منحته هذه الفكرة جرأة كبيرة في تأجيل الانتخابات العام الماضي، واعتقال الكثير من المعارضين وقمع المظاهرات التي خرجت ضده، وخوض حرب ضروس في تيغراي، واستدعاء قوات من إريتريا للقتال معه في الإقليم، والدخول في مناوشات مختلفة مع مصر، والاشتباك العسكري مع السودان في المنطقة الحدودية المشتركة.

كان الثابت الوحيد الذي لم يتغير وسط تحولات متعددة هو الموقف من سد النهضة كمشروع قومي يستطيع أن يستوعب جميع التكاليف والأخطاء، ومن خلاله يمكن تمرير السيناريوهات التي رسمها آبي أحمد، باعتباره يخوض حربا خارجية تستحق التضحية، ومؤامرة تريد النيل من الدولة الإثيوبية.

تضخم المشروع بشكل مذهل، وحصل رئيس الحكومة على قوة معنوية مضاعفة ساعدته على تصفية جزء من حساباته مع خصومه، لكن النتيجة لم تأت كما يشتهي، وبدأ بركان العرقيات ينفجر تدريجيا، فبعد أزمة إقليم تيغراي وتوابعها، هب الأورومو ضد الحكومة المركزية وأصبحوا أكثر شراسة، ونهض سكان إقليم بني شنقول المقام عليه سد النهضة من كبوتهم وهم يخوضون الآن معارك ضارية ضد القوات الحكومية.

والأدهى أن جماعة الأمهرا التي تمثل الذراع الطويلة السياسية والأمنية حاليا يمكن أن تنقلب على حليفها آبي أحمد إذا تشككت في نواياه تجاه القوميات الأخرى، ويدحض الوصول إلى هذه النقطة كل الرهانات على توحيد الشعوب بمشروع قومي وكفى.

باختصار لم يوفر سد النهضة الحصانة السياسية والأمنية للحكومة المركزية، وبدأت الأزمات العرقية تتوالى وتطفو على السطح، وتدحض فكرة أن سد النهضة يحل التناقضات الداخلية، فآبي أحمد، وغيره، استلهموا الفكرة من عبدالناصر وبنوا عليها رؤيتهم دون مراعاة للفروق الهائلة في الأشخاص والزمن والدول والسبيكة الاجتماعية والأجواء الإقليمية والدولية. فهل تربح إثيوبيا إذا كسبت سد النهضة وخسرت وحدتها الإقليمية ودخلت شعوبها في معارك ضارية؟

9