المشكلة الأمازيغية صنيعة فرنسية

السبت 2014/03/15
المشكلة الأمازيغية إرث ثقيل يهدد الوحدة الوطنية الجزائرية

من الملاحظ أن المشكلة الأمازيغية، “البربرية”، في الجزائر ليست ثمرة مرحلة الاستقلال بل إن جذورها تعود تاريخيا إلى الثلاثينات من القرن العشرين. ومما لاشك فيه أن السائد هو أنها من صنع الاستعمار الفرنسي. علما أن هذا الاستعمار قد بطش باللغة الأمازيغية كما بطش باللغة العربية. ولكي تتضح بعض معالم تاريخية نشأة المشكلة الأمازيغية في الجزائر نقدم هنا وجهة نظر المؤرخ الجزائري الدكتور محمد حربي التي أعلن عنها في مؤلفاته.

في كتابه “جبهة التحرير الوطني الجزائري 1954-1961: الأسطورة والواقع" خصص الدكتور حربي فصلا كاملا قدم فيه صورة عن عناصر الأزمة البربرية من عام 1945 إلى 1949، وتطوراتها في فترة ما بعد الاستقلال.

في هذا السياق نجد الدكتور محمد حربي يعيد “بدايات نشوء النزعة البربرية في الجزائر إلى فجر الثلاثينات” من القرن العشرين مؤكدا أن “المزاب والقبائل لا يمكن نكران فرادتهم”. أما مرجعية شعور البربر بخصوصيتهم اللغوية والتاريخية فيرجعه الدكتور حربي إلى عدة عوامل يشرحها كالتالي:

1 - إن المنطقة الريفية البربرية المتقوقعة في موقف دفاعي ومنغلق على ذاته

2 - هجرة الكثير من فلاحي وعمال هذه المنطقة إلى فرنسا

3 - وجود أدب شفوي شديد الحيوية

4 - اعتراف الحزب الشيوعي الجزائري بالفرادة البربرية

5 - الصراعات التي نشبت بين الزعيم “مصالي الحاج ومنافسيه البربر أثناء الانتخابات منذ عام 1936

6 - القرار الصادر من قبل قيادة حزب الشعب الجزائري القاضي بقتل المرشحين البربر.

إن هذه العوامل المتعددة تشكل في مجموعها الأسباب الأساسية التي أدت إلى بلورة النزعة البربرية التي ساهمت بالتالي في “تضخيم” شعور البربر بخصوصيتهم والتي انقلبت بعد الاستقلال إلى حركة سياسية تلبس قناع الثقافة.

من جهة أخرى نجد الدكتور حربي يتحدث عن دور فرنسا في نشوء هذه النزعة بإيجاز ملحوظ ولكنه لا يقدم لنا تفاصيل موثقة ومدعمة بالأدلة الدامغة تثب بالحجة تورط فرنسا في هذه المسألة. وبدلا من ذلك يقوم الدكتور حربي بالجهر بأسبقية النزعة البربرية على الاحتلال الفرنسي للجزائر وبهذا الخصوص يبرز قائلا إن: “التعارض الموجود حقا في المجتمع الجزائري هو معطى حقيقي للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية الجزائرية”. وهذا يعني أن المشكل في رأيه هو مشكل جزائري بالدرجة الأولى.

خلافا للتوقعات بين أوساط المؤرخين الجزائريين ولتلك الصور البراقة التي يوصف بها “مؤتمر الصومام” في الكتابات التاريخية الجزائرية الرسمية المعاصرة، فإن الدكتور محمد حربي يراه من منظور مختلف تماما وعلى نحو مثير للغاية قد يؤدي إلى نزع جزء مهم جدا من أسطورة حركة التحرر الوطني الجزائري.

من المعروف أن هذا المؤتمر الذي أعلنت فيه بداية ثورة 1954 ضد الاستعمار الفرنسي قد انعقد بقرية “إفري” بمنطقة أقبو التابعة آنذاك لمدينة بجاية البربرية (الأمازيغية) يقدم للناس في الداخل وفي الخارج على أنه اللحظة التاريخية الجزائرية الموحدة والجامعة للقوى الوطنية الجزائرية، ولكن الدكتور محمد حربي يقول بخصوصه إنه: “انقلاب قبائلي /بربري”، وبتعبير آخر فهو ينظر إليه على أنه جولة من جولات الصراع بين البربر والعرب، وليس نقلة وطنية نوعية في عمر ثورة أول نوفمبر1954.

نظرا إلى خطورة هذا الإرث التاريخي الثقيل الذي ينذر باستمرار بإمكانية تهديد الوحدة الوطنية الجزائرية نرى الدكتور حربي يقترح حلا توفيقيا على أساس ثنائية الهوية المتمثلة في العروبة/ الإسلام، وذلك باستبعاد ذكر الركن البربري / الأمازيغي الذي هو مطلب الإثنية البربرية.

في هذا الخصوص يقول الدكتور حربي: “إن العروبة – الإسلام تقدم رؤية توحيدية لواقع متنوع إلى أبعد الحدود”. هنا يمكن لنا تسجيل مجموعة من الملاحظات التالية:

1 - يبدو واضحا أن مقترح الدكتور حربي هو من مخلفات تفكير الحزب الواحد من جهة، ومن جهة أخرى فإن الإسلام يشترك فيه العرب والبربر على حد سواء. فالحركة البربرية تشدد على ضرورة ترسيم الهوية الثقافية واللغوية الأمازيغية والاعتراف بها على أنها ركن أساسي من بين الأركان الأساسية الأخرى وهي العروبة والإسلام.

في هذا السياق بالذات فإن الدكتور حربي لا يميز بين التيار البربري الثقافي واللغوي وبين التيار البربري الانفصالي والتيار البربري الفرانكفوني حيث أن لكل تيار من هذه التيارات برنامجا مختلفا جدا بل تيارات ذات برامج متعارضة في ما بينها ربما على نحو مطلق.

2 - إن دراسة قضية التنوع اللغوي في الجزائر لا يمكن عزلها عن التنوع اللغوي والحضاري في الوطن العربي بشكل عام، وعلى نحو خاص، إذ لا يمكن التحدث عن اللغة البربرية (الأمازيغية) في الجزائر دون تونس والمغرب الأقصى وليبيا لأن الوجود البربري التاريخي في هذه البلدان واقع قائم ومشترك في آن واحد. وهكذا فإن رؤية هذه المسألة على هذا النحو تخرجنا من إطار التفكير الجهوي الانعزالي المرتكز على العرق إلى المسرح الثقافي والحضاري العميقين. إن تنشيط البحث اللغوي، مع الأسف، قد أصبح يوظف سياسيا، كما يكرس في كثير من الأحيان بهدف تحقيق الانفصال من أجل تكوين كيانات سياسية / جغرافية، أو عرقية في صور ميكرو- دول.

هكذا نرى أن النقطة المحورية في استعراضنا ومناقشتنا لآراء الدكتور محمد حربي، تتلخص في اعتقادنا أن المنهج الحضاري هو أكثر المناهج العلمية الملائمة لدراسة الواقع التاريخي /الحضاري للشعب الجزائري، وأنه الأكثر قدرة على ضمان الوحدة والبناء والتطور في إطار احترام التنوعات الثقافية واللغوية الوطنية دون إقصاء أو تمييز أو تسويف.

3 - على هذا الأساس فإن التيار البربري الوطني المعتدل يعتقد أن “العروبة – الإسلام” في الجزائر، مثلا، لا يجب أن تعني إلغاء البعد الأمازيغي في تصميم معمار الهوية الوطنية، ولا ينبغي أن تعني إهمال وتهميش حقوق البربر اللغوية والثقافية والسياسية والاجتماعية، كما يرى هذا التيار أن الصيغة الديمقراطية تتمثل جوهريا في خلق مناخ لتزدهر فيه التنوعات الثقافية واللغوية الوطنية مع العمل أيضا على فتح فضاء يسمح ببناء تركيبة ثقافية متطورة متفتحة على منجزات المدنيات والتجارب الحضارية المعاصرة من خلال منح الحريات لكافة أشكال وأنماط التنوع اللغوي والثقافي والفكري في إطار الوحدة الوطنية والحكم المؤسس على الديمقراطية واحترام الحريات.

7